2
**الفصل الثاني**
**». هسيون…… ريكتون «**
انتفض هسيون ريكتون جالسًا، وهو يلهث لالتقاط أنفاسه، كمن استيقظ لتوّه من كابوسٍ شديد الوطأة.
كان يتنفّس بعنف، كما لو أنه ركض مئة متر، ثم أخذ يتلفّت حوله.
في الغرفة التي لم يكن يُسمَع فيها سوى صوت احتراق الحطب، وُجد حصان لعبة يمكن ركوبه، وكتب حكايات خرافية متناثرة
على الأرض، كأن أحدهم كان يقرأها قبل قليل.
*»؟ ما هذا «*
كانت تلك الغرفة التي عاش فيها في طفولته.
أدار جسده على عجل وأنزل قدميه من على السرير.
تدلّت قدماه في الهواء، وحين حاول الوقوف اختلّ توازنه وسقط إلى الأمام.
تدحرج إلى الأرض أسفل السرير، ثم جلس هناك يتفحّص جسده الصغير.
كان جسد صبيّ لم يبدأ صوته حتى بالتغيّر.
استدار ونظر إلى السرير الذي بدا له الآن مرتفعًا على نحوٍ ملحوظ.
فلو كان بجسده البالغ، لاستطاع الجلوس عليه بسهولة من وضع الوقوف، أما بهذا الجسد الصغير، فسيحتاج إلى التسلق
مستخدمًا الإطار الخشبي.
»؟ هل أفقد عقلي «
تفوه هسيون بكلمات تنكر ما يراه، ليُفاجأ بصوته الطفولي يخرج من فمه.
غطّى فمه بيده ونظر حوله مرة أخرى.
ألم يكن منذ لحظات في السجن مع فييتا لوكبِتش، المرأة الشريرة؟
حدّق هسيون في الثلج المتساقط بكثافة خارج النافذة، حتى كاد يحجب الرؤية تمامًا.
وعندما نهض واقترب من النافذة، انعكس على الزجاج الشفّاف وجه صبيّ يافع.
لم يستطع إخفاء دهشته، وكان الصبي في الانعكاس يقلّده في تعابيره بدقة.
صفع هسيون وجنتيه بكلتا يديه.
*صفعة * —
ومع الصوت، احمرّت وجنتاه وتورّمتا.
قطّب حاجبيه وهو يفرك خده بظاهر يده.
»؟ هل عدتُ إلى الماضي؟ أم أنني غارق في كابوسٍ مروّع «
شعر بالألم في وجنتيه المتورّمتين، فأدرك أن ما يراه أمامه على الأقل ليس حلمًا. — —
»… إن كنتُ قد عدتُ حقًا إلى الماضي «
استدار هسيون بسرعة وفتح الباب.
امتد أمامه ممرّ يعكس صورة قصرٍ هادئ، مفعم بالسكينة.
مرّ بين الخدم الذين ينفضون الغبار عن الزينة المعروضة، وآخرين يرتّبون الستائر، متجهًا مباشرة نحو الدرج.
كانت خطواته في البداية متباطئة، ثم ما لبثت أن تحوّلت إلى ركض.
توقّفت خطواته المتسارعة أمام غرفة الاستقبال.
وهو يلهث، فتح الباب بعنف.
وقعت عيناه على الموقد المشتعل، ورجل يقرأ صحيفة.
ارتفعت زوايا فم الرجل اللًمبالية الموجّهة نحو الصحيفة تدريجيًا.
الرجل الذي يحمل العينين الخضراوين نفسيهما لهسيون استقبله بابتسامة مشرقة.
شعرٌ أحمر مصفّف بعناية، نظّارات بإطار ذهبي تستقر على أرنبة أنفه، ونظرة لطيفة خلف الزجاج… كانت كلّها موجّهة نحوه
وحده.
». مع تساقط الثلوج الكثيف وإلغاء دروس المبارزة، ظننتُ أنك ستنام حتى وقت متأخر. لكن يبدو أنني كنت مخطئًا «
عند سماعه ذلك الصوت الحنون، اندفع هسيون بصمت إلى أحضانه واحتضنه بقوة.
كانت تلك لحظة وقوف والده الذي لم يستطع حمايته في الماضي حيًّا أمامه. — —
بلغ أنفه عبير التين الحلو المرّ .
ومع هذه الرائحة المألوفة التي اشتاق إليها، قبض هسيون على سترة الدوق بإحكام.
». رؤية فتىً ناضج يتصرّف بهذه الطفولية… يبدو أن صوت العاصفة الثلجية أخافك كثيرًا «
راحت يد الدوق الأكبر الكبيرة تمسح رأس هسيون بعناية.
حاول هسيون التماسك، لكنه لم يستطع منع الدموع من الانهمار.
كان هذا والده الذي ضحّى بنفسه، منهيًا حياته بيده، ليمنع تلفيق تهمة قيادة التمرّد لهسيون.
النبلًء الذين حضروا حفلًت الخير مع عائلة ريكتون، اعترفوا تحت تعذيبٍ وحشي بتمرّد لم يرتكبوه، وأشاروا إلى هسيون — —
بوصفه العقل المدبّر.
ولم يقتصر الأمر على النبلًء، بل جُرّ أيضًا مواطنون إمبراطوريون ضعفاء لا حول لهم، ممّن كانت لهم صلًت بعائلة
ريكتون، وأُجبروا بدورهم على اعترافات كاذبة تحت التعذيب القاسي.
ومع ازدياد الأوضاع سوءًا حول هسيون، لم يستطع الدوق الأكبر الوقوف متفرّجًا وهو يرى ابنه يواجه الموت.
وفي النهاية، أعلن نفسه العقل المدبّر للتمرّد، وحمى هسيون من الإعدام.
الشخص الذي استغلّ أخلًق والده وحبّه الأبوي، ودفعه إلى إنهاء حياته، كان ليتان.
تذكّر فييتا، التي لم تتخلّف عن حضور حفلًت الخير لسنوات، قبل أن يتحمّل والده مسؤولية التمرّد.
ورغم أنها كانت تمكث قرابة ساعة فقط لتوزيع الطعام، إلا أنها كانت تعرف جيدًا وجوه أولئك الذين خدموا إلى جانب والده.
كان هسيون واثقًا من أن فييتا هي من سلّمت قائمة النبلًء إلى ليتان.
ففي نهاية المطاف، كانت فييتا الوحيدة من بين أتباع ليتان التي حضرت تلك الفعاليات الخيرية.
أجبر هسيون نفسه على مواجهة تلك الذكريات المؤلمة، عازمًا على ألا يكرّر الأخطاء نفسها.
وفي تلك اللحظة، انفتح باب غرفة الاستقبال فجأة دون استئذان. ظهرت السيدة ريكتون، وبرفقتها خادم يحمل شاي الأترج
الدافئ والفواكه.
وحين رأت هسيون في أحضان الدوق الأكبر، قالت:
». ماذا تفعلًن من دوني؟ بدأتُ أشعر بالغيرة وأنا أرى هذه العلًقة الوثيقة بين الأب والابن منذ الصباح الباكر «
رفع هسيون رأسه عند سماع صوت السيدة ريكتون واستدار.
كانت يداها وقدماها اللتان كانتا في الماضي تحملًن آثار التعذيب بوضوح جميلتين على نحوٍ لا يُصدّق، بلً أي أثر لتورّم — —
الجفون أو الكدمات البنفسجية أو الشفاه المتشقّقة.
». وكنتُ أظنّ أنك تكره العناق لأنك كبرت «
وقبل أن تُكمل السيدة ريكتون كلًمها، ترك هسيون أحضان الدوق الأكبر واندفع نحوها.
من دون تردّد، عانقها بقوة.
حتى بعد اقتلًع جميع أظافرها، رفضت أن تذكر اسمه بوصفه العقل المدبّر للتمرّد. وفي النهاية، ماتت وحيدة بعد أن تحمّلت
تعذيبًا وحشيًا.
عضّ هسيون شفته بقوة.
الأشياء الثمينة التي فقدها في الماضي كانت تقف أمام عينيه مجددًا، بشكلٍ لا يُصدّق.
كان ذلك عطاءً مفرطًا من الله. لم يكن هناك أي جنّة دينية تفوق هذه حلًوة.
تفاجأت السيدة ريكتون بعناقه ودموعه، فنظرت بحيرة إلى الدوق الأكبر.
وضع الدوق صحيفته على عجل واقترب من هسيون.
»؟ هسيون، ما الأمر «
ورغم سؤاله، لم يستطع هسيون التوقّف عن البكاء.
لم يكن قادرًا على التحدّث عن ذلك الماضي المرعب.
بكى في أحضان الزوجين الدوقيين حتى تورّمت عيناه، ثم جلس معهما لتناول غداءٍ متأخر.
عقد العزم على أنه، في هذه الحياة، سيحمي والديه وعائلته.
وحتى أثناء مضغه للطعام، كان يراقب بعناية كل خادم يقف خلف الزوجين الدوقيين.
ولتفادي المصير نفسه الذي لقيه سابقًا، كان التخلّص من الجواسيس داخل العائلة أولوية قصوى.
بعد الانتهاء من الطعام، عاد إلى غرفته وتثاقل نحو الطاولة الصغيرة.
جلس على الكرسي وعقد ساقيه.
وصل إلى أذنيه صوت الرياح العاتية.
كانت الرياح، المحمّلة بالثلج، تضرب النافذة بعنف.
*». هسيون…… ريكتون «*
من بين دوّامات الثلج اليائسة، استعاد صوت شخصٍ ما.
كانت فييتا لوكبِتش.
ذلك الصوت الأنيق سابقًا أصبح الآن خشنًا، أشبه بعواء الرياح، من كثرة الصراخ.
*»؟ كيف يكون شعورك حين تكون نهاية حبٍّ بائسٍ إلى حد يؤلم العيون… هي الموت «*
وجد في الأمر سخرية، أن تتجرأ على مخاطبته عن الحب.
ألم تكن هي نفسها بطلة حبٍّ بائس بحق؟
كانت فييتا هي من أسقطت عائلة لوكبِتش، عماد فصيل النبلًء.
ألم تقتل عائلتها بسبب حبٍّ تافه، وتقمع المواطنين الإمبراطوريين الأبرياء الضعفاء، ثم تُنبَذ في النهاية من قِبل ليتان بعد أن
ضُبطت وهي تحاول قتل إستا؟
*». دون أن تدرك حتى من كان يلعب بها «*
قطّب هسيون حاجبيه وهو يتذكّر فييتا التي سخرت منه حتى آخر لحظة بكل ما أوتيت من قسوة.
فييتا، التي فرحت بصدق وضحكت على مصيبته، كانت امرأة شريرة بحق.
*»؟ هل ماتت «*
تملّكه الفضول بشأن مصيرها.
*». إن حالفها الحظ، فربما نجت «*
ومع ذلك، كان ابن عمّه ليتان قد واصل حبّها.
وإذ تخيّل أن حالتها ستستدرّ تعاطف ليتان وما هو أكثر من ذلك، ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة.
وبينما كان يتمدّد، دخل خادم بحذر.
تفاجأ الخادم لرؤيته جالسًا على الكرسي، فقال:
». إذن هنا كنتَ، أيها الدوق الصغير. لقد نفد الحطب تمامًا، لا بد أنك تشعر بالبرد «
»؟ راي «
كان قد قُتل بسيف أحد فرسان الإمبراطورية أثناء مساعدته له على الهرب من القصر.
لم يستطع هسيون النظر في عيني راي كما ينبغي، وقد غمره الشعور بالذنب.
راي، الذي يحمل ندبة حمراء بارزة فوق حاجبه، توجّه فورًا إلى الموقد وأضاف المزيد من الحطب.
ومع الدفء الذي أحاط بجسده، بدا سجن أملمو الجوفيّ الجحيمي بعيدًا على نحوٍ لا يُصدّق عن هسيون.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
إمبراطورية المانجا عـام
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
نادي الروايات عـام
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 2"