“لَحظةً مِن فَضلك.”
أوقفَتني روز، ثُمَّ خفَضَت صوتَها لتُفسّر الموقف.
“يَنبَغي أن تَفهَمي الموقفَ أولًا. يبدو أن الآنسة روبيل هي الهدف.”
“لِمَاذا؟”
سألتُها وأنا أكبِتُ الغضَبَ الذي يَتَصاعَد بداخلي.
“يُقال إنّه قد عُقِدَ حفلُ شايٍ في العاصمة مؤخرًا، في إطار تواصلٍ بين أبناء النُّبلاء. حضرت الآنسة روبيل، وأُعجِبَ بها النُّبلاءُ الشبابُ من النظرة الأولى وأظهروا اهتمامًا بها وحدها. الآنسة التي في المقدمة هي التي نظَّمت ذلك الحفل. الآنسة إلياد من عائلة دوق سبيرن.”
إلياد من عائلة دوق سبيرن.
كانت الأختَ الوحيدةَ للدوق فرانز.
في القصة الأصلية، اشتهرت كفتاةٍ شريرة.
كانت تتربَّعُ كملكةٍ في الأوساط الاجتماعية معتمدةً على ثروة عائلتها ونفوذها.
بل وكانت المرشحة الأوْلى لتكون زوجة ولي العهد.
المشكلة أنها كانت، مثل أخيها تمامًا، تخفي نواياها الحقيقية وراء مظهرٍ برَّاق.
كانت تتظاهر بالنُّبل والرَّقَّة على السطح، لكنَّ جوهرها كان جشعًا وقاسيًا.
وخصوصًا في القصة الأصلية، عندما كانت تغار من فريزيا، ظهرت هذه الطبيعة بوضوح.
كانت إلياد تبتلع غيظها وهي تشاهد من الخلف وليَّ العهد وهو يحب فريزيا.
ثم ألقت باللوم على فريزيا في كل غضبها وحقدها، وأخذت تضطهدها حتى دبَّرت مؤامرةً لتسميمها في النهاية.
لكن كارليكس أوقف أفعالها الشريرة، وبعد أن قُبِضَ على قوات فرانز المتمرِّدة، أُعدِمَت هي الأخرى أيضًا.
مهلاً؟ إذًا إلياد كانت رفيقة إيريكا على منصة الإعدام؟
كانتا رفيقتين متلاصقتين في طريقهما إلى الجحيم.
يا لها من لمَّة شِقْوةٍ تدمع لها العين!
أدارت إلياد عينيها على فريزيا من أعلى إلى أسفل بنظرةٍ بغيضة.
علَت شفتيها الحمراوين ابتسامةٌ ساخرةٌ لاذعة.
“بعد حادثةٍ مُخزيةٍ كهذه… ألا يبدو من السُّخف أن تُظهرِي الآن ابتسامتَكِ أمام سمو ولي العهد وسمو الدوق راينهارت؟ أليس هذا تصرُّفًا تافهاً من فتاةٍ تنتمي إلى عائلة كونت؟”
انتهزت الفتيات الأخريات الفرصة، وأخذن يَصْفِرْنَ ويستهزئن بفريزيا.
“يالها من فضيحة كأنها تبيع الضحكات في كل مكان”
“يبدو أنها نسيت شرفَها كفتاةٍ نبيلة.”
“وقد أَسَرَت حتى سمو ولي العهد والدوق. ترى ما الموهبة التي تمتلكها؟ هل هي… شيء لا نستطيع قوله؟ هههه.”
شحُب وجه فريزيا لدرجةٍ تُثير الشفقة.
حتى وهي تُهان، ظلَّت محافظةً على وقارها، كزهرة لوتس تتوسَّط الوحل.
“أُقسِم أنني لم أرتكب أي فعلٍ لا يليق. ليس بيني وبين سمو ولي العهد والدوق إلا بعض المعرفة.”
“وكيف أصدِّق كلامكِ هذا؟”
تحدَّثت إلياد بنبرةٍ لاذعةٍ وحادَّة.
“ما الذي يجب أن أفعله حتى تصدقيني؟”
ناشدت فريزيا حسن النية، لكن هذه الطريقة لا تجدي مع ذلك الحشد الجبان الحقير.
تكلَّمت إلياد بتكبُّرٍ كأنها ملكة:
“أنا لا أُصدِّق من يَكتفي بالكلام. يجب أن تُريَني بالأفعال لقد دنَّسْتِ شرفَكِ كفتاةٍ نبيلة، لذا عليكِ عدم حضور حفلة القصر.”
“لستُ مهتمةً بالحفلات. لا داعي للقلق بشأن ذلك.”
ردَّت فريزيا بهدوءٍ واتزان، بحُلُوٍ ووقار.
وكأنها لم تُعجَب بذلك، طَوت إلياد مروحتَها وطرقت بها على كفّها.
“آنسة روبيل. يبدو أنكِ لا تفهمين على الإطلاق. أكثر غباءً مما توقعتُ. أنا لا أُصدِّق من يَكتفي بالكلام. لذا، سأجعلُ من المستحيل حضوركِ، بكلِّ تأكيد.”
لِمعَت عيناها فجأةً بقسوة.
اندفعتُ للأمام بغريزتي.
حاولت روز المُذهولة الإمساك بي، لكن الوقت كان قد فات.
وعندما استعدتُ وعيي، كنتُ قد وقفتُ بالفعل، باسطةً ذراعيّ على مَرأىً من الجميع، لأحول بينها وبين إلياد.
تفحَّصتُ وجهَ فريزيا أولاً لأتأكَّد من أنها بخير.
ربما فاجأها ظهوري المفاجئ، فاتَّسعت عيناها.
وبدا الدمعُ الذي كانت تكبته يلمع في مآقيهما.
واجهتُ فجأةً وجهًا كوجه طفلٍ يبحث عن أمه، فهبط قلبي إلى حذائي.
“إيريكا…”
“مَن أنتِ؟ بحسب زيّك، تبدين أمينةَ مكتبة لماذا تتدخَّلين؟”
ارتجفت يد إلياد وهي تمسك بالمروحة.
يبدو أن مقاطعتي لها أثارت غضبها، فقد حَزَّت حواجبها بعنف.
أطلقتُ ابتسامةً عريضة، ابتسامتي المهنية المعتادة، وقلت:
“يُرجى الهدوء في المكتبة، يا آنسة سبيرن.”
تَقَطَّبَ وجه إلياد الأبيض كعجينة الطحين.
“أتجرئين…”
حدَّقت بي كأنها ستلتهمني، ثم رفعت يدها عاليًا.
تغضب بسهولة وتلجأ للعنف.
إنه النمط السلوكي النمطي للفتاة الشريرة في روايات الفانتازيا الرومانسية.
لذا، كان من السهل التكهُّن به.
تقدَّمت خطوةً سريعةً وأمسكتُ بمعصم إلياد وهو يتَّجه نحو وجهي.
بدَت منذهلةً، كأنها لم تتوقَّع أن أتمكن من إيقافها.
ها أنا أرى فائدة التدريب المستمر على الرماية.
“يبدو أن ردَّ فعلِكِ بطيءٌ جدًا.”
أظهرتُ ابتسامةً عريضةً، فلن يبصق أحدٌ في وجهٍ مبتسم، لكن يبدو أن هذا زاد من غضبها.
حدَّقت إلياد بي بنظرةٍ حادَّة، وصَكَّت أسنانَها ثم رمَت مروحتها تجاهي.
مَرّ مقبضُ المروحة المزيَّن بالمعدن على خدِّي وطار بعيدًا.
التفَتُ بسرعةٍ لتجنُّبها، لكن خدِّي الأيمن وشَعَ بالألم.
“إيريكا، إنه جرح!”
صَرخت فريزيا وهي تخنق البكاء.
حاولت أن أطمئنها بأن الأمر بخير، لكن جسدي تصلَّب للحظة.
مُنذ متى وهما واقفان هنا؟
كان ولي العهد لودفينغ والدوق كارليكس يقفان عند مدخل رفوف الكتب بتعبيراتٍ جامدة.
بدا أن كارليكس قد فهم الموقف فورًا، فقد انكمشت جبهته الوسيمة.
توهَّجَت شرارةٌ باردةٌ من الغضب في عينيه الزرقاوين.
هذا خطير.
بالنظر إلى نظرة هذا الرجل، إذا ساء الأمر اليوم، فقد أدفع ثمنًا باهظًا.
بدَا أن إلياد لم تلاحظ ظهورهما بعد، فقد كانت تحدِّق بي بنظرةٍ متغطرسة.
كأنها تظنُّ أن عدم تحرُّكي ناتجٌ عن خوفي.
التقطتُ المروحة بسرعة وسلَّمتها إليها.
“ها قد أسقطتِ مروحتِك. يُرجى التحدُّث بهدوءٍ في المكتبة مستقبلاً، يا آنسة سبيرن.”
“أيُّ هراءٍ هذا…”
قاطعتها وأنا أخفض صوتي في تهديد:
“سمو ولي العهد والدوق راينهارت هنا الآن ألا تعتقدين أن إظهار هذا التصرُّف المخجل سيكون غير مناسب؟”
تجمَّدت إلياد فجأة.
انتقلت حيرتها إليَّ.
لكن سرعان ما ارتسمت على شفتيها المتصلبتين خطوطًا ناعمة.
“يا إلهي، لقد أسقطت مروحتي دون قصد. هل أنتِ بخير؟”
خَرَجَ صوتٌ حافلٌ بالندم والدفء.
ومع ذلك، بقيت عيناها تحدقان بي بنفس النظرة.
ساعدتني إلياد، حتى أخذتني بذراعي، ثم أمسكت بحافة فستانها واستدارت.
وفي نفس الوقت، اختفت تمامًا النظرة الشائكة التي كانت تنظر بها إليَّ.
“أوه!”
تظاهرت بأنها اكتشفت وجود ولي العهد لتوِّها، ثم انحنت بلطف.
بكل تأكيد، كان تحركًا يليق بملكة الأوساط الاجتماعية.
“سمو ولي العهد، إنه لشرفٌ أن تزور المكتبة. آمل أن تكون في صحة جيدة.”
ثم حاولت أن تلقي تحية على كارليكس أيضًا، لكنها اصطدمت بنظرةٍ باردةٍ كشفَّة، فشَحُب وجهها.
بدا أن كارليكس قد رأى من خلال تمثيلها بلمحة، فقد استمر في التحديق في إلياد.
خشيتُ أن يكتشفني، فغطيتُ سريعًا الخدَّ المجروح بيدي.
خيَّم على رفوف الكتب جَوٌّ من التوتر الممضِّ الذي يسبق الانفجار.
انتشر غضب كارليكس في الهواء كالتموُّجات.
“كيف تجرؤين، على ما فعلتِ؟”
كان صوته وهو يلفظ كل كلمة مشبعًا بالغضب المكبوت، مخيفًا بحد ذاته.
بدَت إلياد وكأنها فقدت حتى إرادة التمثيل.
كانت تقف فقط، غارقةً في الغضب الذي يفيض منه، كشخصٍ على وشك الاختناق.
ارتجفت يداها وهي تخبئ المروحة خلف ظهرها.
لقد أدركت غريزيًا: أمام هذا الرجل الذي يُدعى “أسد ساحة المعركة الدامية”، لن تجدي أيُّ حججٍ أو أكاذيب.
” حسنًا، سمو الدوق… هذا…”
تجمعت الفتيات الأخريات أيضًا كقطيعٍ مذعور في زاوية رفوف الكتب، خافضات رؤوسهن.
أدركتُ لماذا لا يختلط كارليكس بالأوساط الاجتماعية.
الفتيات يكنَّ الإعجاب له، وفي نفس الوقت يخشينه.
إن سمعته كشيطان الحرب ستبقى دومًا مصدر رعب للفتيات اللواتي يشبهن زهور الدفيئة.
أوه، بالمناسبة.
هؤلاء الفتيات يشبهن الأعشاب السامة أكثر من الزهور.
“هل من سيدة تشرح لي هذا الموقف الآن؟”
حتى لودفينغ الذي كان دائم الابتسام، نظر إلى الفتيات بنظرةٍ باردة.
كأنه خلَع قناعه وعاد إلى تعبيره الأصلي.
لطالما شككتُ في أن صورة ولي العهد المرح المحب للجنون كانت قناعًا سياسيًا.
نظرتي إلى هذا التعبير جعلتني على يقين.
بالنظر إلى الجو الحالي، يبدو أن ولي العهد و كارليكس سيقفان إلى جانبي دون شك.
هذا سيعقِّد الأمور ويجعلها مرهقة.
إذا تدخَّل ولي العهد في مشاجرةٍ تافهة بين فتيات، فقد يقال إنه شخصٌ طائش.
فالنبلاء مثل الضباع، دائمًا ما يتربَّصون بفرصةٍ للانقضاض على ولي العهد.
والأهم من ذلك، إلياد تنتمي إلى عائلة دوق سبيرن.
إذا لام كارليكس إلياد، فلن يقف الدوق فرانز مكتوف الأيدي بالتأكيد.
لقد استفدت من قراءة العديد من روايات الفانتازيا الرومانسية، وتعلَّمت صراعات السياسة في المجتمع الأرستقراطي وخلافات الفتيات.
في مثل هذه المواقف، يجب حلُّ الأمر بالتفاوض السلمي بين الأطراف المعنية.
“سمو ولي العهد، سمو الدوق. يسرنا زيارتكم بعد فترة.”
أشرقتُ عمدًا بوجهٍ مشرقٍ ورفعت صوتي بمرح.
اتسعت عينا فريزيا، التي كانت تكتم البكاء بجواري، من الدهشة.
“لحسن الحظ أنكما حضرتما في الوقت المناسب. ترغب السيدات في التحدث مع سمو ولي العهد عن الكتب. هل أحضر غرفة الاستقبال؟”
رغم أن وضع يدي على خدي بدا غريبًا، إلا أنني حافظتُ على هدوئي كأمينة مكتبة.
تمايلت نظرة كارليكس كالأمواج.
لكن سرعان ما أدرك نظريتي التي تقول “من فضلكم لا تفاقموا الأمر، التزموا الهدوء”، فعاد إلى سكونه البارد المعتاد.
كان لودفينغ أيضًا سريع التصرف، كما يُتوقَّع من شخصٍ نجا من صراعات البلاط ويملك نفوذًا.
تغيرت نظراته الحادة تجاه الفتيات فورًا إلى نظراتٍ حنونة.
“يسعدني جدًا أنكن ترغبن في مناقشة الكتب معي. لن أطلب أكثر من أن أسمع قصائد الحب بأصواتكن الجميلة.”
عندما تكلَّم ولي العهد بأدبٍ وهو يمد يده، احمرَّ وجه إلياد بخجل.
لقد صدَّقت أنها بطلة الرواية.
صفقتُ في قلبي.
“بما أن سمو ولي العهد يدعوني، فلا بد أن أستجيب بالطبع. لستُ أدري كيف أتصرف من شدة الفرح.”
أمسكت إلياد بيد لودفينغ بوضعيةٍ متعالية، كأنها أصبحت زوجة ولي العهد بالفعل.
وألقت نظرةً جانبيةً رقيقة على الفتيات اللواتي وقفن جانبًا.
“أيتها السيدات، دعانا سمو ولي العهد إلى اجتماع قراءة. لنذهب معًا.”
بدَت الفتيات مرتاحاتٍ بعد أن نَجونَ من أزمة اكتشاف أمر مضايقتهم لفريزيا.
تبعن إلياد في عجلة.
«آه!»
تظاهرت إلياد بأنها تذكرت شيئًا متأخرًا، ثم أمالت رأسها قليلاً نحو فريزيا لتحييها.
“آنسة روبيل، كنت أرغب بقضاء وقت أطول معك، لكن هذا محزن. لنلتقي مرة أخرى في المرة القادمة.”
كان صوتها حنونًا، كأنها تخاطب صديقةً مقرَّبة.
لو لم أكن أعرف حقيقتها، لانخدعتُ بها تمامًا.
أمسكت إلياد بيدي بحنانٍ شديد، وكأنها لا تدري ماذا تفعل من شدة الأسف.
“أيتها الأمينة، عالجي الجرح جيدًا من فضلك سأرسل دواءً ثمينًا للجرح إلى المكتبة. إذًا، إلى اللقاء”
عندما رأيت ابتسامة المنتصر على شفتيها، تألمت معدتي.
بالتأكيد، معارك الأرستقراطيين القائمة على المكائد واستخدام الكلمات كأسلحة لا تناسبني.
أفضل القتال جسديًا، فهذا أريح للقلب.
لكن المكتبة الملكية هي مكان عملي، ومعالجة الزبائن المزعجين هي من واجباتي كأمينة مكتبة.
أجبْتُها بابتسامةٍ لطيفة:
“نرجو زيارتنا مرة أخرى سأجهز لك كتاب (آداب السلوك الأساسية والأخلاق اللطيفة للسيدات)، الذي تحتاجينه بالتأكيد.”
لا يمكنني أن أودعكِ هكذا دون شيء، أليس كذلك؟
لن أكون الضحية الخالصة في المرة القادمة التي نلتقي فيها، يا رفيقتي في الجحيم.
“همم.”
ضحكتْ كأنها مستمتعة، ثم شدَّت على يدي.
“حقًا؟ إذًا…”
«يتبع في الفصل القادم»
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 32"