وكأنه متأكدٌ من النصر، كان فرانز يستقبل بالفعل تهاني أتباعه.
محاطًا بهم، كان يبتسم ببرود.
أليس هذا غشًا؟
“آه!”
انطلقت أصوات القلق والجزع من المدرجات.
حوّلت نظري مجددًا نحو ساحة المباراة.
لم يكترث فارس سبيرن لخصمه الذي يتألم ويتلوى نازفًا.
بل رفع رمحه منتشيًا بثقة، محتفلًا بانتصاره.
لم يكن هناك من يحتفل بهذا النصر غير المشرف سوى فرانز وإلياد وأتباعهما.
“يبدو أن جرح ذلك الفارس خطير، هل سيكون بخير؟”
ارتعش صوت فريزيا رقيقًا، ربما من صدمة رؤية الدم.
أغمض مايكل عينيه قليلًا وركّز نظره على فارس سبيرن.
“لقد استهدف صدره عمدًا. رأيته عندما وجه رمحه، لم يكن يقصد الدرع بل الصدر. ليُهزم الخصم تمامًا.”
“لكن هذا غش! أن يقاتل بهذه الطريقة الخسيسة، هذا لا يليق بفارس.”
ارتفع صوتي دون وعيٍ مني، متحمسة.
كيف يكون هذا الشخص هو الخصم الأخير لكارليكس؟
ماذا لو استخدم حيلةً جبانةً وأصابه؟
بدا مايكل قلقًا أيضًا، وكأنه يشاركني نفس الفكرة.
“من المعتاد ألا تُحاسب الإصابات خلال المباراة فارس سبيرن وضيع أن يكون هو الخصم في النهائي… أخي يحارب بشرف، هذه مشكلة كبيرة.”
هرع الخدم وحملوا فارس لورانس الذي فقد وعيه على نقالة وأخرجوه من الساحة.
ارتجت ساحة المباراة الفروسية بموجة من الصدمة والارتباك.
في المدرجات، احتدم جدال حول ما إذا كان هجوم فارس سبيرن مشروعًا أم لا.
كان الكونت لورانس، صاحب الشأن، جالسًا في مكانه صامتًا، لكن غضبًا مكبوتًا بدا على ملامحه.
كان فرانز يبتسم ابتسامة متعجرفة، كأنه قد حسم البطولة بالفعل.
بينما كانت إلياد بملامح متعالية تنتظر عودة الفارس الذي سيكرّس لها انتصاره.
أما لودفينغ، فكان جالسًا متكئًا بذقنه على يده، يحدق في الساحة بتعبٍ وملل فحسب.
همس منظم المباراة بكلام في أذن مستشار البلاط، الذي نقله بدوره إلى ولي العهد.
أومأ ولي العهد برأسه لفترة وجيزة ثم لوح بيده.
“معارك الفرسان قاسية بطبيعتها استمروا في المباراة!”
انطلق صوت البوق المرح عاليًا في السماء، وصدحت هتافات الجماهير في المكان.
أخيرًا، بدأت المعركة النهائية بين منزل دوق راينهارت ودوق سبيرن.
بفووو!
دوى صوت إشارة البداية.
انطلق فرسا الفارسين بقوة، صاهلاً بحوافرهما كأنهما تهزان الأرض.
بينما اندفعا بسرعة تفوق الريح، كالبرق، ثارت عاصفة من الغبار الأبيض.
تجاوز رمحا الفارسين بعضهما بسرعة، مستهدفين نقاط ضعف الخصم.
وميض من الضوء، مصحوبًا باصطدام مدوّ بين الرماح والدروع.
كوااجيك!
صدح صوت قوي وثقيل في أرجاء الساحة بأكملها.
ارتفع أحد الفرسان عاليًا فوق ظهر حصانه.
لم يتمكن الحصان من مقاومة قوة الدفع واستمر في الجري، تاركًا سيده يسقط أرضًا.
حجبت سحب الغبار الكثيفة تفاصيل المشهد كالضباب.
من القلق والخوف عليه، شعرت وكأن قلبي سيقفز من مكانه ويتسلق حلقمو.
لا، مستحيل.
تطابق صورة الفارس الساقط النازف مع صورة كارليكس.
قفزت من مكاني وأمسكت بالدرابزين بقوة.
ثم، ناديته بكل ما أوتيت من قوة:
“سيد كارليكس!”
بدأ الغبار يستقر تدريجيًا، ليكشف عن درع فضي لامع يتألق تحت الشمس.
كان كارليكس جالسًا على حصانه، يلقي بخوذته بعيدًا وهو يزفر بنفسٍ ثقيل.
ظهر وجهه المغرق بالعرق، وشعره الأسود المجعد يتألق كإكليل الغار الخاص بالمنتصر.
اجتاحت الساحة التي سكنت للحظة عاصفة عاتية من الهتاف.
“وااااه!”
ثم امتلأت بتصفيق حار للمنتصر.
“انتصر الدوق الأكبر كارليكس!”
“عاشت عائلة دوق راينهارت!”
تقدم كارليكس بحصانه ببطء نحو المدرجات.
حاول مستشار البلاط منعه من هذا التصرف المفاجئ، لكن لودفينغ رفع يده ملوحًا له بالتوقف.
فك منديلًا كان مربوطًا برمحه، وصعد إلى المنصة وهو يحمله بكل عناية.
عندما ظهر، كتم الناس أنفاسهم أو ابتلعوا تعبيرات الإعجاب التي كانت على وشك الانفجار.
كان درع البطل الذي انتصر لثلاثة أيام متتالية متسخًا بالطين.
لكن عينيه فقط كانتا صافيتين كالثلج النقي.
ساد صمت للحظة بين جميع الحاضرين.
كان الجميع يراقبون بتوتر لمعرفة من ستكون السيدة التي اختارها الدوق الأكبر كارليكس.
مُحدثًا صوت صرير ثقيل من درعه، تقدم خطوة بخطوة نحوي.
بينما كانت أنظار الجميع تتجه حتمًا نحو فريزيا.
تجاوزها كارليكس، وأخيرًا توقف أمامي.
سمعت صوتًا لشخص يلهث مندهشًا
بدأ همهمة الناس الحائرة تبتعد وكأنها تأتي من مكان بعيد.
شعرت وكأن كل شيء حولي انفصل فجأة بجدار غير مرئي.
حتى مايكل الذي بدا حزينًا بطريقة ما، وفريزيا التي كانت تراقبني وكارليكس بلا تعبير، اندفعا إلى ما وراء ذلك الجدار.
لا أرى شيئًا، ولا أسمع شيئًا. لا شيء.
سوى هو فقط، أمام عينيّ.
وضع كارليكس شفتيه على طرف المنديل.
عندما لمست شفتاه الرقيقتان المنديل، شعرت كما لو كان يقبلني.
ثم ركع أمامي دون أدنى تردد.
انتشرت صيحات الدهشة والذهول بين الحشد.
أخفض كارليكس رأسه كمن يطيع، وقدم المنديل لي بين يديّ.
“يا مُنقذتي، يا صديقتي، يا سيدتي. أهديكِ النصر في سبيل شرفك.”
أعلن صوته المنخفض العميق عن إجلالٍ ساطع وعهدٍ حار.
لماذا تذرف عيناي الدموع؟
كيف أستطيع الرد على ما في قلبي؟
“سيدة الدوق الأكبر؟ من تكون هذه الفتاة؟”
“وجه غير مألوف.”
“انتظروا، هذا الزي… أليس هو زي أمينة المكتبة الملكية؟ لا يمكن…”
كما لو أن أحدهم ألقى عليّ دلو ماء بارد، عاد إحساسي بالواقع فجأة.
كان كارليكس لا يزال راكعًا أمامي.
لحظة، كيف أتعامل مع هذا الموقف؟
رغم أنني شعرت بأنني سأختنق تحت وطأة الأنظار المتجهة إليّ، وقفت شامخة.
في الحقيقة، كنت أرتعش وأشعر بالدوار لدرجة الإغماء.
لكني بعد أن تنفست بعمق، ابتسمت على اتساع وجهي نحو كارليكس.
ثم، صرخت كما لو كنت أريد أن يسمعني الجميع، بمبالغة:
“أواه! سيدي الدوق الأكبر. ما زلت تذكر أنني أنقذت مايكل! لقد فعلت ما كان عليّ فعله فحسب، ومع هذا ترد الجميل بهذه الطريقة. سأعتبر هذا شرفًا لعائلتي!”
التقطت الآذان الذكية للنبلاء الكلمة المفتاحية المهمة في ثرثرتي المتواصلة.
بدأت التعبيرات المتجمدة من القلق والذهول والصدمة تختفي واحدة تلو الأخرى.
حتى أن بعضهم أطلقوا أنفاسًا من الارتياح.
نظر بعضهم إلى بعض، يتبادلون نظرات خفية أو يومئون برؤوسهم.
“بالفعل، الدوق الأكبر شخصية نبيلة ليفوز في المباراة ليرد الجميل.”
“يا إلهي، كانت هناك قصة مؤثرة كهذه. كدت أن أسيء فهم الموقف.”
يا له من ارتياح، أنا من كان عليه أن يطلق ذلك التنهد، حقيقةً.
لحسن الحظ، ساد جو من اقتناع السيدات الشابات بأنني لست سيدة كارليكس.
باستثناء الشخص المعنيّ نفسه أمامي.
حدق كارليكس بي بعينين مليئتين بالشك.
‘ما هذه الخدعة؟’
… تجاهلت نظراته المتفحصة التي كانت تسأل هذا السؤال.
كان واقفًا كتمثال، يشع بإرادة قوية بأنه لن يتحرك حتى يسمع الرد.
أليس هناك من ينقذني من هذا الموقف المحرج؟
مايكل وفريزيا لم يكونا مفيدين، إذ كانا يرسلان نظرات إعجاب وتقدير لكارليكس فقط.
وبقلق بالغ، نظرت نحو ولي العهد لودفينغ.
كانت عيناه تلمعان كما لو أنه وجد أكثر مشهد مثير للاهتمام.
أرسلت إليه نظرة استغاثة، بتوسل.
‘أرجوك، سمو ولي العهد! خذ الدوق الأكبر من هنا.’
ارتفعت إحدى حاجبي لودفينغ ثم أومأ برأسه قليلًا.
هل فهم كلامي حقًا؟
تحركت شفتاه ببطء.
حتى من بعيد، استطعت معرفة ما يقول من شكل فمه فقط.
‘لا. أ.ر.ي.د.’
آه، كنت غبية لأثق بهذا ولي العهد! يبدو أنه يستمتع بمشاهدة النار تشتعل فحسب!
تقدم مستشار البلاط نحو كارليكس وانحنى بأدب.
“سيدي دوق راينهارت الأكبر، عليك استلام الجائزة التي يمنحها سمو ولي العهد. تفضل من هنا.”
كان من قدم لي حبل النجاة ليس سوى مستشار البلاط نفسه.
قام كارليكس، الذي استمر في التحديق بي حتى النهاية، وتبع مستشار البلاط.
تقدم كارليكس أمام المقعد الرئيسي وانحنى بعمق.
ابتسم ولي العهد ابتسامة راضية وفتح ذراعيه لاستقبال البطل.
لولا أنظار الحاضرين، لبدا وكأنه على وشك معانقته.
“عاد فارسي المخلص حاملًا النصر.”
“لم يكن قصدي تكريس النصر لسموك.”
رغم ردّه الحاسم القاطع كالسيف، لم يبدُ ولي العهد محبطًا بل مسرورًا.
“لا يهم، انتصارك هو انتصاري.”
رفرف ولي العهد بوشاحه وأعلن بصوت عالٍ جهوري موجهًا إلى كل من في ساحة المباراة الفروسية:
“أعلن باسم جلالة الملك العظيم لروبيريا! منتصر مباراة اليوم هو الدوق الأكبر كارليكس راينهارت! مجدوا انتصار البطل الشجاع!”
انحنى كارليكس إجلالًا، ووضع ولي العهد إكليل الغار على رأيه ممتدحًا تعبه.
صعد كارليكس بوجهٍ جامد إلى المنصة ليظهر للحضور.
بدا بمظهره وهو يرتدي إكليل الغار كحامي العدالة، جميلًا وقويًا، يتألق تحت أشعة الشمس.
“عاش الدوق الأكبر كارليكس راينهارت!”
“ليكن المجد لدوق الشمال!”
صدح هتاف حماسي باسمه مرددًا في الساحة لفترة طويلة.
***
مع انتهاء المباراة الرسمية، عاد الفرسان إلى غرف استراحتهم.
نزل كارليكس أيضًا إلى غرفة استراحة الفرسان.
لكن المنصة كانت لا تزال صاخبة بالنبلاء المتجمهرين للدردشة مع ولي العهد.
تحت إشراف مستشار البلاط، بدأ الخدم في ترتيب المكان بانسيابية، وجلبوا طاولة طويلة.
ثم بدأت تُنقل إلى الطاولة الأكاليل الجميلة ونبيذ العنب الفاخر وكؤوس الشرب وأطباق متنوعة.
“سيد مايكل، ما الذي يتم تحضيره الآن؟”
سألت مايكل الذي كان جالسًا بجواري بهدوء.
“يعدون وليمة للاحتفال بالمباراة الفروسية. أختي، سأذهب لألقي التحية على شخص أعرفه للحظة. هل يمكنك انتظاري قليلًا؟”
“نعم. لا تقلق وعد بخير.”
تقدم مايكل نحو النبلاء بسلاسة وسلم عليهم.
رحبوا به بسعادة عند ظهور الفتى الصغير المهذب واللبق.
“لا أعرف ابن من هو، لكنه تربى جيدًا حقًا.” شعرت بفخر غير مبرر.
بينما أخوه الأكبر، الدوق كارليكس، منعزل وغير اجتماعي، فمن الجيد أن أخاه الأصغر مايكل ليس كذلك.
مستقبل منزل راينهارت مشرق.
بينما كنت أنتظر، فكرت في الدردشة مع فريزيا، لكنها وجدت نفسها محاطة أيضًا بنبلاء في مثل سنها.
كان النبلاء الشباب يتسابقون لإظهار إعجابهم بها وكسب ودها.
كانت فريزيا تتبادل الحديث معهم بابتسامة مرتبكة.
بطلة قصتنا طيبة جدًا لدرجة تثير القلق.
كنت أحدق بأعصاب مشدودة لأراقبها، خشية أن يلتصق بها ذباب مزعج ويسبب لها موقفًا صعبًا.
“إلى أين تحدقين؟ أمينة المكتبة إيريكا.”
ناداني صوت جمد جسدي كله رغمًا عني بمجرد سماعه.
«يتبع في الفصل القادم»
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 38"