“سأخبركِ بالتفاصيل لاحقاً. لو تركنا هذين وشأنهما الآن، لأغرقا المكان بدموعهما.”
كان سيكار يقصد هيرسيا وآرون؛ فقد كانا لا يزالان يتشبثان ببعضهما البعض وينتحبان بحرقة. وبمجرد أن أومأتُ له بالموافقة، حملني سيكار بين ذراعيه فجأة وقال:
“سأحملكِ لأن ساقيكِ ترتجفان بشدة. لا تتعبي نفسكِ بالطلب مني أن أضعكِ أرضاً، فلن أصغي إليكِ على أي حال.”
في الحقيقة، لم أكن أنوي الاعتراض؛ فقد كنتُ من شدة الذعر والدوار عاجزةً عن خطو خطوة واحدة بمفردي. لكن، ما إن خطا سيكار بي خارجاً من الشرفة حتى شعرتُ بالدوار من نظرات الناس المتجمهرين حولنا.
أدرك سيكار بلمح البصر انزعاجي من نظراتهم فقال بصوتٍ خفيض:
امتثلتُ لقوله ودفنتُ وجهي في صدره، وشعرتُ براحة أكبر حين تواريتُ عن عيونهم. كانت أصوات ثرثرتهم المتعجبة تصل إلى مسامعي، لكن أحداً لم يجرؤ على استيقاف سيكار ليسأله عما حدث؛ بل انصبَّت تساؤلاتهم على هيرسيا وآرون اللذين كانا يتبعاننا.
بدأت الأصوات تبتعد شيئاً فشيئاً حتى حلَّ السكون، ولفحت وجهي نسمةُ هواءٍ باردة. التفتُّ قليلاً لأدرك أننا غادرنا القصر وصرنا في طريقنا إلى العربة. كانت المصابيح الخافتة تصطفُّ على جانبي الطريق المظلم، وشعرتُ أن صدري انشرح قليلاً بعد مغادرة تلك القاعة الصاخبة تحت الثريات المتلألئة.
“يمكنني الآن السير على….”
“لقد وصلنا.”
قال إننا وصلنا، لكنه استمر في السير لفترة قبل أن يضعني أخيراً أمام العربة. بدا سيكار طبيعياً تماماً وكأن حملي لم يرهقه، ولا أدري إن كان حقاً لم يتعب أم أنه يتظاهر بالقوة فحسب.
“ألم أكن ثقيلة؟ هل ذراعك بخير؟”
“مدِّي يديكِ إليَّ.”
سألتُه عن ذراعه، فلِمَ يطلب يديَّ فجأة؟
استجبتُ لطلبه، فأمسك كفيَّ وجعلهما ممدودتين للأعلى، ثم وضع فوقهما سيفه الطويل الذي لا يفارق خصره أبداً. لم أستطع الصمود أمام ثقل السيف ولو لثانية واحدة.
كاد السيف أن يسقط لولا أن سيكار التقفه ببراعة قبل أن يرتطم بالأرض. نظرتُ إليه بذهول، فنظر إليَّ بتكبر وقال : “أنا أحملُ هذا الثقل على خصري طوال اليوم. لذا، فإن حملكِ إلى هنا كان أمراً هيناً لا يُذكر.”
“حسناً، طالما أنك بخير….”
“فلنعد إلى المنزل أولاً.”
“ماذا عن فيكا؟ لم تأتِ بعد.”
“ومن سيهتم بالبقية لو جاءت فيكا؟ ستخبر الملك برحيلي أولاً ثم تنهي الأمر ببراعة قبل أن تعود.”
“يبدو أن مجهودكِ في التدريب على الرقص قد ضاع سدى، أليس هذا محزناً؟”
“أبداً. بل أنا ممتنة لأنني لم أضطر للرقص.”
“مع ذلك، لا تنسي ما تعلمتِه، فربما تحتاجين إليه يوماً ما.”
“لا تقلق، لن أنساه.”
‘كيف أنساه بعد كل ذلك العناء؟’
“هيا، اصعدي إلى العربة.”
ما إن صعدنا حتى انطلقت العربة بقوة وكأنها كانت تنتظر إشارتنا.
***
في طريق العودة، كانت مشاهد سقوط القتلة تتكرر في مخيلتي كشريط سينمائي، ومعها كلمات سيكار: “خشيتُ أن ترتعبِي لو قُتل أحدٌ أمام عينيكِ.”
في الرواية الأصلية، كان سيكار رجلاً بلا رحمة، يقتل دون أدنى تردد. لكنه الآن، ومن أجلي، أمر فيكا بتنويمهم بدلاً من قتلهم.
أعلمُ أن تنويم خمسة رجالٍ أشداء في آنٍ واحد ليس بالأمر السهل، وحتى فيكا بطبعه المتذمرة لم تكن لتوافق بسهولة. ومع ذلك، أجبرها سيكار -أو ربما هددّها- لتفعل ذلك.
هذا التصرف لا يشبه سيكار أبداً.. على الأقل ليس السيكار الذي أعرفه. هل أخطأتُ في تقدير شخصيته؟
هل هو رقيق القلب إلى هذا الحد؟ مستحيل، لو كان كذلك لما وضع السيف على عنقي في لقائنا الأول. إذن….
‘هل من الممكن….. أن سيكار يحبني؟’
بالتفكير في الأمر، لقد كان يعاملني بلطف مؤخراً. رحتُ أختلس النظر إليه وهو يغمض عينيه بتعب، وعندما التقت نظراتنا، أدرتُ وجهي بسرعة.
‘هل أسأله إن كان يحبني؟’
لا، لا….. يكفي أن سيكار غارق في أوهامه، لا يجب أن أنجرف خلفه. يجب أن أركز فقط على تربية كيان.
***
في صباح اليوم التالي، وبينما كنتُ أتناول الإفطار مع سيكار، وجدتُ نفسي أنسى قراري بتجاهل نظراته.
“لماذا.. لماذا تستمر في مراقبتي هكذا؟”
“هل يزعجكِ ذلك؟”
“لا، لكن لا بد من وجود سبب.”
‘ربما لأنه بدأ يحبني، أو لأنه لا يستطيع إزاحة عينه عني….’
ما خطبي؟ هل أصابتني العدوة منه بمرض الأوهام؟
“السبب هو المراقبة.”
“أنا حبيسة هذا القصر بالفعل، فما الذي تراقبه؟”
“أراقب مدى رقيّ تصرفاتكِ.”
‘آه، يريد التذمر كالعادة.’
“ومع ذلك، أرى أنكِ تتحسنين.”
شكراً لك!
“بما أن زفاف الملك قد انتهى بسلام، سنذهب لزيارة جدتي بعد أيام. لذا سنخرج اليوم لشراء هدية لها، جهزي نفسكِ فور انتهائكِ من الطعام.”
“فلنأخذ كيان معنا.”
“ولماذا؟”
“سيكون من الرائع أن يأتي معنا لزيارة الجدة، وسيسعد بالمشاركة في اختيار الهدية.”
“حسناً، كما تشائين.”
كان كيان يتناول إفطاره مع فيكا في غرفته. ولأنه تعلق بفيكا كثيراً، ذهب لإيقاظها وإطعامها لأن فيكا كانت نائمة من التعب.
‘يا له من طفلٍ حنون ورائع.’
فتحتُ باب غرفة فيكا بهدوء لأنادي كيان، لكنني توقفتُ عندما رأيته يطعم فيكا بلطف. كانت فيكا تغطُّ في نومٍ عميق، فقد قطعت المسافة من الغابة ركضاً طوال الليل لأننا أخذنا العربة.
كانت فيكا تترنح من النعاس، وكلما أمالت رأسها، وضع كيان الملعقة في فمه.
“فيكا، استيقظي قليلاً.”
“أيها الصغير….. هل هذا نوعٌ جديد من التعذيب؟ أريد فقط أن أنام.”
“يجب أن يأكل المرء جيداً عندما يكون مريضاً أو متعباً.”
“لا تقلق، لن أموت من قلة الأكل.”
“حتى لو لم تموتي، كُلي لتستعيدي قوتك.”
كانت هذه الكلمات هي ذاتها التي قالتها فاليج لكيان عندما كان مريضاً. شعرتُ بحرارة حب كيان لفيكا، وكأن كيان يخشى فقدان شخصٍ آخر كما فقده. بدت اللحظة دافئة، لكن كلمات كيان كانت تحمل حزناً دفيناً.
‘حان وقت ظهوري.’
انتبه كيان لوجودي واتسعت عيناه بفرح: “أمي؟”
“كيان، دع فيكا ترتاح الآن، ولنخرج نحن.”
“لكن يجب أن تحصل على غدائها لتتعافى….”
“لا بأس، إنها فقط تحتاج لبعض الراحة وستكون بخير.”
تنهد كيان وهو ينظر إلى فيكا المترنحة وقال: “حسناً، فهمت.”
“إذن، هل نستعد للخروج؟”
“خروج؟”
“أجل، سنذهب لزيارة الجدة قريباً، وسنخرج اليوم لنشتري لها هدية تليق بها.”
“ياي! رائع! كنتُ أتوق حقاً لرؤية جدة والدي!”
رؤية فرحة كيان جعلت قلبي يزهر. لو علمتُ أنه سيشعر بكل هذه السعادة، لطلبتُ زيارتها منذ وقت طويل.
***
خرجنا نحن الثلاثة بملابس متناسقة دون تخطيط مسبق، فقد تولى أندريا تنسيق ألوان ملابسنا وكأننا نتحضر لالتقاط صورة عائلية حديثة. وبمجرد وصولنا إلى العاصمة، اشترينا أنواعاً كثيرة من كعك الشوكولاتة والفوندو؛ فالجدة تعشق الشوكولاتة لأن أختها الكبرى التي فقدتها في طفولتها كانت تراضيها بها دائماً.
بعد شراء خيوط الحياكة التي تحبها الجدة، دخلنا إلى مقهى، وهناك سمعنا حديثاً يدور في الطاولة المجاورة.
“أتعلمين؟ بالأمس خرج الدوق بليك وهو يحمل الدوقة بين ذراعيه وظل يحملها حتى وصلا إلى العربة!”
“يا إلهي! هذا رومانسي جداً!”
‘يبدو أنهم لم يشاهدوه وهو يضع السيف فوق يديَّ لاحقاً!’
“ثم أقسمَ لها يميناً بالسيف!”
عفواً؟
“لقد أخرج سيفه وقال كلاماً، ويقول الناس إنه أقسم بأن يحميها بهذا السيف للأبد!”
كتمتُ ضحكتي بصعوبة.. يا لهم من بارعين في تزييف الحقائق! أما سيكار، فقد بدا الأمر يعجبه وهو يهز رأسه موافقاً:
“جملة جيدة، سأستخدمها في المرة القادمة.”
‘استفق أيها الرجل!’
خطر لي حينها أن سيكار ربما عاملني بلطف بالأمس فقط لأنه انغمس في دور بطل روايات الرومناسية. وبذلك، أصبح كل شيء منطقياً بالنسبة لي.
“وهناك شيء آخر!”
ماذا أيضاً؟ لم أعد أتفاجأ من التزييف.
“لقد قام بتنويم جميع القتلة بالأمس حتى لا تفزع الدوقة! أليس هذا رائعاً؟!”
توقفت نبضات قلبي للحظة.. هل هذه الحقيقة؟
بمجرد سماع ذلك، شعرتُ بقلبي يسقط من مكانه ثم يبدأ بالخفقان بعنف.
التعليقات لهذا الفصل " 51"