17.طلب البطل صداقتي
“سلامة السيدة إريكا هي ما نحميه بأرواحنا، نحن فرسان ظلال الحرس!”
قال لويد بثقة مطلقة وهو يضرب بقبضة يده على صدره مؤكدًا قسمه.
هززت رأسي بحزم.
“شكرًا لك، لكنني أفضّل أن تُعلِّمني طريقة عملية.”
“ماذا؟ لا أفهم ما تعنين.”
استفسر لويد بوجهٍ مشوبٍ بالحيرة.
بينما كان جيلبرت يُحدِّق بي متعجبًا بعينين واسعتين.
“يُقال في المثل: لا تُعطني سمكة، بل علِّمني كيف أصطاد أرجوك علمني فنون الدفاع عن النفس لأستطيع حماية نفسي.”
“أن تتعلمي أنتِ فنون الدفاع عن النفس، يا آنستي؟ هذا مستحيل! الأمر في غاية الخطورة!”
قال جيلبرت وهو يهتز ذعرًا ويرفرف بيديه.
كان منظره مضحكًا ولطيفًا لدرجة أني كدت أن أنفجر ضحكًا، لكنني تمالكت نفسي.
وواصلت حديثي بوجهٍ جادٍّ قدر استطاعتي.
“لا يمكنني الاعتماد على حماية فرسان الظل للأبد. هجوم العدو قد يحدث في أي وقت وأي مكان أريد أن أتعلم كيف أحمي نفسي استعدادًا لتلك اللحظة.”
طلبت بأقصى أدبٍ ممكن.
أمسك لويد بذقنه وغرق في التفكير للحظة، ثم أومأ برأسه وكأنه اتخذ قرارًا.
“لقد شعرت بهذا من قبل، عند حادث العربة أيضًا، شجاعتكِ يا آنسة إريكا تستحق الإعجاب حقًا لدرجة أنني أتمنى ضمّكِ إلى فرقتنا كيف لي ألا أساعد آنسة مثلكِ وهي تطلب بهذا الإلحاح؟!”
“ل-لحظة واحدة، ألا يجب أن نستأذن الدوق أولاً؟ هذا ليس قرارًا يمكن للفرسان اتخاذه وحدهم.”
قال جيلبرت بوجهٍ متحيرٍ وهو يتلجلج، لكن لويد ابتسم ابتسامة عريضة ووضع يده بقوة على كتف الفارس الأصغر سنًا.
“هذا عليك أنت إبلاغه. تدريب المُبتدئين هو مسؤوليتك، أليس كذلك؟ لا تكن فظًّا مع الأنسة، وعلِّمها بأدبٍ تام.”
وبينما كان جيلبرت مصعوقًا وعاجزًا عن الكلام، انحنى لوييد لي بسرعة مُحيّيًا.
“آنسة إيريكا، جيلبرت قد يكون أحمق قليلاً، لكنه فارس مخلص وسيعلّمك بكل إخلاص المعذرة، لديَّ أمرٌ مهمٌّ يجب أن أُنجزه.”
وبهذا فقط، اختفى مثل الريح.
“إلى أين يذهب السير لوييد على أي حال؟”
عندما سألته، أطلق جيلبرت تنهيدة.
“لقب السير لوييد هو ‘سيف الريح’. لكنه لا يعني أن سيفه سريع كالريح، بل يعني أنه ‘زير نساء’.”
تطلعتُ في الاتجاه الذي فرّ إليه لويد.
أمام المبنى الملحق، كانت هناك سيدة شقراء ترتدي زيَّ أمينة المكتبة تتجوّل وكأنها تنتظر شخصًا ما.
أليس هذا الشخص… الموظفة المسؤولة عن الأرفف في الطابق الأول؟
ركض لويد ناحيتها وحيّاها، ثم انطلق الاثنان ممسكين بأيدي بعضهما بعطفٍ خلف المبنى.
ألا تشبه رواية رومانسية؟ الجميع يمارس الغرام ما عدا أنا.
حتى في القصة الأصلية، بعد أن تحقَّق الحب بين كارليكس وفريزيا في المكتبة الملكية، انتشرت إشاعة كاذبة بأن المكتبة أصبحت معبدًا للحب.
بعد ذلك، توافد عدد لا يحصى من العشاق إلى المكتبة متسللين… وتحولت إلى مكان مواعدة غير لائقٍ يمارسون فيه الحب.
قرأت بإيجاز أن الموظفين كانوا يعانون في جحيم الأزواج الذين كانوا يختبئون خلف رفوف الكتب ولا يقرأونها، بل يتبادلون القبل فحسب.
لقد هربوا ووجوههم محمرّة من الخجل، لكنني مختلفة.
إذا صادفت أي سلوكيات عاطفية للأزواج في المكتبة الملكية، سأريهم ما معنى تحقيق العدالة.
“آنسة إيريكا، هل تختارين السلاح المناسب أولاً؟ دعينا نجرب السيف الأساسي أولاً.”
بدأ جيلبرت دروس الدفاع عن النفس بوجهٍ مُستسلِم.
أخذ سيفًا خشبيًّا وأخذني أمام دمية التدريب.
“التدريب الأساسي هو ضرب الدمية يجب أن تضربي منطقة الصدر بدقة وبأقصى قوة ممكنة.”
شرح لي جيلبرت بالتفصيل كيفية مسك السيف ووضعية التأرجح.
أمسكت السيف الخشبي بيدي الاثنتين بقوة وركضتُ نحو الدمية.
“هيييا!”
انطلقت صرخة القتال من تلقاء نفسها.
في البداية، كنت أضرب جذع الدمية، لكن مع التأرجح، بدأت المرارة المكبوتة تنفجر مثل بركان ثائر.
بدأتُ أهاجم الدمية بتأرجح السيف الخشبي بعشوائية وكأنني أتفّرغ من غضبي.
“هااا!”
بدا أن جيلبرت قد فُزع من شراستي، فتراجع إلى الوراء بخفّة.
“ح-حسنًا… يا آنستي، إذا بالغتِ في ذلك، قد تُصابين في معصمك.”
هاجمت الدمية بشراسة، لكن لأن جسد إيريكا كان ضعيف البنية، سرعان ما نفدت طاقتي.
فكر جيلبرت للحظة، ثم أحضر قوسًا قصيرًا وسهامًا من الثكنة.
“في الحقيقة، هذا القوس للتدريب خاص الأمير الصغير مايكل، لكن جربي استخدامه.”
“هل سيساعدني القوس حقًا؟”
“مع التدريب المستمر، يمكن لأي شخص أن يسيطر على العدو باستخدام القوس بما أن بنيتكِ صغيرة وقوتكِ العضلية ضعيفة، فأنتِ في وضع غير مؤاتٍ في القتال القريب بالسيف من الأفضل أن تهاجمي باستخدام القوس.”
كان القوس القصير بحجم ذراع طفل، لكنه بدا متينًا.
وضّح لي جيلبرت بالتفصيل كيفية وضع السهم على الوتر، وسحب الوتر، وتصويبه نحو الهدف.
في أول محاولة لي لإطلاق السهم، سقط السهم بلا قوة مثل ورقة شجرة.
مع الاستمرار في التمرين، أصبحت قادرة على التقليد بشكلٍ ما، لكنها لم تكن حالة جيدة حقًا.
من خلفي، قال جيلبرت وهو يشاهد تدريبي بصوتٍ منبهر:
“يبدو أن تركيزكِ جيد يا آنستي، ولديكِ موهبة في الرماية.”
“كم من الوقت أحتاج للتمرين حتى أستطيع استخدامه في المعركة الحقيقية؟”
“لا يوجد سوى طريقة واحدة: التمرين المستمر. يجب أن تتدربي على إطلاق عشرين سهمًا يوميًا.”
كانت ذراعي تؤلمني بالفعل وأصابعي تتأذى من احتكاكها بالوتر.
إذا تمرنتُ يوميًا، أعتقد أنني سأواجه صعوبة حتى في حمل كتاب.
انطلقت مني تنهيدة، لكنني حملت القوس مرة أخرى.
بمجرد أن أقرر فعل شيء، يجب أن أكمله حتى النهاية لأشعر بالارتياح.
“سأحاول.”
تَنفَّستُ بعمقٍ مرة أخرى وسحبتُ وتر القوس.
كانت ذراعي ترتعش، لكن عندما ركزت نظري على الهدف ووجّهت تركيزي إلى نقطة واحدة، صفى ذهني المشوش.
في تلك اللحظة، سمعتُ صوتًا عميقًا منخفضًا من خلفي.
“أمينة المكتبة إيريكا، ماذا تفعلين هنا؟”
فوجئت وأطلقت السهم دون حتى النظر إلى الهدف.
أصاب السهم الجدار وسقط.
التفتُ ورائي لرؤية كارليكس واقفًا بعلاماتٍ طفيفة من التعب، مرتديًا معطفًا بروكوش أبيض ناصعًا مزينًا بتطريز ذهبي ومعطفًا أرجوانيًا.
ركض جيلبرت مسرعًا وقدّم التحية.
“سيدي الدوق، هل عُدت من القصر الملكي على خير؟”
“هاه، ما زال مكانًا مرهقًا لو تأخرت أكثر، كنتُ سأقع في قبضة ولي العهد.”
اتجهت نظرة كارليكس مباشرة نحوي خلف جيلبرت.
“جيلبرت، اشرح لي ما الذي تفعله أنت وأمينة المكتبة إيريكا هنا.”
بدا صوته وكأنه يستجوب.
وقف جيلبرت المسكين عاجزًا عن الحركة مثل فأر أمام أسد.
لم أستطع تحمل ذلك، فتقدمت إلى الأمام.
“لقد طلبت من السير جيلبرت أن يعلمني فنون الدفاع عن النفس.”
“همم، هكذا إذاً.”
أمر كارليكس جيلبرت بوجهٍ بارد:
“اذهب فورًا إلى البوابة الرئيسية للمكتبة وتأكد من تفتيش الزوار بدقة.”
كأن جيلبرت قد نجا من الموت، فحيّاني بسرعة وركض نحو البوابة الرئيسية.
بقيت أنا وكارليكس وحيدين في الفناء الخلفي.
اقترب كارليكس مني ببطء.
حتى بمجرد المشي، كان يشبه أسدًا يقترب من فريسة، يشع بإحساسٍ مهيب.
“لماذا تتعلمين الدفاع عن النفس؟”
“إنه تدريب استعدادًا لأي خطر محتمل.”
“لا أفهم هناك سيفي وفرساني أمامك، فلماذا؟”
كانت نظرة كارليكس تهدّئ وتسأل: “أتجاسرين على رفض حراستي؟”
إنه أفضل سيف في المملكة، والفارس الذي يبث الرعب والخوف في أعدائه.
كما أنه الفارس المثالي الذي تحلم به فتيات النبلاء في المملكة.
لكن، بناءً على خبرتي في الحياة، إذا انتظرت فارسًا قد يأتي أو لا يأتي، فإن ذلك طريق مناسب للموت. بدلاً من ذلك، إنقاذ حياتي بنفسي أسرع.
“أنا ممتنة للحماي عائلة الدوق لي، لكنني أريد أن أحمي نفسي بنفسي.”
“فهمت.”
راقبتُ وجهه، ظنًا أنه سيتجاوز الأمر دون تعليق.
“إذاً سأعلمكِ بنفسي.”
هاه، هذا أمرٌ مرهق.
تراجعتُ خطوة إلى الوراء وهززت رأسي بسرعة.
“أنت، سيدي الدوق؟ لا، لا بأس! سأرفض لأن الأمر سيكون ثقيلاً عليّ.”
ارتفعت زاوية فم كارليكس في خط منحني.
نظر إليّ بنظرة ماكرة .
“إذا لم تثقى بسيفي وحده، ألا يجب أن أعلّمكِ بنفسي؟”
أمسك كارليكس القوس الذي في يدي.
“أثناء مشاهدتي، رأيت أن وضعية الرماية غير مستقرة.”
دنا من ظهري تمامًا دون حتى إعطائي فرصة للرد.
يمكنني تقريبًا أن أشعر بجذعه العلوي الصلب.
يمكنني أن أسمع أنفاسه بوضوح، أشعر بحرارة جسمه، وأشم رائحة عطره الذكورية النفاذة.
بدأ قلبي ينبض بسرعة دون أي حياء.
استحمّت وجنتاي باللون الأحمر.
يا له من قلب بلا مبدأ.
هل كل ما يتطلبه الأمر هو وجه وسيم؟
“هيا، ارفعي القوس، آنسة دييل.”
طلب كارليكس بأدب، كما لو كان يدعو للرقص في حفلة.
بلا خيار، رفعت القوس وصوّبت، ومسكت بالوتر.
احتضنني كارليكس من الخلف، ولف يديّ بلطف وأمسك بهما، يداي اللتان تمسكان بالسهم والوتر.
“عند سحب وتر القوس، من المهم الحفاظ على تنفس مستقر إطلاق السهم يتطلب تركيزًا شديدًا.”
كبحت رجفتي وركزت على رأس السهم.
نظرت إلى رأس السهم اللامع المنعكس من ضوء المصباح، وزفرت بهدوء.
بدأ قلبي النابض بالهدوء تدريجيًا.
مع متابعة يدي، بدا أن أنفاسه وأنفاسي أصبحتا نفسًا واحدًا.
في اللحظة التي أطلق فيها يداه ويداي الوتر المشدود، انطلق السهم نحو الهدف بسرعة الضوء.
حتى الريح العابرة توقفت.
لم يكن هناك سواي وهو، والسهم الطائر.
ثونغ!
فزعت من الصوت العالي للسهم وهو يخترق الهدف، وسقطت من حضنه.
عندما التفتُ فجأة، كان كارليكس يبتسم مشرقًا.
“يبدو أن لديكِ موهبة في الرماية إنكِ تفاجئينني في كل مرة أقابلكِ فيها.”
“هذا بفضل إرشاداتك، سيدي الدوق. شكرًا لك.”
“أنتِ ذكية، لذا ستُصبِحين جيدة في الرماية إذا تبادر إلى ذهنكِ أي أفكار مشتتة، سينحرف السهم عن الهدف لذا، حافظي على تركيزكِ دائمًا.”
شرح لي تقنيات الرماية بتفصيلٍ ووضوح.
لم يكن هناك أثر للدوق المتغطرس الذي سخر مني عندما التقينا لأول مرة.
مر بعض الوقت.
عندما كنت على وشك إنهاء تمرين الرماية والعودة إلى المكتبة، قال لي كارليكس:
“أمينة المكتبة إيريكا، سأصطحبكِ إلى القصر بعد انتهاء العمل.”
“سمعت أن فرسان الحرس هم من يتولون حراستي خلال الذهاب والعودة من العمل ليس عليك أن تزعج نفسك وتصطحبني، سيدي الدوق بالإضافة إلى ذلك… اليوم، أنوي العودة مع المدير ويليام في العربة.”
“همم، المدير ويليام بطيء عادة، لكنه سريع في مثل هذه الأمور.”
تذمر كارليكس، غير راضٍ عن ويليام.
وبجدية وبهدوء، وبّخته:
“المدير ويليام هو صديقك المقرب، أليس كذلك؟ يبدو أنك شخصية سامية، سيدي الدوق، ولديك عدد قليل من الأصدقاء، لذا يجب أن تُقدّر الأشخاص الموجودين بجانبك.”
بينما كنت أتحدث، شعرت وكأنني معلمة أُعلّم طالبًا كيف يكون لطيفًا مع أصدقائه؟
توقعت بالطبع أن يغضب كارليكس بسبب طباعه.
لكن المفاجأة أنه استمع إلى كلامي مثل طالب مطيع.
حتى في القصة الأصلية، كان دوق كارليكس دائمًا وحيدًا.
لم يهتم بالناس في العالم، وكان يطلق تعليقات متغطرسة وقاسية.
لم يتواصل أو يتحالف مع عائلات النبلاء الأخرى.
حظي بمحبة الملك وثقته الكاملة، لكنه في الحقيقة لم يكن مهتمًا بالسلطة.
الجميع إما يعجبون به ويلاطفونه، أو يحسدونه ويغارون منه.
كان المدير ويليام هو الصديق الوحيد الذي يمكنه فتح قلبه وفهمه حقًا.
انحنى كارليكس برشاقة كما لو كان يحيي، ونظر بهدوء إلى عيني.
“إذاً، هل أنتِ صديقتي؟”
“ماذا؟ كيف لي أن أجرؤ على أن أكون صديقة لسيادة الدوق؟”
ما هي خطته حقًا ليتصرف هكذا؟
كنت مرتبكة، لكنني كنت فضولية بشأن نيته الحقيقية، لذا نظرت إليه بنظرة مشككة.
“كلامك صحيح ليس لدي الكثير من الأصدقاء الذين يمكنني فتح قلبي لهم صديقي الوحيد منذ زمن طويل هو ويليام حتى أنني أود في بعض الأحيان أن أركل ظهره… لكن مهاراته في التعافي بالسحر لا بأس بها إنها توقف الكوابيس.”
هل تعتبر ويليام حقًا صديقًا؟ أم تعتبره مجرد وسيلة للسحر؟
اقترب وجه كارليكس مني أكثر.
أردت التراجع، لكن يده كانت قد أمسكت بكتفي بالفعل.
صوت منخفض ناعم، لم أسمعه قط من الدوق البارد، دغدغ أذني.
“آنسة دييل، أرجوكِ أن تشعري بالشفقة عليّ، أنا الذي ليس لديه أصدقاء يمكنني فتح قلبي لهم…”
عندما التقت عيناي بعينيه، انحنت عيناه الكوبالتية الزرقاء بشكل ضيق، ورُسمت على شفتيه الحمراء ابتسامة ساحرة.
“هل ستكونين صديقتي؟”
(يتبع…)
ترجمة مَحبّة
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 17"