19.كأس بعد الدوام، متعة الحياة
ما إن دخل الدوق كارليكس حتى خيم الصمت فجأة على الضجة الصاخبة.
وقفت خلفه سماء المساء الآخذة في الظلام، تتلألأ عيناه ببرودة قاسية.
وجسمه الضخم الممتلئ ألقى بظلاله فبدا أكثر جبروتًا.
وَجَلَ الجنود الأشداء الذين كانوا يتباهون بمآثرهم وهم يرفعون كؤوس القصدير، فجلسوا في أماكنهم كتلاميذ مطيعين.
وأسرع القرويون الذين كانوا يخففون بمزاحهم وضحكاتهم عناء يومهم الشاق، فخفضوا رؤوسهم بسرعة.
وتوقفت يدي عازف العود المرِح عن العزف في منتصف اللحن.
حقًا، إنه دوق ذو حضور لا يُطاق.
وكأنهم على وشك الركوع والانحناء لو نادى أحدهم: “صاحب السمو الدوق رينهارت في الأفق!”
أسرع صاحب الحانة الذي كان ينظف الأقداح نحوهم منحنياً.
“سمو الدوق الكريم، لقد تشرفت حانتي المتواضعة بزيارتكم أهلاً بكم.”
وفي تلك اللحظة، خرج من داخل الحانة قائد فرقة فرسان الظل ليونارد والفرسان جليبرت و ليام، ووقفوا في انتباه.
وجميعهم بوجوه مذهولة كأنما رأوا شبحًا.
“كيف… كيف حضر سمو الدوق إلى هنا؟”
قالها القائد ليام -الذي عُرف دوماً برباطة جأشه- متلعثماً بوجه حائر.
وتفحص جليبرت المحيط بعينين واسعتين كالأرنب المذعور، حتى أنه بدا خائفًا.
بينما كان ليونارد يمعن النظر في كارليكس بإعجاب، تعرف عليّ وأنا ملفوفة بالعباءة فصفّر بصوت خافت.
“يا إلهي، سمو الدوق يحضر إلى حانة بصحبة آنسة؟ هل ستنهار المملكة غدًا؟”
“أين المقعد، أيها القائد ليام؟”
عند سؤال كارليكس، استجمع القائد ليام -الذي أفاق متأخراً- قواه وأسرع بتوجيههم إلى داخل الحانة.
عندما جلست أولاً في المقعد الداخلي للطاولة، جلس كارليكس بجواري.
أما فرسان الظل، فلم يجرؤوا على المشاركة في الجلوس ووقفوا صفّاً أمامنا كالجنود.
شعرت بالذنب تجاه الفرسان في داخلي.
إذا فكرت في الأمر، فهذا كأن يدخل المدير فجأة على موظفيه وهم يتسامرون ويشربون.
لا مجال للاعتراض على هذا.
أخرج كارليكس زفيرًا خافتًا ثم أومأ لفرسان الظل.
“اجلسوا إذا لم أكن أزعجكم، فأنا أيضاً أرغب في مشاركتكم هذه الجلسة.”
“تزعجنا؟ بل إنه لشرفٌ عظيمٌ، سمو الدوق!”
“نشكرك على تكرمك بالحضور.”
“سمو الدوق… أن تذكرنا إلى هذا الحد…!”
أجاب الفرسان ليونارد والقائد ليام وجلبرت في آن واحد وبلهفة.
وجميعهم بوجوه مفعمة بالإثارة والتأثر، حتى أن عيني جلبرت احمرّتا بالفعل.
آه، لقد نسيت.
فرسان الظل كانوا من المعجبين الأوفياء المتعصبين لكارليكس.
اقترب صاحب الحانة من الطاولة بحذر.
وهو يمسح عرقًا باردًا، كان يراقب تعابير كارليكس.
“هل أطرد الجميع الآن؟ لكي تستمتعوا براحتكم…”
“لا بأس إذا أزعجنا أحد، فانصحوه فقط.”
“حاضر. بالطبع سيكون الأمر كذلك أتمنى لكم قضاء وقتاً ممتعاً.”
صفق صاحب الحانة بكفيه ناحيَّة روَّاد الحانة وصاح:
“حسناً، حسناً، اشربوا باعتدال وليكن تصرفكم لائقاً.”
وبإشارة من تلك التصفيقة، انطلقَتْ أصابع العازف الماهرة على أوتار العود، وتدفقت الموسيقى المرحة.
وعندها بدا أن الناس اطمأنوا، فراحوا يلتقطون الإشارات بخفة ثم يعودون ليتحابروا ويرفعوا أقداحهم.
واستعادت الحانة ضجيجها وحيويتها.
عندما همَّ صاحب الحانة بمغادرة الطاولة، رفعت يدي وناديته:
“لو سمحت، كأسان من الجعة.”
ففي أي عصر، الطلب هو الأساس عند الجلوس إلى الطاولة.
بعد أن أنهيت طلبي باعتيادية، نظرت حول الطاولة فوجدت الجو متوتراً.
كان كارليكس وفرسان الظل يحدقون بي بنظرات مذهولة.
فَهَزَزْتُ كتفي.
“أأخطأت في شيء؟ جعة هذا المكان المشهورة محضَّرة يدوياً رائعة.”
“أنت ماهرة في الطلب، آنسة إيريكا هل ترددين على هذا المكان كثيراً؟”
سأل ليونارد وهو يصفر من الدهشة.
“حسناً، بعد الدوام كنت أشرب كل يوم… لا، قرأت عنه في كتاب أردت أن أطلب بنفسي.”
أسرعت بالاعتذار.
كدت أن أعترف أنني في حياتي السابقة كنت أشرب في الحانات كل يوم بعد الدوام.
في اللحظة المناسبة، وضع صاحب الحانة كأسي الجعة على الطاولة.
رغوة الجعة الناعمة كسحابة سماوية تطفو فوق الجعة الذهبية.
يا إلهي، لقد التقيت هنا برفيق روحي يواسي نفسي.
شعرت بحرارة في محاجر عيني.
وبينما كنت أستعيد لقائي المؤثر بالجعة، همس لي ليونارد بأذني:
“كنتِ أنتِ من أتيتِ بسمو الدوق إلى هنا، أليس كذلك؟”
“نعم كنتُ أريد شرب الجعة فقال سمو الدوق إنه سيصحبني لحمايتي.”
“واو، هذا مذهل لقد أنجزتِ يا آنسة إيريكا مهمة لم يستطع أي فارس شجاع في المملكة إنجازها.”
نظر إليّ ليونارد بنظرة إعجاب.
ماذا؟ هل فعلت شيئاً عظيماً؟ كل ما في الأمر أنني أردت شرب الجعة بعد الدوام.
“لقد مرت سبع سنوات على خدمتنا لسمو الدوق، لكنني لم أجلس قط إلى مائدة شراب معه بعد المعارك الضارية أو التدريبات الشاقة، كان يُقِيم لنا حفلات شراب لكنه لم يكن يشرب بنفسه.”
“ولماذا؟ ألا يحسن سمو الدوق الشرب؟”
“كان يقول إن السبب أن الخمر تُذهِل العقل والقلب.”
يبدو أن كارليكس إنسان صارمٌ وقاسٍ على نفسه بلا رحمة.
يا للعجب، يمتنع عن شرب الخمر!
نهض القائد ليام من مكانه متحمساً ورفع قدح الجعة عالياً.
“هيا، لنرفع جميعاً نخب هذا المجلس المشرّف الذي نحتفي فيه بسمو الدوق! من أجل مجد بيت رينهارت!”
“ومن أجل ازدهار مملكة روبيريا!”
تصادمت خمسة أقداح جعة في الهواء.
وانضممت إليهم بحماس في النخب.
بالطبع، كنت أشعر بثقل نظرات كارليكس التي كانت تحدق بي بإصرار.
لنركز على الشراب في مجلس الشراب، من فضلكم.
رفعت قدح الجعة وأفرغته دفعة واحدة.
صفر الفارس ليونارد ورفع إبهامه، وتفاجأ الفرسان الآخرون.
وغضَّ كارليكس حاجبيه الجميلين.
وكانت نظرة عدم تصديق.
بعد أن أفرغت الجعة المنعشة، مسحت الرغوة العالقة بجانب فمي بكمي متظاهرة بالأناقة.
“الجعة هي رفيقة روحي.”
بعد النخب، أصبح جو الطاولة صاخبًا.
“أتتذكر سمو الدوق ما حدث في معركة برنارد؟ عندما كادت الشجرة الضخمة المكسورة أن تسقط عليك، دافعت عنها بكل جسدي!”
“ليونارد، أنت من سقط وأنت تحمل تلك الشجرة المكسورة أنا من أنقذتك قبل أن تسحقك الشجرة.”
“ألا يمكنك أن تتذكر فقط روح التضحية لدي؟”
عندما تذمر الفارس ليونارد، ارتفعت زوايا فم كارليكس كما لو كان الأمر مضحكاً له.
وقدم القائد ليام تقريراً عن العمل لكارليكس بنظرة محملة بالإجلال.
“نتائج تدريب فرقة الفرسان الجدد هذه المرة جيدة وهذا بفضل توجيهاتك سمو الدوق.”
“دخل الكثير من ذوي المواهب لقد بذلتَ جهداً كبيراً أيها القائد.”
ربت كارليكس على كتف القائد، فظهر على وجهه تعبير الخشوع.
“أما أنا؟ اشكرني أنا أيضاً يا سمو الدوق لقد ربَّيتُ كل الفراخ الصغيرة من الفرسان الجدد بنفسي!”
عندما تباهى الفارس ليونارد بكل جرأة، وبخه القائد ليام الذي لم يستطع تحمل ذلك.
“تربيتهم؟ أنت الذي كنت تهرب دوماً عندما كنا نطلب منك تدريبهم.”
“يا إلهي، أتحب أن توبخني في هذا المجلس الطيب يا سيدي القائد؟”
“سأستغل هذه الفرصة لأعيد تدريب عقلك أولاً.”
وكأن المشاحنات بين ليونارد والقائد ليام أمرٌ معتاد، حوَّل كارليكس نظره إلى جليبرت.
“جليبرت، مهارتك في الرماية تقدمت كثيراً مؤخراً، هذا رائع.”
“أ… أشكرك، سمو الدوق.”
عندما مدحه كارليكس، احمرّ وجه جليبرت من الفرح وهو لا يدري ماذا يفعل، وسخر منه ليونارد.
أما أنا، فاستندت بذقني على يدي واستمتعت بمشهد الدوق الشمالي وفرسانه المخلصين الودي، وكأنني أشاهد فيلماً مسلياً.
روائح الأطعمة اللذيذة القادمة من المطبخ، ورائحة الجعة، والنسمات المنعشة الآتية من النافذة المفتوحة، وأضواء المصابيح الدافئة المعلقة على كل جدار.
نخب تتبادلها الطاولات، وتصفيق وضحكات تتدفق، إنه مشهد المساء الدافئ في الحانة.
في هذا العالم الغريب، لم أتخيل قط أنني سأشارك مجلس شراب مع البطل.
“الحياة طويلة وتُري المرء عجائب أن أرى بعيني سمو الدوق يشرب مع سيدة.”
قال ليونارد بصوت مؤثر وهو يطيل الحديث.
لكن تصرفاته كانت مريبة.
فهو يَنَكِّتُ خصر جليبرت تحت الطاولة.
ويقوم جليبرت -بوجه يبدو عليه الأسف الشديد- بتسليمه قطعتين فضيتين من خلف ظهره.
مهلًا، هناك شيء مريب؟
عندما حاول ليونارد بإيماءة شبحية خفيفة إخفاء القطعتين الفضيتين، همست في أذنه:
“هل راهنتما؟ على أن يشرب سمو الدوق وأنا معاً أم لا.”
ارتعب ليونارد وأسرع بتجنب نظري.
بينما خفض جليبرت رأسه كالمذنب.
“أيها الفارس الحارس لسمو الدوق، أتراهن؟ ألا تخجل من شرف فرسان الظل؟”
“لقد ارتكبتُ خطأً فادحاً أن أتجرأ على السيدة… وأراهن بتعدٍّ…”
ترنح ليونارد -الذي عُرف دوماً بالهدوء والمرح- وهو لا يدري ما يفعل.
كان يعتذر بصدق وهو يواصل الانحناء.
“أشعر بالخيبة، أيها الفارس ليونارد لماذا استثنيتني؟”
“ماذا؟ ماذا تقصدين؟”
سأل ليونارد بوجه لا يفهم.
“كان يجب أن تشاركني الأرباح فأنا من أحضر سمو الدوق إلى هنا.”
ابتسمت ببراءة كالشريرة.
وسلمني ليونارد -بوجه ذاهل- قطعة فضية بكل أدب.
“في المرة القادمة، زِد المُراهَنَة، أيها الفارس ليونارد.”
هز ليونارد رأسه بوجهٍ كمن يرى عدواً شرساً مرعباً.
“يجب ألا أتخذكِ يا آنسة دييل عدوةً أبداً.”
“ماالذي تتناجيان به سراً؟”
صوت بارد كالصقيع.
تجمّدنا أنا وليونارد في أماكننا والتفتنا في نفس الوقت.
كان كارليكس ينظر إلينا بوجه قاسٍ وهو متشابك الذراعين.
أصبح جو الطاولة الودي بارداً كسهول سيبيريا.
نهض القائد ليام ذو الخبرة واقفاً فجأة وألقى التحية العسكرية لكارليكس.
“سمو الدوق، سأخرج قليلاً للتجول في المحيط ليونارد، جليبرت لننطلق.”
“ماذا؟ آه، أجل! حاضر، سيدي القائد.”
وضع جيلبرت الذي بدا كأنه كان ينتظر قدحه وألقى التحية بحماس.
على عكس جليبرت المنضبط انضباطاً عسكرياً صارماً، كان ليونارد يبدو متأسفاً وهو لا يستطيع ترك قدح الجعة.
عندما خرج فرسان الظل من الحانة، ساد صمت محرج طاولتنا التي لم يتبقَ عليها سواي أنا وكارليكس.
في وسط الحانة الصاخبة، كنا وحدنا كجزيرة منعزلة.
وكان قدح جعة كارليكس كما هو، وكأنه لم يشرب منه قط رشفة واحدة.
حقاً، إنه بطل جامد وغير ممتع.
وهززت لساني في داخلي، وطلبت قدح جعة آخر من صاحب الحانة.
كان كارليكس يحدق في الحانة بصمت.
حتى في الحانة حيث يتراخى الجميع ويضحكون ويتحدثون بارتياح، بدا كأنه لا يزال في قلب ساحة معركة ضارية.
في القصة الأصلية، كان يُصَوَّر دائماً كبطل لا يُقهَر منتصر.
لكن الآن، بدا كفارس وحيد مُطَارَد إلى حافة جرفٍ منيعٍ وهو يقاتل الأعداء بلا توقف.
كيف هي الحياة الحقيقية لكارليكس؟
لماذا تتحدث القصة الأصلية فقط عن كارليكس الواقع في حب البطلة؟
ولماذا لا تظهر وحشته القاسية ومعاناته الثقيلة في الحياة؟
ربما، البطل نفسه ليس سوى شخصية ثانوية مثالية من أجل البطلة فقط.
“إيريكا أتسمعين كلامي؟”
كنت غارقة في التفكير بذهول، عندما أيقظني صوت كاليكس.
نظر إليّ بنظرة غير راضية.
“قيل لي إنكِ ابنة نبيل، فلماذا تبدين معتادة على مثل هذا المكان؟ ألم تتعلمي آداب النبلاء؟”
ما خطبك؟ لماذا يفعل البطل هذا فجأة؟
(يتبع…)
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 19"