كانت إيلا تشعر ببعض الملل، فقد انتهت منذ فترة من قراءة الكتب التي أحضرتها، إذ كانت خلال هذه الفترة تزور المكتبة باستمرار وتستعير الكتب وتعيدها.
ولذلك، لتتخلص من مللها، قررت أن تعود إلى المكتبة لتعيد الكتب التي قرأتها وتستعير كتبًا جديدة.
وبينما هي تمشي في إحدى الممرات متوجهة إلى المكتبة، وخلفها زافير الذي يمسك الكتب، وميرا التي تمشي بجانبه على مسافة.
أحست إيلا بشعور غريب، وكأن القصر صار الجو الهادئ فيه ثقيلًا. كان هناك العديد من الخدم الذين لم ترهم من قبل .
وعلى الرغم من عدم وجود أي شيء يثير الانتباه، إلا أن الشعور بعدم الارتياح لم يفارقها، لذلك قررت أن تذهب لرؤية ليان بعد استعارتها للكتب.
كانت المكتبة هادئة كالعادة. استغرقت إيلا فترة بسيطة للحصول على كتب مثيرة للاهتمام لقراءتها. بعد أن انتهت، أعطت الكتب لزافير وقررت التوجه إلى مكتب ليان لتعرف ما الذي يحدث في القصر.
عندما وصلت أخيرًا إلى مكتبه، طرقت الباب بهدوء ثم فتحته بسرعة، لكنها سرعان ما صُدمت بشدة، فلم يكن ليان وحده في الغرفة، بل كان معه بعض من وزرائه يتناقش معهم بتعابير جادة.
شعرت إيلا ببعض الإحراج لمقاطعتها لهم، وقد بدا حديثهم جادًا، لذلك قالت بخفوت:
“أنا آسفة للمقاطعة، سأرحل وآتي في وقت آخر.”
لكن حديث ليان منع رحيلها:
“لا تذهبي، فلقد انتهينا على أية حال من حديثنا.”
ثم أشار للجميع بالخروج، وقال قبل رحيلهم:
“لا تنسوا ما قد ناقشناه اليوم.”
شعرت إيلا ببعض الحيرة، التي ما إن لاحظ ليان شرودها في الباب الذي خرج منه الوزراء، حتى قال بمرح:
“لا أصدق أنك أتيت لزيارتي بنفسك، هل اشتقتِ إليّ كثيرًا؟”
لكن إيلا لم تنسَ بالفعل سبب مجيئها، وقالت بجدية:
“ليان، ما الذي يحدث هذه الأيام؟ لما أشعر بتغيير في أجواء القصر؟”
تنهد ليان بخفوت وقال بجدية:
“أنا فقط شعرت أن أمان القصر يجب أن يزداد قليلًا، فوضعت بعض الفرسان في الأرجاء. ليس عليك القلق كثيرًا هكذا.”
كانت لدى إيلا الكثير من الأسئلة التي تجول بخاطرها، وشعرت أن ليان يخفي عنها شيئًا، لذلك قررت أن تكتشفه بنفسها.
فقالت بشك:
“حسنًا، إن كنت تقول ذلك فهو كذلك، لن أهتم للأمر كثيرًا.”
أجاب ليان بابتسامة:
“أجل أجل، لا تهتمي للأمر.”
بينما قال في نفسه:
(هل تظن أنني لا أحفظ تعابيرها جيدًا وأعرف ما ستفكر فيه؟ بالتأكيد في اللحظة التي ستخرج فيها من هذه الغرفة، ستفتش في كل مكان لتعرف ما الذي يحدث بالضبط. لذلك عليّ أن أمنعها قبل أن تتدخل في أمور خطيرة بتهور.)
سأل ليان إيلا بابتسامة:
“ما رأيك بأن نتنزه أنا وأنت في الحديقة؟”
أجابت إيلا كالعادة بلامبالاة وجمود:
“لا.”
لكن ليان لم يستسلم، نهض من مقعده وأمسك بيدها وأخذها إلى الخارج دون أن يمنحها فرصة الاعتراض، ثم وجد زافير وميرا بالخارج فقال:
“يمكنكم الذهاب والراحة، آخذ أنا إيلا لفترة.”
أومأ له الاثنان، ثم انطلق ليان في طريقه نحو الحديقة.
نظر زافير إلى ميرا قائلًا:
“ماذا ستفعلين الآن؟”
نظرت له ميرا بدهشة قائلة:
“سأصنع بعض الأوشحة الصوفية.”
قال زافير بتفكير:
“انتظريني قرب النافورة التي في الحديقة، سأريك مكانًا رائعًا.”
شعرت ميرا بالحيرة، تريد الرفض، لكن كيف لها أن ترفض؟ لا تريد أن تكون مقربة من أي نبيل بعد الآن، حتى إنها وضعت مسافة بينها وبين إيلا.
حينما رأى زافير علامات الرفض على وجهها، قال بهدوء:
“لا تقلقي، لن يرانا أحد، لذلك توقفي عن نوبات القلق هذه.”
تنهدت ميرا وقالت بعبوس:
“حسنًا، سأحضر الصوف وآتي عند النافورة.”
أومأ لها زافير بابتسامة.
في جزء آخر من الحديقة:
نزعت إيلا يدها من يد ليان قائلة:
“إلى أين ستأخذني؟ لا تظنني ساذجة لا تعرف أنك تُخطط لأمر ما من ورائي.”
نظر لها ليان بجدية وقال بصوت منخفض به بعض الحزن المصطنع:
“إيلا، هل تشكين بي؟”
نظرت له إيلا ببلاهة وقالت بضيق:
“بالتأكيد لا، أنا لا أشك بك، لكني لا أريد لشخص آخر أن يتأذى.”
ثم أكملت وهي تنظر في عينيه بحزن دفين:
“ليان، ما زالت العديد من الكوابيس تأتيني، تلومني على ما اقترفه والدي. لم أستطع منع والدي في الماضي، بسببه خسرت شخصًا عزيزًا، والآن لا أريد أن أخسرك أو أن أخسر أحدًا بسببه.”
تنهد ليان لرؤيته إياها حزينة، ثم قال وهو يحضنها ويربت عليها لتهدئتها:
“لا بأس، أنتِ لن تخسريني أبدًا، وما حدث في الماضي ليس خطأك أبدًا، لذلك توقفي عن لوم نفسك بشدة.”
هدأت إيلا قليلًا، ثم بعد بقائهم بعض الوقت في الحديقة أعادها إلى غرفتها.
في قلعة كانور – في غرفة الملك:
كان الملك ينجز أعماله المعتادة، حتى طرقت الملكة الباب ودخلت. نظر لها الملك بابتسامة قائلًا:
“هل شعرتِ ببعض الملل، فقلتِ لما لا أمرّ على زوجي العجوز في عمله؟”
نظرت له الملكة بضيق قائلة بصوت عال قليلًا:
“لماذا؟ هل تظنني ابنك المختل؟”
أدرك الملك أن كاليوس هو سبب غضبها كالمعتاد، فقال بهدوء:
“ماذا حدث لكل هذا الغضب؟ هل فعل شيئًا ضايقك به مجددًا؟”
قالت الملكة وهي تعقد حاجبيها وتشتعل عيناها من الغضب:
“وهل سأنتظر؟ لقد غادرت إلينا الجميلة واللطيفة، وقريبًا ربما ستغادر إيفلين أيضًا. سأفتقدهما كثيرًا، وابنك الغبي لا يتحرك ليفعل أي شيء حتى.”
قال الملك وهو يتنهد:
“دعيهم وشأنهم.”
قالت الملكة باعتراض:
“لكن إنها أول مرة أرى كاليوس سعيدًا هكذا وبدون أن يفعل أي أمور غريبة. لقد أصبح عاقلًا منذ أن أتت إيفلين، ألا تعتقد ذلك أيضًا؟”
قال الملك بإيجاب:
“أنا أعلم ذلك، لكن لا يمكننا إجبار إيفلين على البقاء.”
لم تجد الملكة أي حل، فغادرت وهي تفكر بعمق.
في القصر الإمبراطوري – في غرفة إيلا:
كانت إيلا تشعر ببعض الاستغراب، فلم تعد ميرا حتى الآن، لذلك قررت أن تذهب إلى غرفتها لترى ماذا تفعل.
عندما خرجت من غرفتها ونزلت السلالم واقتربت قليلًا من مكان سكن الخادمات، رأت خادمتين تتحدثان بينما تكنسان الأرض. خافت إيلا من أن ترياها، فهي لا تثق بأي أحد، فقد يكون هناك الكثير من أتباع والدها هنا.
لفت انتباهها حديثهما الغريب، فقد قالت إحداهما للأخرى:
“هل سمعتِ آخر الأخبار؟”
بينما قالت الأخرى بفضول:
“ماذا حدث؟”
أجابت الخادمة الأولى:
“هل تذكرين دوقة دوقية لاريت، تلك السيدة الجميلة التي لا يستطيع أحد مجاراتها في الآداب الملكية؟”
أومأت لها الخادمة الأخرى، فقالت الأولى بابتسامة:
“لقد سمعت هذا من إحدى أقربائي الذي عاد من سفره من مملكة كانور، لقد قيل إنها كانت تخفي بالفعل تلميذة لها.”
شهقت الخادمة بصدمة من الحديث، فأكملت الخادمة الأولى قائلة:
“أنتِ لم تُصدمي بالكامل بعد، هل تعلمين من هي تلك التلميذة؟ إنها أميرة مملكة سون، يقولون إن اسمها إيفلين.”
كتمت إيلا بسرعة فمها كي لا يُسمع صوتها، فقد كادت أن تصرخ من الصدمة، وأخذت تقول بهمس تحاول استيعاب ما سمعته:
“تلميذة الدوقة… الأميرة… إيفلين. ما الذي تفعله في مملكة كانور؟!!”
التعليقات لهذا الفصل " 63"