0
كانت بذرةً ملعونة.
لم تكتفِ بقتل والدها، بل شوّهت جثث زوجة أبيها وإخوتها غير الأشقاء حتى لم يعد بالإمكان التعرّف عليهم، ثم ألقت بهم طعامًا للوحوش التي تجوب الحقول.
**«فييتا لوكبِتش»**
الابنة غير الشرعية لدوق لوكبِتش، والمرأة التي كان مقدّرًا لها أن تصبح إمبراطورة، سُجنت في الزنزانة تحت الأرض في أملمو.
كانت يداها المقيّدتان قد تغلّفتا منذ زمن بقشور الدم الجاف، أما شعرها الأسود، المشابه لبحر الليل المظلم، فكان متشابكًا ومغطّى بالغبار.
ظهر أمامها حبيب إستا أريوجِن القديم، ذاك الذي كان من المُخجل حتى اعتباره منافسًا في الحب.
**«هسيون ريكتون؟»**
نادت فييتا اسمه بصمت، وأمالت رأسها قليلًا، بعد أن ظلّ ساكنًا طوال الوقت.
المظهر البائس للرجل الذي كان يُنتظر أن يصبح السيد الجديد لعائلة ريكتون الدوقية الكبرى، أعاد الحياة إلى فييتا التي أنهكها سجنها الطويل.
كانت إحدى عيني هسيون متورّمة إلى حدّ لا يمكن تمييزها، وكان الجزء العلوي من جسده مغطّى بطعنات بشعة.
سخرت منه فييتا بصوت أجشّ بدا كأنه سيتشقق.
ذلك الوجه الوسيم الذي طالما حسدته عليه جميع السيدات… قد تحطّم.
أما جسده العاري؟ فقد كانت غيرة ليتان، الذي أحبّ إستا، محفورة عليه بوضوح.
ورغم أنها بدت وكأنها تضحك بصوت عالٍ، لم يخرج من فمها في الحقيقة سوى أنينٍ متقطّع ضعيف.
الفارس الذي جرّ هسيون ألقاه بلا اكتراث داخل الزنزانة، ثم أغلق قضبان الحديد.
> «سيُقام تنفيذ الحكم مع بزوغ الفجر غدًا. صلِّ ألا تذهب إلى الجحيم.»
وبعد أن لفظ تلك الكلمات الجوفاء، اختفى الحارس.
انهمرت دموع صافية من عيني فييتا وهي ممدّدة على جانبها.
ابتسمت… ابتسامةً مشبعة بالجنون.
رمقها هسيون بنظرة ازدراء.
لكن عينيه الخضراوين القاسيتين لم تُحرّكا فيها شيئًا.
بصعوبة، أسندت رأسها إلى الأرض ورفعت جسدها قليلًا، ثم أراحت ظهرها على الجدار الرطب.
«الدوق الأكبر هسيون… ريكتون.»
تردّد اسمه في الفراغ الخارج من فمها الجاف.
شقّت دموع فييتا خطوطًا بيضاء على وجهها المغطّى بالرماد.
«كيف يكون شعورك، حين تكون نهاية حبٍّ بائس إلى حدّ يوجِع النظر… هي الموت؟»
لم تُعر أي اهتمام لتشوّه ملامحه.
«أنا مختلف عنك.»
«وبِمَ تختلف؟»
نظرت فييتا إلى هسيون وكأنها تسأل بفضولٍ صادق.
«على الأقل، لم أقتل الناس بدافع حبٍّ تافه. أبرياء ماتوا بسبب ألعابك العاطفية.»
«أتظن أنني قتلتُ الناس من أجل الحب فقط؟»
أومأت، وكأنها وصلت إلى استنتاج عظيم.
«هذا… مجحف جدًا.»
قال هسيون وهو ينظر إلى فييتا التي كانت تضحك بسخرية مُنهكة:
«أنا أحتقر حياتك. فلا تضعي نفسك في المستوى نفسه معي.»
«وأنا أحتقر حياتي أيضًا. كيف انتهى بي المطاف هكذا، بعد كل ذلك العذاب؟»
ضاق صدر هسيون بتصرّف فييتا، وهي تسخر طويلًا من أمرٍ لم يفهمه.
ألم يكن من المفترض أن تُظهر ولو ذرة ندم على أنها تسببت في موت والديه؟
لكن لم يكن على وجهها أي أثر للذنب.
شعر هسيون بنفورٍ عميق من كونه ينتمي إلى النوع نفسه الذي تنتمي إليه فييتا.
«حتى لو وُلدتُ مكانك، لما عشتُ بتلك الطريقة.»
انهار الثبات على وجه فييتا.
ارتجف جسدها وهي تكبت مشاعرها، وارتعشت شفتاها.
«لديك عادة التحدّث بلا اكتراث، أيها الدوق الأكبر.»
«أنا لا أنطق إلا بالحقيقة المطلقة.»
«هاه.»
عضّت فييتا شفتها وهي ترى النبل في ملامحه، رغم تورّمها بالكدمات.
«أمثالكِ من الحثالة بذرة ملعونة،لا يستحقون حتى فرصة الإصلاح. انتم اشرار بالفطرة، لا اكثر.»
ارتجفت فييتا من شدة الغضب، لكن لم يخرج منها سوى صوت مختنق بلا دموع.
ومع ذلك، لم ترغب في مجادلة هسيون الذي يطلق أحكامًا متعجرفة كهذه.
حتى ليتان، الذي وعدها بمستقبل، لم يُصدّق كلماتها.
فما الفرق الذي سيصنعه طلب الفهم المتأخر، بعد أن انتهى كل شيء؟
بعد أن ظلّت ترتجف طويلًا، أنزلت رأسها ونظرت بصمت إلى ساقيها الهزيلتين.
«كنت أكره نحولي الذي يجعلني أشبه بمن يحتضر.»
لوَت فييتا شفتيها ورفعت رأسها.
«إذن… هل أنا شخص بلا أي احتمال للخلاص؟»
لم يجب هسيون.
ظلّ ساكنًا، وقد تدلّى رأسه.
فهمت فييتا غريزيًا.
كان قد مات.
الطعنات العميقة كانت دليلًا على كمية الدم التي فقدها.
«لم أسمع جوابك الأخير… أيها الدوق الأكبر هسيون ريكتون.»
وهكذا، لقي هسيون حتفه إلى جانب فييتا، المرأة التي كان يحتقرها أكثر من أي شخص.
※※※
في فجرٍ بارد، فتحت فييتا عينيها على صوت احتكاك القضبان الحديدية.
اختفت جثة هسيون، ولم يبقَ سوى بقع داكنة على الأرض تشهد على وجوده العابر.
من دون كلمة، أمسكها فارس بخشونة ودفعها خارج الزنزانة.
ساحة الإعدام، المغمورة بضبابٍ رطب، بدت حقًا كمدخلٍ إلى الجحيم.
ظهر المقصلة الصلبة أمام عيني فييتا.
وعندما لامست قدماها العاريتان المائلتان إلى الزرقة الدرج المؤدي إلى المقصلة، أوقفها صوتٌ كانت تتمنى بصدق ألا تسمعه.
«فييتا.»
لم تستطع رفع رأسها.
«لا يزال هناك وقت. قولي فقط إن هذا غير صحيح. لا يمكن أنكِ حاولتِ قتل إستا.»
رأت فييتا كلمات ليتان بلا جدوى، فكل الأدلة كانت تشير إلى محاولتها قتل إستا.
لكن… لو كانت هناك فرصة أخرى.
لو منحها ليتان فرصة جديدة لتصحيح كل شيء!
فرّقت فييتا شفتيها الجافتين بصعوبة.
«هذا صحيح، يا صاحب الجلالة.»
رفعت رأسها أخيرًا لتنظر إلى ليتان، الإمبراطور.
وبجواره كانت إستا، ممسكة بذراعه.
كانت يدها الرقيقة تشدّ ذراع ليتان بإصرار، وكأنها لن تتركه أبدًا.
التوت أفكار فييتا، وقادها هذا الالتواء إلى طريقٍ مختلف في لحظتها الأخيرة.
«لقد حاولتُ قتل الآنسة إستا. لأن…»
تذكّرت زوجة أبيها، وينتر لوكبِتش، التي حوّلت طفولتها إلى جحيم.
«كنت خائفة أن أصبح مثل أمي الراحلة وينتر لوكبِتش. وخائفة أن يصبح الطفل في رحم الآنسة إستا مثلي—»
لم تستطع فييتا إكمال جملتها.
صفعتها يدٌ لطالما بدت لطيفة.
وبسبب سوء تغذيتها في السجن، سقطت فييتا أرضًا من صفعة واحدة.
ألصقت رأسها بأرض الحجر البارد، ولم تفكّر في شيء.
لم يعد للعار أو التعلّق أي قيمة الآن.
«ارفعوها.»
بأمرٍ بارد، جرّها الفرسان بقسوة وثبّتوا رأسها في المقصلة.
تقدّم ليتان إلى مقدّمة المقصلة، والتقى بعينيها.
«هل لديكِ كلمات أخيرة؟»
لم تكن فييتا تريد سوى أن تنتهي هذه الحياة القاسية والعنيدة بسرعة.
هذه الحياة… مُرّة للغاية.
وفي تلك اللحظة، فكّرت بسخرية أن انتقامها الأخير قد اكتمل.
ابتسمت فييتا بخفوت، وهي ترى كم هو رائع أن تموت دون أن تترك أي بذرة من آل لوكبِتش في هذا العالم.
«…امنحني الموت، يا صاحب الجلالة. فهذا هو الخلاص الذي وعدتني به.»
ومع كلماتها الأخيرة، سقط رأس فييتا وتدحرج حتى قدمي ليتان.
وفي يومٍ تساقط فيه الثلج بغزارة حتى تعطّلت العربات، فتحت البذرة الملعونة، فييتا لوكبِتش، عينيها بين ذراعي أمها… في علّية القصر.
—
الفصول تكون متقدمة غالبا في التلغرام والواتباد
تجدون الروابط في التعليق المثبت
التعليقات لهذا الفصل " 0"