شعرت إيلا بانقطاع أنفاسها، فلم تستطع أن تتنفس بشكل طبيعي لفترة، ثم بعد تأكدها من رحيل الخادمات قررت العودة إلى غرفتها.
كانت تتمسك بالجدران وهي تسير، شاعرة بالدوار يُهاجم كل ذرة في عقلها، محاولة التماسك للعودة إلى غرفتها في الخفاء كما أتت، حتى وصلت أخيراً إلى غرفتها.
كانت الغرفة التي تركتها وهي تشعر ببعض الحماس مع التوتر، عادت إليها كجندي أُصيب بشدة حتى قبل أن يصل إلى جيش العدو.
بعد أن وصلت إلى سريرها جلست على مهل، ووضعت ظهرها على السرير، ووضعت يدها لتُغطي بها عينيها.
حاولت عدم التفكير، أو عدم التذكر، لكن الذكريات السيئة هاجمتها بشدة لتقع في كابوس حي قد عاشته من قبل.
في حديقة ما مليئة بالورود، والجو مشمس، كانت إيلا الصغيرة تقف بتوتر، وأمامها والدها الغاضب، الذي كانت عيناه تشتعلان بنيران مظلمة.
نظر إليها بعينين مظلمتين كمن يريد القتل، وقال فجأة بصوت عالٍ ونبرة مستاءة:
“لماذا لا تلتصقين بالأمير؟ لماذا تدعينه يلعب مع تلك الريفية عديمة المستوى؟”
نظرت له إيلا بتردد، قائلة بخفوت:
“إنها صديقتنا، نحن نلعب معاً.”
قال رئيس الوزراء بسخرية:
“هل حقاً؟ أصدقاء تقولين؟!! يا لها من سذاجة، بالتأكيد تلك الخبيثة قد سحرت عقلك أنتِ أيضاً كما سحرت عقل الأمير.
قريباً سترين تلك الوقحة تصير هي خطيبة الأمير، وسيتركك الأمير وحيدة، وينهي حتى معرفته بكِ.”
حركت إيلا رأسها بشدة، نافية حديثه، قائلة:
“لا، أنت مخطئ. ليان لن يتركني، نحن أصدقاء، وقد وعدني أن نظل جميعاً أصدقاء.”
هذه المرة لم يتحمل رئيس الوزراء ثقتها العمياء، قائلاً:
“إيلا، أنا لا أهتم بما وعده الأمير، ولا أهتم بمن يُقابل.
كل ما يهمني أن تستمري بالحفاظ على مكانك بجواره، كونك خطيبته، حتى تصيري الإمبراطورة.”
وقال بنبرة خبيثة لها قبل أن يرحل:
“إذا لم تستطيعي أن تمنعي أي فتاة أن تقترب من الأمير، فسوف أتدخل أنا، ولكن بعد ذلك عليك أن تلومي نفسك على ما سيحدث.”
انتهت الذكريات عند هذه الجملة، وتعرقت إيلا بشدة، راغبة في منع نفسها من تذكر أي من هذه الذكريات، لكن الاسم الذي لم تسمعه منذ فترة طويلة هو ما كسر آخر ذرة في ثباتها الوهمي.
نمت التساؤلات داخلها:
(لماذا إيفلين في كانور وليس في سون؟ هل حدث شيء ما؟ أم هل تخطط لحرب؟!! ولماذا في كانور بالذات؟ هل لأنها قريبة قليلاً من القصر الإمبراطوري؟ أنا أشعر أنني قد سمعت شيئاً عن هذه المملكة منذ فترة قريبة، ولكن ما الذي قد سمعته؟)
حاولت إيلا عصر دماغها لإيجاد أين سمعت عن مملكة كانور، ثم فجأة تذكرت، واتسعت عيناها بشدة:
(من كان يتحدث عن تلك المملكة؟ كان ليان. ألم يقل منذ فترة أن لديه بعض الأعمال هناك .
وقد يحدث شيء ما يجعله مضطراً للذهاب إلى هناك؟ بلا شك هو قد عرف أن إيفلين هناك، إذاً لماذا لم يخبرني؟!!)
شعرت إيلا بمشاعر سلبية، وتضايقت عند إخفاء ليان عنها الأمر، ثم أدركت أن العديد من الأشياء الغريبة قد حدثت في أوقات متزامنة.
أولاً نظرات والدها التي لا تُنذر بالخير، على الرغم من أن نظراته دائماً لا تنذر بالخير، إلا أنها ازدادت سوءاً عندما قابلته آخر مرة.
وأيضاً جدية ليان غير المعتادة، واستدعاؤه لبعض الوزراء في السر، وحديثه الذي بدا كمن على وشك القتال.
ثم أخيراً وصول إيفلين إلى مملكة كانور، أقرب مملكة إلى الإمبراطورية.
هل كل هذه الأمور مصادفة؟ بالتأكيد لا. لا يُمكن أن تجتمع ثلاثة أشياء معاً وتصبح مجرد صدفة.
لذلك، بعد قليل من التفكير، أدركت إيلا ما يحدث وما قد فاتها. هي ليست غبية، لكن الجميع يحاولون إخفاء الأمور عنها.
أولاً والدها الذي يُخفي الأمور حتى يستطيع استغلال سذاجتها بشكل جيد، وثانياً ليان الذي يُخفي الأمور لحمايتها، محاصراً إياها بداخل دائرة حمايته.
لذلك اتخذت إيلا قرارها في تلك اللحظة. منذ الآن ستتظاهر بعدم معرفة شيء، إلى أن تحين تلك اللحظة التي ستنقلب فيها الأمور.
عندها ستنهي هي تلك المأساة التي بدأها والدها من قبل وما زال مستمراً فيها.
سيكون موته على يديها، حتى تُعطي كل الأشخاص الذين ظلمهم الراحة من شروره.
بعد أن اتخذت إيلا قراراً مصيرياً، شعرت بأن عينيها تفقدان روحها وتَتجمدان، وأن النعاس يسيطر عليها، كما لو كان يُحاول أن يُبقيها نائمة إلى الأبد.
في قلعة كانور:
كان كاليوس غارقاً في التفكير على مكتبه، بينما يُلاحظ إيفلين التي تعمل في المكتب الذي بجانبه، والهالات السوداء تُظهر عدم نومها لأيام.
تنهد كاليوس في نفسه، قائلاً:
(هذا غريب، فجأة أراها تفقد روحها وتغوص في اكتئاب شديد، وأحياناً تكون عيناها مليئتين ببعض الحماس مع توتر شديد.)
شعر كاليوس بالضيق، راغباً في معرفة السبب في وصولها إلى هذه الحالة:
(هل شعرت بالاكتئاب لرحيل إلينا؟ ولكنها لم تبدُ من الذين سيكتئبون اكتئاباً شديداً لسفر صديقة.
إذاً ربما بالتأكيد السبب هو اقتراب ذكرى وفاة صديق إلينا الذي تحدثت عنه.
هل كانت تعتز به إلى تلك الدرجة؟ أم هل من الممكن أنها كانت تحبه؟ لقد كان أنه الحب الأول لإلينا، إذاً هل ربما هو أيضاً الحب الأول لها؟
ثم بعد موته صُدمت وقالت تلك الأمور الغريبة إلى ميا عن نوعها المثالي.)
هذا أقصى تفكير منطقي وصل إليه عقل كاليوس، لذلك قرر أن يجعلها تفكر في أشياء أخرى هذه الفترة حتى تأتي إلينا بسلام.
وما زال عليه التفكير في ما سيقوله لها حتى يقنعها بالبقاء في مملكته، فهو يعلم أنه بالتأكيد لن تقبل بالبقاء معه هنا في مملكة كانور، تاركة عائلتها وراءها، لذلك يبدو أن عدد الأشياء التي عليه التفكير بها تستمر بالتضاعف بشكل كبير.
كانت إيفلين تنظر إلى الأوراق وتعمل بلا حياة، بينما أخذت تفكر بتردد فيما ستفعله.
فلقد اقترب موعد ذكرى وفاة أدريان كثيراً، وفي تلك الفترة سيحدث ما لا تريده، بل ما لا تستطيع السيطرة عليه.
كانت في مملكة سون تحبس نفسها لثلاثة أيام من ذكرى وفاته، لكن هنا ما الذي ستفعله؟ هل ستظهر أفعالها الغريبة؟ هل سيستطيع أحد أن يتقبلها دون أن يتهمها بالجنون؟
كان حبسها لنفسها في غرفتها يُحافظ على صورتها كأميرة مثالية وقائدة جيش مثالية، لكن هل كان الحفاظ على ذلك دائماً خطأ؟!!
للمرة الثانية راودتها الشكوك في أفعالها، وبعد بعض الضغط على عقلها لإيجاد حل، أصابها صداع قوي، فقررت التوقف عن التفكير وتنفيذ فقط ما كانت تفعله.
لذلك قامت من مقعدها، واقتربت من مكتب كاليوس، ثم نظرت إليه محاولة جعل تعابيرها طبيعية قدر الإمكان.
ثم سألته ببعض الجدية، أغرب سؤال قد يسمعه كاليوس على الإطلاق في حياته:
“هل لغرفتي قفل أو سلاسل حديدية لقفلها؟!!”
كانت تعلم جيداً أن ما سيحدث في الأيام القادمة لن يستطيع أحد فهمه… وربما لن تستطيع هي نفسها السيطرة عليه.
التعليقات لهذا الفصل " 64"