1
**الفصل الأول**
كانت فييتا تعتقد أن الجحيم بكل عذابه لا يوجد فقط في العالم الآخر.
بالنسبة لها، كان الطفولة هي الجحيم بعينه.
فتحت فييتا عينيها وسخرت بخفوت، تسخر من وضعها الحالي.
امتد أمامها المشهد الجحيمي لسنوات طفولتها.
*»؟ هل هذا هو جحيمي «*
بين سقفٍ مغطّى بخيوط العنكبوت وأرضية خشبية خشنة، كانت هي وأمها تستلقيان تحت أغطية لا تكاد تكون أكثر من خِرَق
بالية.
لم تكن أمها تنتمي إلى هذا الجحيم.
لعلّها كانت هنا معها عقابًا على جريمة تربية ابنتها تربيةً سيئة؟ كبتت فييتا قلبها المشتعل وزفرت بصعوبة.
مدّت يدها ولمست خد أمها النائمة.
*». يدي صغيرة جدًا «*
ارتعدت فجأة، فجلست وراحت تنظر حولها.
بدا كل الأثاث فجأة ضخمًا في عينيها.
*»؟ ما هذا «*
قفزت من السرير ووقفت أمام مرآة متشققة مغطاة بالغبار.
كانت الفتاة ذات الشعر الأسود… هي نفسها في صغرها.
وقبل أن يتاح لها وقت للتأمل، دوّت خطوات مهدِّدة على الجدران، وانفتح باب العلّية بعنف.
»! فييتا «
الصراخ الحاد أجبرها على تغطية أذنيها وعبوس وجهها.
»؟ وينتر لوكبِتش «
بغضب، أمسكت وينتر بكاحل فييتا بعنف.
ارتطم رأس فييتا بالأرض بقسوة.
»؟ هذا من فعلك، أليس كذلك؟ سرقتِ خاتم الألماس خاصتي من غيدمايل، أليس كذلك «
حدّقت فييتا في السقف بلً تعبير، وهي تبتلع انزعاجها العارم.
رؤية المرأة التي ماتت على يديها ميتةً شنيعة، حيّة الآن وتفور غضبًا كان هذا المكان بلً شك جحيمًا. —
وكأن الزمن قد عاد إلى الوراء، كانت وينتر تكرّر بالضبط ما فعلته بها قبل ثلًثة عشر عامًا.
الخاتم الذي ذكرته وينتر كان قد سرقه فيلتر، الأخ غير الشقيق لفييتا والابن الأكبر لعائلة لوكبِتش. ولن يُكشف مكانه إلا لاحقًا،
عندما عاد فيلتر البالغ إلى المنزل مع المرأة التي سيتزوجها.
». لم أسرقه! ما… دام… وين… تر «
ليّت فييتا فمها وهي تنظر إلى وينتر.
لكن نظرة وينتر انتقلت إلى أم فييتا، التي استيقظت للتو على الضجة.
»! جوناثان! بما أن سوزان فشلت فشلًً ذريعًا في تربية ابنتها، عاقِبها بدلًا عنها «
أمسك جوناثان سوزان، أم فييتا، من شعرها وجرّها خارج العلّية.
»… آه… آه «
وقعت عينا فييتا على وجه سوزان، وقد امتلأت عيناها بالاعتذار.
وقبل أن تختفي عن الأنظار، دفعت وينتر فييتا أرضًا وأغلقت باب العلّية بإحكام.
». فييتا. لن أفتح الباب حتى تقولي الحقيقة «
جاء صوت أشد قسوة من خلًل الشقّ الضيق في الباب.
نهضت فييتا بصعوبة، وهي تكبت رغبة في التقيؤ.
الإحساس بالاحتجاز داخل ماضٍ تمنت نسيانه كان مؤلمًا حدًّا لا يُحتمل.
لم تكن أم فييتا قادرة على الكلًم.
لم تكن هكذا دائمًا.
لقد قطعت السيدة وينتر لسانها عقابًا لها بعد اتهامها بالكذب.
توجّهت فييتا إلى النافذة، تقضم أظافرها.
كان الجحيم مطابقًا تمامًا للماضي.
كما حدث قبل ثلًثة عشر عامًا، أُلقيت أمها خارج القصر وسط تساقط الثلوج.
قبضت فييتا على زجاج النافذة وعضّت شفتها.
في الماضي، أصرّت حتى النهاية على أنها لم تسرق شيئًا، لأنها فعلًً لم تفعل.
لكن عواقب ذلك كانت مرعبة.
.» حادثة الخاتم « تذكّرت ما خسرته بسبب
». اللعنة «
أمها، التي أحبّتها بصدق، تجمّدت حتى الموت بسبب ألعاب الحبّ القذرة التي لعبها فيلتر.
لم يقل الدوق كلمة واحدة للسيدة وينتر على قتلها لسوزان.
كانت فييتا تعتقد دائمًا أنه لو لم يأخذ والدها أمها بدافع شهوة ليلة واحدة، لما وُلدت هي أصلًً .
وحينها، لما انتهت حياة أمها على هذا النحو.
طرقت باب العلّية قبل فوات الأوان.
»! سأخبرك بكل شيء! يا سيدتي وينتر! سأقول الحقيقة! فقط أعيدي أمي إلى القصر، أرجوكِ «
رغم صراخها اليائس، لم يتحرّك الباب.
عضّت فييتا شفتها بقوة أكبر وراحت تضرب الباب بعنف.
ذراعاها النحيلتان، كأغصان عارية، احمرّتا وكأنهما على وشك الانكسار.
»! أنا المخطئة! يا سيدتي وينتر! أنا التي سرقته! أنا سرقت خاتمك «
لم تكن في صرخاتها أي حقيقة، لكن صوت المفتاح وهو يُدار بدا راضيًا بكلماتها، ففُتح الباب الموصَد بإحكام.
ظهرت وينتر، وظهرها للضوء المتدفّق إلى العلّية، وعلى شفتيها ابتسامة رضا.
». أحقًا؟ فييتا؟ أنا ممتنّة فعلًً لاعترافك بالحقيقة «
»! أرجوكِ، أعيدي أمي. واستدعي طبيبًا أيضًا. طردها في هذا الشتاء قد يعرّضها لمرض خطير «
شعرت وينتر بسخافة مطالب فييتا الجامحة، فشبكت ذراعيها بضيق.
لكن فييتا ألحّت على وينتر الواقفة بلً حراك.
». قد تمرض أمي. لذلك! إن استدعيتِ طبيبًا، سأخبر أبي بكل الحقيقة عند عودته. بأنني… أنا من سرقت خاتمك، يا سيدتي «
»؟ أين الخاتم «
». سأعيده عندما يعود أبي. يمكنكِ معاقبتي حينها «
فكّرت وينتر قليلًً، ثم نادت جوناثان.
». أعِد تلك المرأة. وأحضِر طبيبًا أيضًا «
تردّد جوناثان، وكأنه لا يصدّق كلماتها.
»؟ ألم تسمعني «
عند سماعه نبرتها الحادة، تحرّك أخيرًا.
لم يبقَ في العلّية سوى وينتر وفييتا.
»؟ ما أجمل شعور أن يعترف اللصّ بأنه لصّ . هل تعترفين أيضًا بكل ما فعلتِه غير ذلك «
كل ما فعلته. استحضرت فييتا الماضي.
*»؟ دفع فيلتر عن الدرج؟ أخذ دمية آيمي؟ أم قولها لفيلتر إنه عار العائلة «*
الأخيرة كانت صحيحة، أما الاثنتان الأوليان فلً.
كان فيلتر قد سقط من الدرج بنفسه في نوبة غضب، وآيمي هي من رمت دميتها إلى العلّية مدّعية أن مجرد لمس فييتا لها
أشعرها بالقرف.
أما الحادثة الأخيرة، فكانت عندما أخبرت فييتا فيلتر الذي شتم سوزان ونعَتها بالعاهرة أنه عار العائلة لأنه كان يغازل — —
الخادمات الصغيرات.
فقدت سوزان لسانها بسبب كذبة فيلتر التي ادّعى فيها أن فييتا دفعته عن الدرج.
بعد سقوطه، ظلّ فيلتر فاقد الوعي ثلًثة أيام، وعندما عجزت السيدة وينتر عن كبح غضبها، اعتدت على سوزان.
ثبّتت فييتا أنفاسها الثقيلة، فيما شد ألم الذكريات المتدفّقة على حلقها.
أغمضت عينيها بإحكام، ثم فتحتهما بعد أن استقرت أنفاسها أخيرًا.
». نعم. أعترف بكل ذلك أيضًا. فأرجوكِ، أظهري بعض الرحمة «
تقدّمت فييتا نحو السيدة وينتر، أمسكت بحاشية تنورتها، وركعت.
». من الآن فصاعدًا، سأطيع أوامركِ جيدًا «
منحت وينتر الكلمات التي كانت تتوق لسماعها طوال حياتها.
دفعت وينتر جبين فييتا بخفّة بيدها المغطّاة بقفاز من الدانتيل النبيذي.
ومع ذلك الدفع الخفيف، اختلّ توازن فييتا وسقطت إلى الخلف.
». الرائحة كريهة. يجب أن تغتسلي أولًا . اتبعيني «
خلعت السيدة وينتر قفازيها وألقتهما كما لو أنها لمست شيئًا قذرًا، ثم استدارت ونزلت الدرج.
بصعوبة، رفعت فييتا جسدها شبه العاجز وغادرت العلّية.
نزلت السلم وهي تحدّق في تنورة وينتر المنتفخة بشكل مبالغ فيه.
*». حتى قبل موتكِ، لم تتخلي عن تلك التنورة السخيفة كالمهرّجين «*
استعادت فييتا ذكرى بعيدة.
كانت وينتر، وهي تتمايل بتنورتها المنتفخة، قد تعثّرت أثناء صعودها منصة الإعدام، لتصبح أضحوكة الحشد.
ورأسها ينزف بعد ارتطامه بالأرض، رمقت فييتا بنظرة مشوّهة.
صراخها بأنها لن تترك الأمر يمرّ بدا كحلم، ولم تستطع فييتا تقبّله.
وبينما كانت تنكر الواقع، أُلقيت فييتا بعنف داخل المطبخ.
فزعت الخادمات من ظهور وينتر المفاجئ، فتوقّفن عن العمل، يتبادلن النظرات بين الاثنتين.
». اغسلنها. وبما أن الحطب ثمين، استعملن الماء البارد «
في الخارج، كان الثلج يتساقط بكثافة حتى كاد يحجب الرؤية، وكان الماء الذي جلبته الخادمة أشبه بماء مثلّج.
بأمر من وينتر، جرّدت الخادمات فييتا من ثيابها في آنٍ واحد، وسكبن عليها الماء البارد بلً نظام.
فركن جسدها بإسفنج الأواني، وجذبن شعرها المتشابك بعنف.
كان جسد فييتا ورأسها يتحرّكان بشكل مثير للشفقة تحت معاملتهن القاسية.
ومع ذلك، شدّت فييتا على أسنانها ولم تصرخ ولو مرة واحدة.
لم يكن هذا سوى الجحيم.
واعترفت، في تلك اللحظة، بعبقرية الخالق.
————
متوفرة حتى الفصل 10 في التلغرام
الرابط في التعليق المثبت
التعليقات لهذا الفصل " 1"