انحناءة رفيعة في عينيه البنفسجيتين، وابتسامة ساحرة رسمت على شفتيه الأكثر رقة من شفتي امرأة.
لكنني وحدي من يعرف أن ابتسامة فرانز الجميلة مجرد قناع.
انتشرت صدمة أشبه بالرعب في كل جسدي.
من الغريب أنني شعرت بمشاعر إيريكا الأصلية بتفاصيلها الواضحة، مؤلمة وحزينة… وحنيناً يُدمي القلب.
في المطعم كان الأمر على ما يرام.
فلماذا يحدث هذا الآن؟
آه.
حينها كان كارليكس بجانبي.
وجوده منعني من الانجراف عاطفياً.
عينا فرانز اللتان تطلبان مني إيجاد كتاب كانتا باردةً على عكس زاويتي فمه المرفوعتين.
هل أهرب هكذا؟
أتخلّى عن وظيفة أمينة المكتبة وأختبئ في إقطاعية ريفية لا يجدني فيها أحد؟
أشعر بالارتباك لأنني أشعر بمشاعر إيريكا التي عرفتها فقط من خلال قراءة الكتاب.
محتوى القصة الأصلية هو مجرد مستقبل لم يأتِ بعد…
ولهذا كان الأمر أكثر رعباً.
بكلمات أخرى، لأنه لم يأتِ بعد، فهذا يعني أنه قد يحدث.
خشيت أن يكون التخلي عن وظيفة أمينة المكتبة هرباً من عقوبة الإعدام، والفرار من قوى التمرد، عملاً عديم الجدوى.
خشيت أن ينتهي بي الأمر ممسكة بيد فرانز.
“ما خطبك؟ لون وجهك شاحب.”
سأل فرانز برقة وهو يمد يده.
كانت يده بيضاء كالثلج، طويلة ورفيعة.
وأنيقة ومستقيمة كيد عازف بيانو.
يد لم تلوثها الدماء أبداً.
لم يحمل السيف بيده قط.
كان أتباعه هم سلاحه، يقتلون الأبرياء.
كان الحاكم الذي يجلس بأناقة فوق بركة دماء ضحاياه ويبتسم ابتسامة راضية.
إذا كان كارليكس يخطو نحو النور من أجل المملكة وشعبها، فإن فرانز يتحرك في الخفاء ضمن الظلال فقط لإرضاء رغباته ولذته.
كيف وقعت إيريكا في حب إنسان بهذا السوء؟
تجنبت يده وردّيت بهدوء:
“أنا بخير، سيدي الدوق. أي كتاب تبحث عنه؟”
“أود قراءة كتاب عن تاريخ القارة. أين توجد رفوف كتب التاريخ؟”
“من هذه الجهة.”
عندما كنت مع كارليكس كنت تخاطبني باحترام، لكن الآن بعد أن غاب أصبح خطابك مختصراً؟
وتصرفك متغطرس أيضاً.
أتظهر حقيقتك الآن؟
تجنبت مواجهة نظره قدر الإمكان وسرتُ أمامه.
على الرغم من أنه كان يتبعني فقط، فإن ثقَـل وجوده جعل التنفس صعباً وشعرت بالاختناق.
كبحت رغبتي في الهرب على الفور بجهد ووقفت أمام رف الكتب المخصص للتاريخ.
“يمكنك البحث هنا كتب التاريخ المتعلقة بالقارة تبدأ من الرف العلوي.”
بعد أن قلت ما يجب عليّ قوله، حاولت الإنسحاب بسرعة، لكنه قال:
“انتظري لحظة. عليّ البحث عن كتب أخرى أيضاً.”
يبدو أن الدوق الصغير لا يترك فريسته بسهولة.
بلا خيار، وقفت بجانب رف الكتب كتمثال حجري.
ما هذه الحياة التعيسة؟
تألق شعره الفضي تحت أشعة الشمس المتسللة من نافذة المكتبة.
ولمعت عيناه البنفسجيتان تحت رموشه الطويلة كالجواهر.
كان طويل القامة، نحيفاً، وخطوط جسده أنيقة، مما منحه أجواءً تشبه فتى غامضاً جميلاً.
عبس فرانز، ربما لأن الضوء يزعجه.
لمَ تخطر لي الآن معلومة عديمة الفائدة مثل أنه يعاني من حساسية تجاه ضوء الشمس؟
انطلقت مني تنهيدة، لكنني خلعت ردائي ورفعته عالياً فوق رأسي.
بينما كنت أحاول بجد حجب أشعة الشمس، التفت فرانز نحوي.
نظر إليّ بتعبير مستهجن وأنا أقف مرتعشةً رافعةً الرداء.
“ماذا تفعلين الآن؟”
“حسناً، يبدو أن ضوء الشمس يزعجك.”
“لن أستطيع قراءة الكتاب بسبب الظلمة أنزلي ذلك.”
“آه، نعم.”
ارتديت ردائي بسرعة مرة أخرى.
بصراحة، كان الأمر محرجاً للغاية.
لم أكن لأفعل هذا من تلقاء نفسي.
ماذا أفعل إذا كان جسدي يتحرك بغريزة؟
سحب فرانز كتاباً فتطاير الغبار أبيضَ ضبابياً.
سعلَ سعالاً جافاً وألقى عليّ نظرة حادة.
“أتعرفين معنى كلمة تنظيف؟ هذا أمر فظيع.”
“سأحرص على ذلك في المستقبل.”
جلس فرانز أمام طاولة المطالعة حاملاً الكتاب.
عندما بدأ القراءة، لم أشعر بأن هناك حاجة لانتظاره أكثر.
“سيدي الدوق، سأذهب الآن.”
رفع فرانز يده دون أن يرفع عينيه عن الكتاب ووجهه لا يُظهر أي تعبير.
“كلا. ابقي هنا.”
أي إنسان هذا؟
انقطع صبري الرفيع أكثر من الورقة.
“أنا لست خادمتك، سيدي الدوق. لقد وجدت الكتاب الذي طلبته، لذا سأذهب الآن.”
بعد أن قلت ما أردت قوله، استدرت على الفور.
أنا أرفض بالتأكيد أن أتعلّق بهذا الشخص!
“توقفي هناك.”
على الرغم من أن أمره المتغطرس سمعته خلف ظهري، فقد تظاهرت بعدم السماع.
“ألا تريدين معرفة مكان الكتاب السحري المفقود؟”
توقفت قدماي من تلقاء نفسها.
أن يذكر هذا صراحةً وكأنني المتورطة.
ألا ينوي حتى إخفاء ذلك عني؟
كنت قد نسيت تماماً.
مهارة فرانز الخاصة.
كان يعرف جيداً رغبات الإنسان ونقاط ضعفه.
وكانت ذلك يصبح خيطاً قاسياً يقيّد الإنسان ويُحكمه
إيريكا في القصة الأصلية كانت أيضاً إحدى دماه المتلاعَب بها.
أبلعت ريقي الجاف وأنا أحارب الدافع للهرب منه.
“إذا كانت المشكلة تتعلق بالكتاب السحري، أعتقد أنه يمكنك مناقشة الأمر مع المدير ويليام. فهذا ليس من مسؤولياتي.”
“حسناً. لا داعي للتظاهر بعدم المعرفة أنتِ قارئة كتبٍ، أليس كذلك؟”
ثعلب ماكر سريع البديهة.
كان يعرف حتى المعلومات السرية المتعلقة بي.
بعد أن سبّيته في داخلي، ابتسمت ابتسامة مهنية.
“قارئة كتب؟ إنها المرة الأولى التي أسمع فيها هذا الكلام. فأنا مجرد أمينة مكتبة. ناقش التفاصيل مع المدير، من فضلك.”
علقت ابتسامة ساخرة باردة على زاوية فمه الجميلة.
“شجاعتك ملفتة منذ قليل أن تجرئي على الردّ باستمرار أمام نبيل عظيم.”
لديك موهبة فائقة في استفزاز الناس.
أنا لست ‘إيريكا’ المطيعة.
لن أرتعد من كلمتك.
اقتربت منه ببطء.
اندفعَت روح التحدي من أعماقي.
في القصة الأصلية، لم تستطع إيريكا حتى رفع رأسها أمام فرانز.
لقد أحبّته بكل قلبها فقط، ولم تُكافأ إلا بوحشية.
لقد أثارت حزني، تلك الفتاة السخيفة التي ضحت بكل شيء من أجل الحب.
آسفة، لكنني لن أصبح كذلك أبداً.
يجب أن أغيّر خطتي.
الهرب من فرانز ليس حلاً للمشكلة.
في الوقت الحالي، لا يوجد سوى طريقين.
إما قطع خيط الدمية، أو كسر ذراع محرك الدمى.
جلس فرانز على الكرسي واضعاً رجلاً على رجل، ونظر إليّ وأنا أقترب بروية.
ظهرت ابتسامة ساخرة متعمدة على وجهه الأبيض الجميل.
كانت ابتسامة صياد واثق من أن الفريسة ستقفز إلى الفخ بمحض إرادتها.
شددتُ على ساقي المرتعشتين وجعلت كتفي المنكمشتين غريزياً مستقيمتين.
كان نظري ثابتاً وهو ينظر إليه من علٍ.
“أنا أمينة المكتبة الملكية أرجو أن تحافظ على الحد الأدنى من الأدب.”
ربما لأن تصرفي كان غير متوقع، فقد ضيق فرانز حاجبيه.
عكست عيناه البنفسجيتان صورتي كالأحجار الكريمة.
ثم برزت رغبة جامحة لتطفو على السطح.
“ممتع. أنتِ مختلفة كثيراً عما تم التحقيق فيه…”
تبخرت مشاعر النصر التافهة التي شعرت بها.
الخوف الغريزي يثقل على كتفي.
كان مجرد الوقوف وعدم الانهيار هو كل ما يمكنني فعله.
اخترقني نظره الثاقب الذي بدا وكأنه يرى إلى أعماق الإنسان.
ربما هذا هو وجهه الحقيقي.
إحساس بالضغط غير عقلاني، ينبغي أن يشعر به أي إنسان بالرفض.
علاوة على ذلك، “ما تم التحقيق فيه”.
أنا أخشى معرفة مدى معرفة ذلك الثعلب الماكر عني.
“أ، لا أفهم ماذا تقصد.”
“لا يهم… يمكنني اكتشاف ذلك ببطء لاحقاً.”
تلمعت عينا فرانز ببريق غريب وهو يمسك بمعصمي بقوة.
“أولاً، أريد تلك النظرة.”
“… أفلت يدي، سيدي الدوق!”
حاولت تحرير يدي لكن دون جدوى.
القبضة القوية تشدّ أكثر فأكثر.
من أين تأتي هذه القوة من هذا المعصم الأبيض النحيل؟
لو لم يكن دوقاً، لكنت ضربته أولاً بكتاب سميك،
بينما كنت أسترجع المثل القائل “الصبر ثلاث مرات يجنب القتل”، شعرتُ فجأة بشيء يلامس يدي.
عندما نظرت إلى الأسفل في ذهول، كان فرانز يُقبّل ظهر يدي.
نظرت إليه في استغراب، فابتسم مُظهراً أسنانه المنتظمة.
“أنا أحصل على الفريسة التي أضع علامة عليها بأي طريقة. حتى لو كانت ملكاً لغيري. لم أفقد واحدة حتى الآن.”
فريسة؟
عندما بلغ غضبي الحد الأقصى، أصبحت هادئة للغاية.
هذا الموقف مضحك.
اقتربت منه وهو جالس على الكرسي وضغطت على كتفيه بقوة.
أحضرت وجهي بالقرب من أنفه دون أن أعطيه فرصة للرفض.
قريباً جداً حتى أنني شعرت بأنفاسه المضطربة بسبب اقترابي المفاجئ.
اختفت ابتسامة فرانز الواثقة بسبب الاتصال الجريء.
“ماذا تفعلين؟”
“إذاً، سأكون الأولى.”
لففت يدَي ببطء حول ربطة عنقه المُطرّزة ذات الدانتيل التي تطوق عنقه الطويل الأنيق، ثم أمسكتها بشدة.
“الفريسة التي فشل الدوق في الحصول عليها. لأنني لن يُقبض عليّ أبداً.”
ربما لأن كلامي كان غير متوقع، فقد فتح عينيه على مصراعيهما ولم ينطق بكلمة.
بدا وكأنه فتى جميل بلا حماية.
عيناه المرتعشتان تحت شعره الفضي الجميل، وشفتاه الورديتان اللتان انفرجتا قليلاً وكأنهما في حيرة.
جاءني شعور بالنشوة عندما شعرت وكأن ربطة العنق البيضاء النقية في يدي أصبحت طوقاً.
شعرت وكأنني سيدته.
اندفع دافع لجعله يركع أمامي كما فعلت إيريكا التي كانت تبكي في الوحل وتتوسل بحبها.
أردت أن أجعله يبكي بشكل مثير للشفقة متوسلاً فقط ليحب.
ربما تكون ابتسامتي الآن من نفس نوع ابتسامة فرانز.
أنا أشبه حقاً بالشرير، أبتسم لأنني أريد السيطرة على الآخرين.
“أمينة المكتبة إيريكا، أين أنتِ؟”
في تلك اللحظة، سمعتُ صوتاً يستدعيني بقلق من مدخل رف الكتب.
كانت روز.
عدّلتُ وقفتي ومهّدت تجاعيد ربطة عنق فرانز مرة أخرى.
ثم انحنيت له بأدب.
وكأن شيئاً لم يكن.
“اعذرني على الإزعاج لدي عمل متبقٍ لذا سأذهب الآن.”
لاحقني نظره اللزج لكنني تجاهلته.
عندما غادرت رف الكتب في الطابق الثاني، كانت روز تصعد بقلق وهي تمسك بحاشية فستانها.
عندما رأتني، تنفست الصعداء وهي تلهث.
“آه، الآنسة إيريكا، كنتِ هنا. لقد بحثت عنكِ لفترة طويلة.”
“هل حدث شيء ما؟”
حولت نظرها إلى الأسفل باضطراب.
“يجب أن تنزلي بسرعة هناك مشكلة صعبة بين السيدات الآن.”
سيدات مرة أخرى؟ أظنّ أن الجميع جاءوا؟
كنت أعتقد أن الجميع توقفوا عن الحضور لأن ولي العهد لودفينغ لم يعد يأتي كثيراً مؤخراً.
“ما هي المشكلة؟”
“حسناً… الآنسة فريزيا تواجه مشكلة.”
بمجرد أن سمعت اسم فريزيا، هرولت إلى أسفل الدرج دون تفكير.
رأيت مجموعة من السيدات يرتدين الفساتين في أعمق جزء من رفوف الكتب.
من بين حاجز الفساتين الفاخرة المترفة، برز فستان فريزيا الآيفوري الرقيق للعيان.
وقفت آنسة في المقدمة ترتدي فستاناً أحمر قوياً وحُليّاً مرصعاً بالجواهر اللامعة وتحدّق في فريزيا.
كانت السيدة تهاجمها بنبرة حادة، بينما انحازت سيدات أخريات لها ووافقن على كلامها.
كانت فريزيا تحاول الابتسام لكن ارتباكها كان واضحاً.
على الرغم من أنني لم أسمع بوضوح ما كانوا يقولونه، إلا أن الجو كان سيئاً بوضوح.
ما هذا؟
هل يؤذون فريزيا؟ كيف يجرؤون…؟
أسرعت خطواتي نحوهم.
«يتبع في الفصل القادم»
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 31"