14.الضيف غير المدعو
فرانز سبيرن.
كان شابًا وسيمًا، طويل القامة، نحيل البنية، ذو شعرٍ فضيٍ ناعم.
عيناه البنفسجيتان كالأحجار الكريمة البرَّاقة، وبشرته الشاحبة البيضاء التي تكاد تُظهِر العروقَ تحتها، وشفتاه الأحمراتان اللتان تفتِنان كلا الجنسين.
كانت هيئته تَبعثُ على الاسترخاء ونَفحاتٍ من الإغراء في آن.
كان الابنَ البِكر لأسرة دوق سبيرن العريقة، التي تَوارثت المَجْدَ والثروة الهائلة والمكانة في المجتمع الأرستقراطي على مدى مئات السنين.
وفي الوقت نفسه،
كان زعيمَ الفصيل المتمرِّد الذي سعى للاستيلاء على مملكة روبيريا، والحبيبَ الذي عَشِقَته إيريكا في الخفاء.
قَضَضْتُ على شفتي السفلى دون أن أدري.
كنتُ أتوقُ للوقوف فورًا وإبلاغ كارليكس بأن ذلك الرجل هو زعيم المتمردين، ثم الصُّراخ لاستدعاء حرس القصر الملكي.
عندها لن أُقادَ إلى منصة الإعدام.
أعلمُ أن هذا جنون. فلا أدلةَ لدي، وفرانز لم يرتكب شيئًا بعد… على الأقل حتى الآن.
لا أفهم.
كيف وقعت إيريكا في حبِّ رجلٍ كهذا؟
في القصة الأصلية، كانت إيريكا فتاةً هادئةً خوافةً مُتحَضِّرة.
لم تُقاومْ حتى بِيردي الذي استولى على ثروتها ومكانتها بشكلٍ لائق.
كانت تعتقدُ أن العيش بهدوء مع مَنْ تُحبُّ يكفيها.
أتُرَى تلك إيريكا قد خانَتْ حتى وطنها، وألقَتْ بكلِّ ما تملك في هوى الحب؟
أَطلَقَ الدوق الأكبر فرانز ابتسامةً أنيقةً وحيَّا كارليكس بانحناءة رأس خفيفة.
“دوق راينهارت، أرجو ألا أكون قد قاطعتُ وقتَ عشاءكم كيف كانت أحوالك منذ أن رأيتك آخر مرة؟”
كان صوته ناعمًا يُبعِدُ النُّعاسَ وحلوًا كالعسل.
وكأن ذلك الصوت القادر على سَحْرِ أيِّ أحدٍ كان مُزعِجًا لأذنيه، نظر كارليكس إلى فرانز بنظرةٍ حادَّة.
“لا أذكر أنني دَعوتُ دوق سبيرن الأكبر.”
غيرَ مُباليٍ بأمر الإبعاد الصريح من كارليكس، ابتسم فرانز بضحكةٍ عينَيْنِ تشبهانِ عيني قطة.
“لطالما أَكنُّ لشخصك الكريم الإعجاب، وكان من الواجب أن أُقدِّمَ تحياتي سمعتُ أنك قد رَجَعت إلى العاصمة بعد أن قمت بمآثرَ باهرة في ساحة المعركة. ويبدو أن جلالة الملك يُثني كثيرًا على بطولاتك.”
احتسى كارليكس شايه ببرود.
لقد أظهر بكل وضوحٍ أنه لا يريد التحدث معه أكثر.
لكن فرانز لم يُبالِ، بل غَطَّى رِجلًا فوق الأخرى وجلس على الكرسي المُقابِل.
وعندما ارتفعت حاجبا كارليكس، رسم فرانز ابتسامةً ذاتَ مغزى.
“سمعتُ أنكم مُتضايقون كثيرًا هذه الأيام بسبب مشكلة سرقة الكتب السحرية إذا كنتم بحاجةٍ للمساعدة، فيُرجى زيارتنا في منزل عائلة سبيرن في أي وقت.”
“قدرة عائلتكم على جمع المعلومات مُذهلة حقًا لقد تسرَّبَتْ أسرار القصر الملكي بالفعل إلى أذنَيْك يبدو أن الوقت حان لتنظيف الفئران الصغيرة.”
كانت نبرة كارليكس لاذعة.
لكن فرانز بدا وكأنه تلقَّى مجاملةً، فاكتست ملامحه بالبهجة.
“كلماتُك تفوقُ استحقاقي إنه دليلٌ على وجود الكثيرين في القصر الملكي ممن يثقون بعائلتنا ويدعمونها.”
أطلق كارليكس ضحكةً باردةً ساخرةً ونظر إلى فرانز.
“بدأ صبري يُوشك على النفاد، أيها الدوق الأكبر فرانز.”
“أوه، لقد كنتُ فظًا كنت تقضي وقتًا حميمًا مع الآنسة، وقد قاطعتُك.”
كان رجلاً مذهلًا من نواحٍ عديدة.
ألا يَنْكَسِرُ أمام هيبة كارليكس مطلقًا.
والأكثر إثارةً للدهشة هو ذوق إيريكا الفريد.
ما الذي يُعجِبها في رجلٍ وقحٍ إلى هذا الحد؟
ولأنني لم أستطع فهم سبب عشقها لفرانز، حدَّقتُ فيه دون وعي.
ولمَّا أحسَّ بنظري، حدَّقت عينا فرانز البنفسجيتان الساحرتان بيٍّ بتأمُّل.
“أيتها الآنسة الجميلة التي أراها لأول مرة، هل لي أن أعرف اسمك؟”
لم أستطع تحديد ما إذا كان ينبغي عليَّ الكشف عن اسمي، فتلكأت.
“أرفض، أتمنى ألا تتحدَّث أكثر إلى ضيفتي الثمينة.”
حظر كارليكس ذلك بجملة واحدة.
ظلَّت ملامحُه لا تعبِّر عن شيء، لكن عينيه الزرقاوين تتقدان بِكَراهيةٍ وغضبٍ مكبوتين.
تفحَّصني فرانز ببطء، كقطٍ وجد لعبةً مشوِّقة.
أيها السادة، يبدو أنكم تعرفون حتى أقارب إيريكا من الدرجة الثامنة، فلماذا تنظرون إليَّ هكذا؟
واجهتُه بنظرةٍ حادَّةٍ دون إخفاء اشمئزازي.
الآن حين أمعنتُ النظر، إنه يشبه الثعلب أيضًا.
ثعلب أبيض ذو ذيولٍ تسعة.
“أن يَقْضِيَ سموُّ الدوق راينهارت النبيل وقتًا سريًا مع سيدةٍ جميلة في مطعم سيكون مجتمع العاصمة في حالةٍ من الفوضى لفترة.”
“في اللحظة التي تُصبِح فيها ضيفتي موضوع حديث المجتمع الراقي، لن أستطيع ضمان سلامت. لا تَتسرَّعْ، أيها الدوق الأكبر.”
“أوه، إن سموك يحميها شخصيًا يبدو إنها مَنْ استطاعت أن تَفْتِنَ قلبَ الدوق الذي لم يهتزّ أمام تودُّد العديد من السيدات، هذا مذهل.”
حدَّق فرانز بيٍّ.
كانت عيناه البنفسجيتان البرَّاقتان تُشِعَّانِ بهالةٍ فريدةٍ كأنهما تبتلعان كل شيء.
كأنهما جوهرتان ملعونتان.
شعرتُ بالخوف فأدرتُ رأسي بسرعة.
دعونا لا نتواصل بصريًا حتى.
دعونا لا نتحدث.
كانت كلُّ أعصاب جسدي تُرسِلُ إشارات تحذيرية في وقتٍ واحد بأن هذا الشخص خطير.
نظر كارليكس إلى فرانز وقال:
“الضيف غير المدعو هو بمثابة عدوٍ لي لن أحذِّر مرتين، لذا أتمنى أن تختفي.”
ابتسم فرانز وانحنى بأدبٍ بلاطي أنيق.
“أتطلع لرؤيتك مرة أخرى، سموُّ الدوق.”
ثم أمسك بيدي بشكلٍ طبيعي ورفعها ليُقبِّل ظاهرها.
اقشعرَّ جسدي كله.
كان عليَّ أن أتحرر بسرعة، لكن جسدي كان متجمدًا ولم أستطع الحركة.
شعورٌ غريزيٌ بالرفض شبَّه بشبكة عنكبوت تُقيِّد جسدي.
حينها، خطفَتْ يدٌ كبيرةٌ معصمي بسرعة.
وقف كارليكس أمامي ليحميني، دون أن أدري متى اقترب.
“لا تلمسها، أيها الدوق الأكبر يبدو أنك بحاجةٍ إلى تعلُّم آداب السلوك قبل أن ترث الدوقية.”
نظر كارليكس إلى فرانز بصمت.
بنظرةٍ بلا حياةٍ لا تحمل سوى القليل من الضجر.
كانت نظرةً كتلك التي تُلقيها على حجرٍ في الطريق، شيءٌ مزعج لكنه لا يشكِّل تهديدًا أبدًا.
تحت نظر كارليكس، تشوَّهت ابتسامة فرانز الأنيقة للمرة الأولى.
تغير لون عينيه البنفسجيتين واشتعلتا في لحظةٍ بالغضب والإهانة.
لكنها كانت مجرد لحظة.
في غمضة عين، غيَّر فرانز تعابير وجهه واتخذ مظهرًا يائسًا معتذرًا.
“أوه، لقد كنتُ متهورًا أعتذر عن إزعاجي.”
حيَّاني فرانز بأدبٍ ثم أغمض عينيه قليلاً وابتسم.
“أراك قريبًا في المكتبة الملكية، أيتها الآنسة… لا، أمينة المكتبة إيريكا.”
اللعنة، لقد عرف ذلك الثعلب الأبيض كل شيء.
هل خمَّن أنني قارئة الكتب أيضًا؟
غادر مع ميلر، واختفى كالريح.
بعد وقتٍ ليس بالطويل، دخل مايكل بوجهٍ حائر.
“ماذا حدث، يا أختي؟ أليس الرجل الذي غادر قبل قليل هو دوق سبيرن الأكبر؟”
لقد تعرَّف مايكل ذو الملاحظة الجيدة على الشخصية فورًا.
“لم يحدث شيء لا تهتم، يا مايكل تعالَ واشرب الشاي.”
عرض كارليكس على مايكل الشاي الأسود بروية.
نظر الصبي إليَّ بوجهٍ متسائل.
تظاهرتُ بعدم المعرفة وأخفيَت تعابير وجهي وراء فنجان الشاي.
***
أُفسِدَتْ وجبتنا الممتعة مع مايكل بظهور الضيف غير المدعو، الدوق الأكبر فرانز.
بعد ذلك، طلبتُ حلويات جديدة لكنني لم أستطع ابتلاعها.
حتى الطعام الذي أكلته شعرتُ بأنه ثقيلٌ على معدتي.
وصلتُ إلى مقر إقامة المكتبة بالعربة مع مايكل، بفضل رعاية كارليكس.
كان ذهني في حالة فوضى بسبب القلق والارتباك حول دوق سبيرن الأكبر، لذا نزلتُ من العربة دون أن أتمكن من التحدث مع مايكل.
لوَّح لي مايكل بيده بوجهٍ قلق.
“اعتني بنفسك، أختي سأزورك عندما تفتح المكتبة.”
“تعالَ في أي وقت، أيها الأمير الصغير شكرًا لك على وجبة اليوم. أراك قريبًا.”
استدرتُ لأرحل بعد تحيتي، فاقترب مني كارليكس.
“سأوصلك.”
ماذا؟ المسافة قريبة جدًا، إذا سقطتُ لأصَبْتُ أنفي!
قبل أن أتمكن من الرفض، بدأ كارليكس بالسير متقدمًا.
ظلَّ صامتًا طوال الطريق عبر الحديقة الصغيرة داخل مقر الإقامة نحو ردهة المدخل.
بعد تردد طويل، ناقشتُ بحذر موضوع الدوق الأكبر فرانز، الذي لم أستطع مناقشته في العربة خوفًا من قلق مايكل.
“سموُّ الدوق، هل خمَّن الدوق الأكبر فرانز أنني قارئة الكتب؟”
على الرغم من أنني تظاهرتُ بعدم الخوف، لكن يداي كانتا ترتعشان باستمرار.
لا أريد أن أتعلَّق بفرانز بعد الآن.
أريد الهرب منه بأي وسيلة ممكنة.
اتجهت نظرة كارليكس بهدوء نحو الأسفل وتوقفت عند يدي.
ربما لاحظ ارتعاشها.
أخفيَت يدي خلف ظهري هربًا من نظراته.
“صحيح هو يعرف أنك قارئة الكتب وأن لديكِ بوصلة الكتب أيضًا أنا وويليام نعتقد أن خلف سرقة الكتاب السحري وهجوم العربة هو نفسه.”
“هل هذا صحيح؟”
أومأ كارليكس برأسه بروية.
“بما أن معلومات ذهابنا للبحث عن الكتاب السحري قد تسرَّبت، فمن المحتمل وسبب عدم عمل بوصلة الكتب في منزل البارون هاميلتون هو أنهم أزالوا جهاز تتبع الكتاب السحري في ذلك الوقت.”
“إذاً، ذلك العدو هو…”
“نعتقد أن عائلة دوق شبيرن والنبلاء الذين يدعمونهم هم الأكثر احتمالاً.”
قال كارليكس ذلك بهدوء، كأنه يُرَدِّد قائمة غداء.
كان من المتوقع أن يكون البطل قد اكتشف القوى الخلفية بدقة.
لكنه كان هادئًا بشكل غير متوقع.
“إذاً، سبب عدم قيامكم بأي إجراء قبل قليل… هو عدم وجود أدلة.”
نظر إليَّ كارليكس بعينين مثيرتين للاهتمام.
“من الغريب أنكِ لم تفاجئي يبدو أنكِ على علمٍ بأنه القوة الخلفية لهذه الحادثة.”
كانت عيناه الزرقاوان الكوبالتيّتان تحدقان بيٍّ كأنهما تخترقان روحي.
خشيتُ أن يُكتشَف كل شيء لي في لحطة غفلة، فبذلتُ جهدي للحفاظ على رباطة جأشي.
كانت هذه ميزتي أيضًا.
التظاهر بالوقاحة والبرودة في أي موقف.
بينما كنتُ أرتعد من الخوف في الداخل.
“افترضتُ أن هناك قوة خلفية عندما رأيتُ إطلاق سراح البارون هاميلتون بسهولة رغم اتهامه بإخفاء الكتاب السحري وكانت عائلة سبيرن هي المرشح الأقوى لامتلاك مثل هذه القوة وقد تم إثبات ذلك التخمين اليوم.”
توقفتُ قليلاً لتنظيم أفكاري ثم استمررتُ.
“في الأساس، من غير المرجح أن يسرق البارون كتابًا سحريًا تديره الدولة بشكل صارم فالكتاب السحري يصعب قراءته ولا يمكن استخدامه، كما يصعب بيعه بشكل غير قانوني في النهاية، اعتقدتُ أن الهدف الذي سعت القوة الخلفية لتحقيقه عبر البارون هو الحصول على الكتاب السحري وبوصلة الكتب.”
فَغَرَ كارليكس عينيه متعجبًا.
بدا عليه شيء من الفرح أيضًا.
“مذهلة، أمينة المكتبة إيريكا أُبدي احترامي لحكمك وقدرتك على الملاحظة.”
“لا، أنا فقط عبَّرتُ عن أفكاري الشخصية.”
لماذا يمدحني فجأة؟ هذا مُربك.
“كلا. حكمك كان دقيقًا إذا اندلعت حرب حول الكتاب السحري، فإن عائلة سبيرن ستكون أول من يهرول لكن لا توجد أدلة واضحة، وعائلة سبيرن تضعف قوتها بسبب مرض الدوق إنهم فقط يفتقرون إلى القوة والسلطة، بل وقدرات فرانز الوريث للدوقية، لمحاولة أي شيء حتى الآن.”
“إذاً، ماذا سيحدث لكتاب ‘مقدمة سحر الأسد’؟”
“هو كتابٌ بلا قوة سحرية على أي حال تقرر إعادة نشره في المكتبة الملكية سنترك ذلك الكتاب السحري كطعمٍ نُلقي به لهم لنرى كيف سيتصرفون بعد ذلك.”
تألقت عيناه بشكل مظلم وارتفعت زاويتا فمه في ابتسامة شريرة.
إذا نظرتَ إلى مظهره الآن فقط، فستظن أن سمو الدوق هو زعيم القوة الخلفية.
يجب أن أتقرَّب من البطل وأتملَّقه من الآن فصاعدًا. يبدو أنه الأخطر إذا أصبح عدوًا.
“إذاً، سموُّ الدوق سأذهب الآن عُدْ بأمان.”
حيَّيتُ كارليكس بانحناءة ركبة خفيفة واستدرتُ لأغادر، لكن صوتًا منخفضًا ناعمًا قيَّدني فجأة.
“آنسة دييل.”
“نعم؟”
أمسك بمعصمي بشكل طبيعي.
ثم اقتربت شفتاه الساحرتان ببطء من ظاهر يدي.
[يتبع في الفصل القادم]
ترجمة مَحبّة
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 14"