من خلف الرفوف، أسرعت السيدة ماريان بصحبة خادمتها في قلق.
كانت السيدة تبدو مصدومة من حالة الأرفف المنهارة، لكن عينيها تفحصتني أنا و فريزيا أولاً.
“هل أنتما بخير؟ هل أصبتما بأي أذى؟”
“لقد أُصيبت أمينة المكتبة في ذراعها من جراء سقوط الكتب. لقد دافعت عني و…”
شرحت فريزيا بصوت متقطع من البكاء.
يداها البيضاء الصغيرة ما زالتا تمسكان بيدي بإحكام.
“يا إلهي، هل تؤلمك بشدة؟ يجب معالجة الجرح سريعاً.”
“أنا بخير، إنه مجرد…”
أردت أن أطمئن السيدة ماريان بأنني بخير، لكن الألم جعلني أتقطب وجهي دون إرادتي.
مع زوال التوتر، هجم الألم متأخراً.
بينما كنت أفرك ذراعي اليسرى التي كانت تنتفخ دون أن أدري، أصبح تعبير وجه السيدة جاداً.
“يا إلهي، لقد أصبتِ في ذراعك. يجب معالجتها فوراً. تعالي إلى غرفة العمل.”
ساعدتني السيدة ماريان برفقة خادمتها.
ثم ألقت نظرة قلقة على فريزيا التي كانت تقف هناك.
“آه، أنتِ ابنة كونت روبيل، أليس كذلك؟”
“أ… نعم…”
“لابد أنكِ منزعجة جداً من هذا الحادث المفاجئ. هل ترغبين في مرافقتنا إلى غرفة عملي؟”
***
بمجرد وصولنا إلى غرفة العمل، طلبت السيدة ماريان من خادمتها إحضار ماء دافئ ومنشفة.
أجلستني على مقعد مريح وأحضرت صندوق الإسعافات الأولية.
ثم، بمهارة تشبه مهارة طبيب، فحصت بدقة لترى إذا كان هناك أي جروح أو كسور.
“حسناً، يبدو أنه لا توجد إصابات خطيرة، لحسن الحظ. سأعالج جرح ذراعك أولاً. هل أصبتِ بحافة كتاب؟”
“كانت تلك الكتب أسلحة فتاكة! يبدو أنهم صنعوها بهذه المتانة ليرموها بدلاً من الحجارة إذا ما غزا الأعداء.”
رفعت كمي بينما ألقيت بمزحة متعمدة.
لأن تعبير وجه السيدة ماريان كان جاداً كطبيب في غرفة العناية المركزة، وفريزيا كانت على وشك البكاء
لم أَمُت بعد، أتعلمين.
أمينة مكتبة تموت بسبب ضربة كتب؟ لا أريد أن يُسجل اسمي في سجلات المكتبة بهذه الطريقة.
ارتفعت زوايا شفتي السيدة ماريان في ابتسامة دافئة.
“أعجبني تحملك، آنسة إيريكا. عندما يأتي المدير، سأطلب منه استخدام علاج سحري. لن يترك أي أثر.”
نظفت جرح ذراعي بمنشفة مبللة، ثم وضعت مرهماً عشبياً لوقف النزيف، وبعدها لفَّت الضمادة بأناقة.
كانت مهارتها في الإسعافات مذهلة.
“أنتِ جيدة جداً في العلاج. هل تلقيتِ تدريباً؟”
“زوجي الراحل كان طبيباً في القصر الملكي. تعلمت فنون الطب بمراقبتي له أثناء مساعدتي إياه.”
شاركت السيدة ماريان بابتسامة لطيفة ثم حولت نظرها نحو فريزيا، التي كانت تقف مترددة تراقب عملية العلاج.
“آنسة روبيل، يمكنكِ أن تطمئني أمينة المكتبة إيريكا ستكون على ما يرام.”
نظرت فريزيا إلي بنظرة حزنة مليئة بالذنب.
“إيريكا… كان هذا اسمكِ. لم أكن أعرف حتى اسم الشخص الذي أنقذني.”
“لا تهتمي. لم يكن الموقف مناسباً للتعارف.”
“بالمناسبة، أعتقد أنكِ ناديتِ باسمي أثناء الحادث. هل التقينا من قبل؟”
يالها من بطلة ذكية.
في ذروة الذعر، ناديت باسمها أولاً.
لا يمكنني أن أقول أنني أعرف اسمها لأنكِ بطلة الرواية الأصلية، أليس كذلك؟ مهلاً… هذا الموقف يبدو مألوفاً.
شعرت بوخز سبق أن شعرت به وسارعت في اختلاق عذر.
“صادفت اسم آنسة روبيل مرات عديدة أثناء ترتيبي لسجلات استعارة الكتب، فتذكرته.”
“فهمت، ولكن، ليس هذا وقت الحديث عن ذلك.”
رفعت فريزيا حاشية تنورتها بأناقة وانحنت برقة كرفرفة جناحي فراشة.
كانت تحية جميلة تصلح لأن تكون في كتاب آداب المجالس.
“أقدم نفسي رسمياً، آنسة إيريكا. أنا فريزيا من عائلة كونت روبيل. أشكركِ من أعماق قلبي لإنقاذكِ لي. إذا سمحتِ لي، أود أن أدعوكِ إلى منزل الكونت.”
“لا، لا داعي. سأكرر مرة أخرى، كان هذا مجرد واجبي كأمينة مكتبة. لا تشعري بأنكِ مُلزمة.”
رددت بأدب بدوري، لكني في داخلي صرخت: “بالطبع أرفض!”
لقد استوليت بالفعل على دور البطل الرئيسي، إذا دُعيتُ إلى منزل البطلة أيضاً فستحدث كارثة.
امتلأت عيناها الجميلتان كالجمشت بالدموع.
تظرت إليّ فريزيا وهي تمسك بيديها معاً بحزن.
“كيف يمكن أن أكون بهذا الجحود حتى أنني لا أستطيع التعبير عن امتناني بشكل لائق لمنقذتي؟”
منظرها هذا جعلني أشعر وكأنني شخص عديم الإحساس.
في النهاية، أرجعت تنهيدة ووافقت بإيماءة من رأسي.
“بدلاً من الدعوة، ماذا لو تناولنا أنتِ وأنا وجبةً قريبةً من المكتبة عندما يتسنى لكِ الوقت؟”
“أ حقاً تسمحين لي بذلك؟ كم هذا جميل! عندما تتعافى إصابتكِ، سأدعوكِ لتناول الطعام حتماً.”
وكأنها ارتاحت أخيراً، مسحت فريزيا محيط عينيها وابتسمت بتألق.
كانت سعيدة جداً.
شعرت بعدم ارتياح في أعماقي بسبب تأنيب الضمير والشعور بالذنب.
على الرغم من أن ذلك لم يكن مقصوداً، إلا أنني عرقلت اللقاء الأول الدرامي بين كارليكس وفريزيا.
ماذا لو لم تقع في حب كارليكس بسبب ذلك؟
حتى لو تغيرت أحداث القصة الأصلية… هل سأستطيع العودة إلى منزلي؟
تزاحمت أفكار الندم تجاه فريزيا والقلق بشأن مستقبلي في ذهني.
في تلك اللحظة، انفتح باب غرفة العمل بعنف.
ركض ويليام إلى الداخل في عجلة من أمره وهو ينادي اسمي.
“إيريكا، هل أنتِ بخير؟!”
شعره المرتب دائماً كان في حالة فوضى، وتعبير وجهه متصلب بالقلق والصدمة.
أتى مباشرة نحوي وفحص ذراعي الملفوفة بضمادة بنظرة جادة.
رغبة مني في طمأنته، رفعت ذراعي عمداً بقوة.
“سيدي المدير، أنا بخير. الأمر لا يستحق كل هذا.”
“سمعت عند مكتب الاستعلامات أنكِ أُصبتِ. جروح حادث العربة بالكاد تعافت، والآن أُصبتِ مجدداً. يجب أن تعتني بنفسكِ.”
على عكس نبرة التوبيخ، كانت عيناه ممتلئتين بالأسف والشفقة.
أسرع ويليام في تطبيق علاج سحري على ذراعي.
مع خروج الضوء من أطراف أصابعه، اختفى الألم كما لو كان كذبة.
بينما كنت في حالة ذهول، تذكرت فجأة حقيقة وتصلب وجهي.
“سيد المدير، من فضلك لا تستخدم العلاج السحري معي بعد الآن.”
عندما تكلمت بحزم، ارتسم التردد للحظة على وجه ويليام.
لا تخبريني أن كلامي جرح مشاعره؟
قبل أن أبدأ في القلق، سرعان ما استعاد ابتسامته اللطيفة وسأل مرة أخرى.
“ولمَ لا يجب أن أستخدمه؟”
كان معالجو السحر الانتعاشي كائنات نادرة للغاية في مملكة روبيريا.
خصوصاً المدير ويليام، كان أفضل معالج سحري في القارة.
لدرجة أنه كان الساحر الخاص المعالج لأمراض الملك المزمنة وكوابيسه.
“سمعت أن العلاج السحري يستنزف الكثير من الطاقة. لا تستخدم السحر لإصابة تافهة كهذه. سيُتعبك ذلك.”
حدقت عيناه البنيتان الرقيقتان بي في صمت.
على الرغم من أن الجرح قد التحم، إلا أن يديه الدافئتين بقيتا على ذراعي.
“لا يُتعبني. أي شيء من أجلكِ.”
آه، لقد خفق قلبي.
من فضلك سيدي المدير، تحقق من وجود أشخاص حولك قبل قول مثل هذه العبارات.
السيدة ماريان و فريزيا ينظران إلينا مذهولتين الآن.
“سيد المدير، المعذرة.”
كما لو أنها أدركت الجو الغريب، سعلت السيدة ماريان بهدوء.
أخيراً، استعاد ويليام رباطة جأشه وحيّا فريزيا بأدب.
“آه، آنسة روبيل. هل أُصبتِ بأي أذى؟”
“لا. أنا بخير لأن أمينة المكتبة إيريكا حمتني.”
لحظة، لقد رأيت هذا المشهد من قبل.
حاولت أن أتذكر ثم فتحت فمي قليلاً.
آه!
إنه اللقاء الأول بين البطل الثانوي والبطلة!
في القصة الأصلية، أنقذ كارليكس فريزيا، وتلقى الاثنان الإسعافات الأولية في غرفة المدير، أليس كذلك؟
في ذلك الوقت، استخدم ويليام العلاج السحري على فريزيا ووقع في حبها من النظرة الأولى…
آه! لقد ضُربت! لقد تلقيتُ العلاج السحري أيضاً!
أمسكتُ رأسي وأطلقتُ صرخة صامتة.
الوضع يزداد تعقيداً.
كان من الأفضل ألا أنقذ البطلة… لا، كان يجب أن أدعو كارليكس وأهرب!
“إيريكا، هل أنتِ بخير؟ هل أُصبتِ في رأسكِ أيضاً؟”
نظرت السيدة ماريان إليّ بعينين مذهولتين.
عندها صرخ ويليام وكأنه لُسع بالنار.
“هل أصاب كتاب رأسكِ؟ سأستخدم السحر حالاً!”
“لا! أنا بخير! جيدة! لا تهتموا بي واكملوا حديثكما.”
لوحت بيدي بقلق، لكن كلما فعلت ذلك، زاد نظر ويليام إليّ كأم تركت طفلها على حافة الماء.
“كَح!”
“آه، أعتذر لمقاطعتكما أثناء الحديث.”
عندما سعلت السيدة ماريان مرة أخرى، انحنى المدير بأدب نحو فريزيا.
“أعتذر بصدق عن تعرضكِ لحادث داخل المكتبة سأولي اهتماماً أكبر للسلامة داخل المكتبة من الآن فصاعداً.”
لوحت فريزيا بيديها في حيرة لا تدري ماذا تفعل.
“لا، سيدي المدير. الحادث كان خطئي. سأعوض عن الكتب التالفة. تسببتُ في إزعاج كبير اليوم.”
ابتسم ويليام بعينين عطوفتين.
“لا عليكِ. لا داعي للقلق. أنتِ بخير وهذا كل ما يهم.”
“ولكن…”
ألقى نظرة خاطفة على السيدة ماريان.
“سيدتي، هل يمكنكِ مرافقة آنسة روبيل إلى القاعة الأمامية؟ سأكون ممتناً.”
“بالتأكيد، سيد المدير.”
أخذت السيدة ماريان فريزيا وخرجتا من غرفة العمل.
حتى لحظة خروجهما من الباب، استمرت فريزيا في النظر إليّ بنظرة مليئة بالذنب والأسف.
عندما أغلق باب غرفة العمل، ارتخى كتفيّ المتصلبتين من التوتر.
كان إرهاقي وتعبي بسبب القلق على فريزيا أكبر من إرهاقي بسبب الإصابة، يا للعجب.
تنهد ويليام أيضاً بهدوء ثم أشعل النار في موقد صغير ليغلي الماء لإبريق الشاي.
كان ويليام مختلفاً عن النبلاء العاديين الذين يتركون تحضير المرطبات للخدم.
يبدو أنه يفضل تحضير الشاي بنفسه.
لدرجة أنني أتلقى دائماً الشاي الذي يعدّه بنفسه.
“بصراحة، لماذا فعلتِ شيئاً خطيراً كهذا؟ إذا كان الرف على وشك السقوط، يجب عليكِ تجنبه، ليس التضحية بجسدكِ لصدّه.”
كان واجهته بعيداً عني لذا لم أستطع رؤية تعبيره، لكن صوته كان صارماً ويحاول كبح غضبه.
شعرت وكأنني طالبة تُوبخ من معلمها.
“ذلك لأن سلامة المستفيد مهمة كأمينة مكتبة…”
“سلامتكِ أنتِ أهم.”
كان صوت ويليام حازماً بلا تردد.
حسناً، من الجيد أنه كان يدير ظهره لي.
وجهي أصبح دافئاً دون سبب.
بينما كنت أحاول تبريد وجهي، جاء ويليام نحوي حاملاً صينية عليها أدوات الشاي.
بينما أمسكتُ بكوب الشاي، حاولت أن أبتسم بذنب محاولةً استرضاءه.
“سأكون حذرة في المرة القادمة، سيدي المدير.”
نظر إليّ ويليام لحظة ثم استرخى تعبيره وهز رأسه.
“بصراحة، لا أستطيع التغلب عليكِ.”
كان شاي الذي أعده عطرياً ودافئاً لدرجة أنه احتضن قلبي.
تشاركنا النظر بينما نشرب الشاي.
كان الوقت الذي أقضيه في شرب الشاي مع ويليام مريحاً، كأنني مع صديق مقرب.
على عكس الوقت الذي أقضيه مع كارليكس.
كان الوقت الذي أقضيته في شرب الشاي معه غير مريح، كالجلوس على سرير من المسامير.
لأن نظرته التي كانت تراقب كل حركة لي وتعبير وجهي كانت مثقلة.
كادت أن تسبب لي الشرقة أثناء شربي للشاي.
“بالمناسبة، آنسة إيريكا. فجأة ولكن لدي طلب، هل ستسمحين لي؟”
فتح ويليام الحديث بحذر.
كان هذا أول مرة يطلب مني فيها شيئاً، مما جعلني سعيدة.
“يجب أن أستمع بكل سرور لطلب وصيي، ما الأمر؟”
ارسمت على وجهه تعبيراً محرجاً قليلاً.
“أحد النبلاء الرفيعي المستوى في القصر الملكي يرغب في رؤية قدراتكِ في ‘توجيه الكتب’ من المقرر أن يزور مكتبة الملكية غداً.”
“نعم. إذاً ماذا يجب أن أفعل؟”
“استخدمي ‘بوصلة الكتب’ أمام ذلك الشخص. إذا كنتِ لا ترغبين في ذلك، فلا تضغطي على نفسكِ.”
“لا بأس. يمكنني فعل ذلك بسهولة. ولكن، من هو ‘ذلك الشخص’؟”
انهمرت سحابة مظلمة فجأة على وجه ويليام.
بدا متعباً كموظف أُخبر أنه يجب عليه العمل لوقت إضافي قبل خمس دقائق من نهاية الدوام.
“وريث العرش الأول لمملكة روبيريا، صاحب السمو الملكي ولي العهد لودفينغ فون بسمارك.”
ماذا؟
شككت في ما سمعت.
هو يظهر هنا؟
«يتبع في الفصل القادم»
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 22"