كان للألماس الورديّ قيمةٌ هائلةٌ لندرتِه الشديدة حتى في هذا العالم. صفقتُ بيديَّ وكأنني اكتشفتُ أمرًا مذهلاً وقلت:
“يا إلهي، لقد سمعتُ أن جلالة الملك قد أهداكِ طقمًا من الألماس الوردي.. هل يمكن أن يكون ما ترتدينه الآن هو..؟”
لحسن الحظ، اتسعت عيون الحاضرين بمجرد ذِكر “الألماس الوردي”. وسرعان ما انتبهت سيدات الطبقة النبيلة، فتركزت نظراتهن المسحورة على قلادة الملكة.
“يا لروعة بريقه! إنه يليق بمقام جلالتكِ تمامًا.”
“هذا صحيح، مثل هذه الجواهر يندر العثور عليها، ولا يستطيع أي شخصٍ أن يرتديها.”
لو علمنَ أن وزنها يبلغ 27 قيراطًا، لكان ذهولهن أكبر بلاشك.
وبينما كان الجميع منشغلين بالملكة، استأذنتُ بحجة رغبتي في استنشاق بعض الهواء وغادرتُ المكان، لكن هيرسيا تبعتني.
“دوقة! إلى أين تذهبين؟”
“آه، أريد فقط استنشاق القليل من الهواء.”
“ما رأيكِ في الشرفة؟ لقد ذهبتُ هناك بالخطأ منذ قليل وكان المكان ساحرًا. هل ترافقينني لنحتسي كوبًا آخر من شاي الحليب؟”
في الرواية الأصلية، تعرضت هيرسيا لهجوم من قِبل مغتالين عندما خرجت إلى الشرفة مع إحدى الآنسات النبيلات. لم أكن أعرف مَن هي تلك الآنسة، لكنني لم أرغب بتاتًا في التوجه معها إلى المكان الذي سيقتحمه القتلة، لذا اعتذرتُ بلطف.
“في الواقع، شرب الكثير من الشاي يحرمني النوم ليلاً، لذا سأكتفي بما شربت.”
“آه….”
بدت هيرسيا محبطة لكنها استمرت في ملاحقتي. لا ينبغي لها أن تتبعني هكذا كظلي.. لِمَ تفعل ذلك؟
“هيرسيا، أظنكِ تريدين الذهاب إلى مكان ما؟”
“فكرتُ في التنزه قليلاً حول المكان.”
“ألن تذهبي إلى الشرفة…..؟”
“نعم…..”
هذا لن ينجح! يجب أن تذهب إلى الشرفة لتكون تحت الحماية، فإذا صادفت المغتالين أثناء نزهتها، فستكون حياتها في خطر محقق! ناديتُ عليها وهي تهمُّ بالانصراف.
“هيرسيا!”
التفتت إليَّ بملامح مرتبكة.
“نعم؟”
“هل….. هل تودين مرافقتي إلى الشرفة لنستنشق الهواء معًا؟”
ابتسمت هيرسيا بإشراق كطفلة صغيرة.
“بكل سرور!”
***
كان ليل القصر الملكي قد أرخى سدوله، لكن كثرة المصابيح حولنا بددت العتمة. كنتُ أجلسُ على جمرٍ والقلق ينهشني، فالمكان الذي أجلس فيه هو ذاته الذي سيظهر فيه القتلة. أما هيرسيا التي لا تعلم شيئًا، فكانت تبتسم وتُزيح خصلات شعرها المتطايرة برقة.
“أنا ممتنةٌ لكِ حقًا، أيتها الدوقة.”
“عفوًا؟”
“شكرًا لأنكِ وافقتِ على احتساء الشاي معي.”
“لا داعي للشكر.”
“وهناك أمرٌ آخر….. كنتُ أظنُّ التعامل معكِ سيكون صعبًا، لكنني ممتنةٌ لأنكِ عاملتِني بأريحية.”
كانت الأريحية متبادلة؛ فشخصيتها تشبه شخصيتي، وأعلمُ تمامًا مدى طيبة قلبها.
“في الحقيقة.. لقد وقعتُ في حب سحركِ، أيتها الدوقة.”
“ماذا؟”
“الدوق شخصٌ مخيفٌ حقًا، أليس كذلك؟ عندما رأيتُه لأول مرة في حفل الـظهور الأول، كان يعاقب ابن أحد السادة النبلاء بصرامة، كان مشهدًا مرعبًا. ليس هذا فحسب، بل إنه يحمل سيفه الطويل دائمًا، ويهدد به كل مَن يزعجه ولو قليلاً بحجة فرض النظام..”
‘صحيح، صحيح.. لقد مررتُ بهذا بنفسي.’
“حتى عندما يطلب الرقص، تكون نظراته حادة لدرجة أن الآنسات يمددن أيديهن وهنَّ يرتجفن من الخوف.”
‘أستطيع تخيل المشهد بوضوح.’
“والأغرب أنه حين يمسك بأطراف أصابعهن، لا يرقص في النهاية…..”
‘ذلك لأنه كان يريد اختلاس النظر إلى ذكرياتهن فحسب.’
كان بإمكانها القول ببساطة إنه يبدو كمجنون، لكنها كانت تنتقي كلماتها بحذر خشية أن تجرح مشاعري. ثم ختمت قائلة:
“لكنكِ استطعتِ تغيير هذا الدوق! لهذا أراكِ رائعةً جدًا…. أنا أكنُّ لكِ كل الاحترام!”
يبدو أنني كسبتُ شخصًا آخر سيُصعق لو عرف الحقيقة.
“دوقة.. هل يمكنني سؤالكِ عن شيء ما؟”
بماذا ستسألني بتلك العيون الصافية والبريئة؟
“إن لم يكن السؤال محرجًا، فتفضلي.”
“كنتُ أتساءل.. كيف التقيتِ بالدوق؟”
“هذا…. سرٌّ لا يمكنني البوح به حاليًا.”
لم تشعر بالخيبة، بل بدت نادمةً واعتذرت بسرعة.
“أنا.. أنا آسفة جدًا، يبدو أنني ارتكبتُ هفوةً كبيرة.”
“لا عليكِ.”
الأمر ليس سرًا عسكريًا، بل ببساطة لأنني وسيكار لم نتفق بعد على القصة التي سنرويها عن لقائنا الأول.
“ولكن، لا بد أن يأتي يومٌ أخبركِ فيه بالقصة، صحيـح؟”
تلاشى ندمها في لحظة وأشرق وجهها مجددًا: “هذا شرفٌ لي!”
زفرتُ بارتياح…. لقد مرَّ ما يكفي من الوقت، حان وقت الرحيل.
“هيرسيا، سأذهب لغسل يديَّ وأعود.”
حاولتُ الانسحاب بذكاء وتركها هناك، لكنها نهضت معي على الفور.
“سأرافقكِ!”
هل حقًا وقعت هذه الفتاة في حبي لدرجة ملاحقتي هكذا؟ سيكار وحبيبها ينتظران في الأعلى، فماذا لو لحقت بي وقُتلت في مكان لا يحميها فيه أحد؟!
كنتُ أتوق لمغادرة هذا المكان المرعب؛ فالمغتالون ليسوا خصمًا لإنسانة عادية مثلي لا تملك أي قوى. لكنني وجدتُ نفسي أجلس مجددًا. لا يمكنني تركها تتبعني فتُقتل.. كيف أتجاهل موت إنسان أمام عيني؟
“بعد التفكيرِ في الأمر، سأبقى قليلًا ثم أغادر.”
“إذن سأبقى معكِ وأغادر حين تغادرين.”
“حسناً.. كما تشائين، هاها.”
ضحكتُ ضحكةً جوفاء…. لو كنتُ أعلم، لتعلمتُ فنون السيف من سيكار بدلاً من آداب الإتيكيت، أو على الأقل تعلمتُ كيف أُفقد شخصًا وعيه! كنتُ سأخدر هيرسيا وأهرب من هنا.
هل سيكار يراقبنا حقًا؟ أرجو ألا يكون قد غادر.
من أين يظهر المغتالون في الرواية؟ آه، تذكرت…. يتسلقون الجدران نحو الشرفة.
‘فلننتقل إلى مكان أكثر أمانًا أولاً.’
تحركتُ بكرسيي مبتعدةً قدر الإمكان عن حافة الشرفة. نظرت إليَّ هيرسيا باستغراب، ثم قلدت حركتي تمامًا.
“هل هذه نوعٌ من الألعاب؟”
‘إنه هروبٌ يا عزيزتي…. هروب.’
“فقط أردتُ رؤية الشرفة من زاوية أبعد.”
“آه.. تمامًا كما قلتِ….”
“لحظة، صمتًا.”
“ماذا؟”
“لنستمتع بالهواء بهدوء لبرهة.”
الاستماع لحركات القتلة صعبٌ حتى في الصمت، فكيف لو استمررنا بالحديث؟ قد لا نتمكن من الهرب في الوقت المناسب. تجاهلتُ نظراتها المرتبكة وبقيتُ أراقب الحافة بتركيز. ‘عند الضرورة، سأركض للخلف دون تفكير.’
وبعد صمتٍ طويل، وبينما كانت هيرسيا تراقب ملامحي بقلق، ظهروا أخيرًا.
المغتالون.
في الرواية، ذُكروا كـمغتالين دون تحديد عددهم، فظننتهم اثنين أو ثلاثة. لكنَّ الذين تسلقوا الشرفة الآن كانوا خمسة على الأقل.
‘يا إلهي!’
يقولون إن الصدمة قد تخرس اللسان، وهذا ما حدث؛ وقفتُ أنا وهيرسيا نحدقُ بهم في ذهول دون صراخ. ربما هيرسيا لم تدرك هويتهم بعد، ولكن أنا…. أنا التي أعرفهم، لماذا أصابتني الحازوقة بدلاً من الصراخ؟
تقدموا نحونا ببطء، أشباحٌ متشحة بالسواد من الرأس إلى القدم. هل يمشون ببطء ليميزوا من بيننا هيرسيا؟ أين سيكار؟ رفعتُ نظري للأعلى لكن لا أثر له. ماذا يفعل؟! لقد ظهر القتلة، لِمَ لا يتدخل؟!
كانت يد هيرسيا ترتجف بعنف، وجسدي كله يرتعد مثلها. لم أتخيل قط أن أواجه موقفًا كهذا، فشل تفكيري تمامًا. كان هذا خوفًا يفوق ما شعرتُ به حين اقتيدتُ معصوبة العينين إلى قصر الدوق.
والأدهى أن سيكار لم يظهر، وحياتنا الآن معلقة بخيط رفيع. هل يحاول السخرية مني؟ لم يعد هناك وقت للتفكير، فقد اقترب أحد المغتالين ورفع نصل سيفه عاليًا.
هل سأموت هكذا؟ على يد هؤلاء القتلة الهامشيين؟!
لكن، لا سيكار ولا حبيب هيرسيا ظهرا. هوى السيف نحوي بسرعة وقوة لا يمكن تفاديهما.
في اللحظة التي ظننتُ فيها أنني هالكة…..
مرَّ النصل أمام أنفي وكأنه شقَّ الهواء، ثم سقط المغتال فجأةً على ظهره. وفي لمح البصر، بدأ الباقون يتساقطون واحدًا تلو الآخر.
‘ماذا حدث؟ هل.. هل ماتوا؟’
تبادلنا أنا وهيرسيا نظراتٍ حائرة، ثم اقتربنا بحذر من أحدهم.
وفجأة..
“شخيــــر…”
‘هذا صوت شخير!’
كان المغتالون يغطُّون في نومٍ عميق.
‘هل جاءوا للاغتيال أم للقيلولة؟’
شعرتُ بالارتياح لنجاتي، لكن الموقف كان عبثيًا لدرجة الذهول. حينها، قفزت فيكا من الطابق العلوي وتبعها سيكار بخفة. مشت فيكا وهي تعقد يديها بملل.
“لا أصدق أنني اضطررت لاستنزاف طاقتي لتنويم هؤلاء الحثالة.”
ثم ركل أحد القتلة النائمين بخفة وأضاف: “انظروا إليه، إنه يشخر أيضًا!”
التعليقات لهذا الفصل " 50"