لم يستفسر كاليوس مرة أخرى، وقررت إيفلين أن تستكمل عملها معه.
كانت تستمر في عملها، وبعد انتهائها شعرت ببعض الضيق، فتذكرت أنها لم تذهب منذ فترة إلى مكان التدريب الخارجي الذي يتدرب فيه الفرسان.
لقد كانت تذهب أثناء وقت المسابقة من داخل القلعة إلى المسابقة دون الاقتراب من الأماكن الخارجية.
راقبت بعينيها الطريق الذي جاءت منه بتركيز، شاعرة أن كاليوس في اللحظة التي ستصل فيها أمام مكان التدريب سيجده خلفها، لكن مزاجها كان متعكرًا، لذلك لم تهتم إن أمسك بها أم لا.
ما إن وصلت أمام ساحة التدريب، حتى راقبت الفرسان وهم يتبارزون بشدة.
كانت أصوات سيوفهم التي تحتك ببعضها تشعرها ببعض السلام، ربما أنساها قليلًا بعضًا من حزنها.
ثم بينما كانت تراقبهم باهتمام، سمعت الأصوات التي كانت عالية منذ قليل تصمت فجأة حتى توقفت تمامًا.
حينما نظرت لهم باستغراب لتوقفهم، وجدت الجميع يحدق بها بشدة، وبالأخص في الخلف كان ناي ويون وليو ينظرون لها دون قول أي كلمة.
تذكرت في المرة السابقة التي أتت فيها كيف رحب بها ناي وليو كثيرًا، فما الذي حدث؟
ثم بينما كانت تفكر في سبب سلوكهم الغريب، رأت ناي فجأة يتقدم نحوها ويقف على مسافة قريبة قائلًا:
“هل من الممكن أنكِ قد ضللتِ الطريق، سيدتي؟”
اتسعت عيون إيفلين بشدة وهي تفكر في رأسها:
(ما الذي يقوله فجأة هكذا؟ وما خطبه يناديني بسيدتي بشكل غريب؟!!)
ثم فجأة، كأن صاعقة قد ضربت رأسها بقوة، فهمت ما سر سلوكهم الغريب. لقد كانت بشعرها الأشقر اللامع وترتدي فستانًا، ربما أخطؤوا في التعرف عليها وظنوها إحدى الضيوف.
قالت إيفلين وهي تتنهد في سرها:
(حسنًا، أنا لا ألومهم، ففي النهاية هم لم يعرفوا بعد أنني فتاة، ولم يروني بفستان من قبل، فهي لم تخرج بالفستان سوى إلى قاعة المسابقة داخل القلعة.)
شعرت إيفلين بالرغبة في الضحك، فقد كان الموقف مضحكًا بشدة، ثم أتتها فكرة غريبة، أو ربما شريرة قليلًا:
(إن أخبرتهم أنني قائدة قادمة من بعيد لتقييم مستواهم في المبارزة بأمر من كاليوس، ألن يقوموا بمبارزتي؟
وعندها لن يستطيع كاليوس أن يعاقبهم لأنني من خدعتهم أولًا، وأيضًا لقد قال لهم ألا يبارزوا الين وليس إيفلين. أليس هذا منطقيًا ولا يخالف أوامره؟!!)
قالت إيفلين بابتسامة جعلت كل من رآها يحدق بها بإعجاب من جمالها:
“أنا هي القائدة الجديدة التي ستقود فريقكم. لقد عينني ولي العهد لفترة تجريبية، وأمرني أن أتبارز معكم وأقدم تقريرًا له مباشرة، لذلك أرجو التعاون معي.”
نظرت لهم إيفلين وهي تحاول أن ترى إن كان قد انطلى عليهم الأمر، إلا أنها لم تعرف أبدًا سوء الفهم الغريب الذي كان بداخل رؤوسهم، فقد كانوا يفكرون جميعًا:
(قائدة جديدة عُينت، بل وما زالت ترتدي الفستان الذي جاءت به، إلى أي مدى على أميرنا أن يكون قاسي القلب حتى أنه أمرها بالعمل قبل أن يسمح لها ولو بتغيير ملابسها؟)
قال ناي بشفقة:
“هل تريدين أن يرشدك ليو إلى إحدى الغرف لتغيير ملابسك إلى أخرى مناسبة؟”
بينما نظر له ليو نظرات تعني: ما شأني أنا بالأمر؟ أنت من تحدث، فلتذهب أنت.
قاطع صوت إيفلين شجارهم الصامت قائلة:
“لا بأس، أستطيع القتال هكذا.”
لم يستطع الجنود منعها بعد ذلك.
بدأت إيفلين المبارزة معهم، ومع تحركاتها الشديدة شعرت بأنها أخيرًا تتخلص من أفكارها السلبية وتشعر ببعض الراحة، لكنها ابتسمت بسخرية من نفسها التي لا تهدأ إلا بالقيام بما يعرضها للأذى.
شعرت ببعض التوتر من أن يكتشف كاليوس ما يحدث، لكنها سرعان ما تجاهلت الأمر لفترة، ثم شعرت بتأنيب الضمير فقررت التوقف عند هذا الحد الآن.
أخذت منشفة من أحد الفرسان وقالت وهي تمسح العرق الذي تكوّن على وجهها:
“فلنكتفِ بهذا القدر اليوم.”
قال كاليوس وهو يصفق بصوت عال:
“رائع، يا له من عرض مذهل. لماذا لم تكملي مبارزة البقية؟ هذا ليس عدلًا، أليس كذلك؟”
كانت نظرات كاليوس مظلمة بشدة وهو ينظر إليها، بينما أساء الفرسان الفهم قائلين:
“سيدي، هذا قاسٍ جدًا، لا يمكنك جعل سيدة تعمل فجأة هكذا دون سابق إنذار.”
وافقه ليو في كلامه قائلًا:
“أجل سيدي، القائدة لم تُمنح حتى فرصة تغيير ملابسها إلى ملابس مناسبة، وقد قاتلت بالفعل نصف الجنود. أليس هذا غير عادل؟”
بينما شعر يون منذ البداية بالريبة الشديدة، وقد أدرك ما يحدث حينما كان يراقب إيفلين وهي تبارز، قائلًا بسخرية في نفسه:
(الفرسان الحمقى لم يستطيعوا أن يدركوا أنها حركات الين بالفعل.
لا يمكن أن يوجد شخصان بنفس القدرات الرائعة، بنفس التقنيات، وبجسد متشابه. حسنًا، عليهم تلقي عقابهم هذه المرة، فقد كتمت أخطاءهم كثيرًا.)
نظر لهم كاليوس ببلاهة، شعر أنه يجب أن يحاول كبح غضبه، فصرخ عليهم:
“ما هذا الذكاء؟ إن كان جنودي بهذه العبقرية الفذة، فيبدو أنني سأهلك من الداخل وليس الخارج.”
ثم اقترب من إيفلين قائلًا:
“عرّفيهم بنفسك.”
نظرت له إيفلين بحذر، ثم نظرت إلى الفرسان قائلة بجدية:
“أنا هي إيفلين، أميرة مملكة سون، وكنت متنكرة في هيئة الين. أعتذر لتسببي في الارتباك لكم.”
نظر لها الجميع بصدمة، بينما قال لها كاليوس وهو يعقد حاجبيه:
“نسيتِ شيئًا.”
نظرت له إيفلين باستفهام، فقال معلنًا:
“إنها أميرة مملكة سون، وأيضًا… خطيبتي.”
هذه المرة سقط فك أغلب الفرسان من الصدمة، فيبدو أن هذا الخبر كان أشد من الخبر الذي جاء قبله.
تجاهل كاليوس صدمتهم، وأمسك بيد إيفلين وهو يجرها خلفه. ثم عندما وصلوا إلى الداخل بالقرب من غرفتها، تركها.
نظرت له إيفلين بتوجس، وقد جهزت ما سوف تقوله إن قال أي شيء.
لكن على عكس توقعها أن يغضب مثل المرة السابقة ويصرخ في وجهها بحجة حمايتها، كان هادئًا جدًا هذه المرة، وقال بهدوء غريب لا يتناسب معه:
“هل أنتِ بخير؟”
كانت كلمات بسيطة، لكنها اخترقت داخلها، ربما لأنها تشعر بأنها ليست كذلك، أو ربما لأن السد الذي وضعته على قلبها قارب أن ينهار.
كان من المفترض أن تجيب كالعادة بأنها بخير، لكن لم تعلم لماذا نطق فجأة فمها بمشاعرها الحقيقية التي اختنقت بشدة داخلها:
“أنا …..لا أدري.”
في القصر الإمبراطوري:
كان ليان ينظم بعض الأوراق، ثم أعطى بعضها إلى مساعده وأمره بالخروج.
ثم اقترب من مكان ما أمام أرفف كتبه، وحرك كتابًا كان في المنتصف، فانفتح المكان الذي خلفه، فظهر شيء يشبه أدراج مكتبه .
فتحه بمفتاحه، ثم نظم الورق الذي بداخله وهو يعيد التفكير في كيفية جلب أدلة جديدة في إحدى القضايا.
ثم دخل فجأة أحد الجواسيس قائلًا بخفوت:
“سيدي، لقد تم إعداد الجيش الذي تحتاجه، وأنا أعيد تدريبهم مجددًا لتلافي أي خطأ.”
أومأ له ليان، وقال بشرود بعد أن رحل الجاسوس:
“يبدو أن الحرب قد أصبحت قريبة.”
و لأول مرة لم يكن ليا خائفاً من الحرب نفسها …بل من أن يخسر من أقام الحرب لأجلها .
التعليقات لهذا الفصل " 62"