نظر لها الجميع بصدمة، فقد كانت لوحتها فقط باللون الأسود، لم تضع أي لون آخر. على الرغم من أن اللوحة من المفترض أن تكون مليئة بالألوان والدفء، كانت لوحتها تبعث على التشاؤم.
كانت الصورة غير معتادة، فهي لم تكن صورة لها وعائلتها كما تصوروا، بل كانت صورة للعديد من الأشخاص، لم يعلم أحد من هم.
فقد كانت الصورة عبارة عن حديقة لا يوجد بها سوى الحشائش، ولا توجد سوى شجرة واحدة صغيرة بجوارهم.
وقد وُضعت إحدى أغطية السرير على الأرض وجلست عليها سيدة جميلة في مقتبل العمر تبتسم ابتسامة جميلة، وأمامها رجل بدا في مثل عمرها يبتسم لها .
وفي منتصفهم طفل صغير لطيف يمسك بإحدى المعالق ويستعد لتناول الطعام، وبجانبهم سيدة أخرى تبدو أصغر منهم قليلاً وتمسك في حضنها رضيعاً، بينما يضع الرجل الذي بجوارها الأطباق.
كانت الصورة تشير إلى عائلة ما ربما، لكنها بدت قاتمة لكونها باللون الأسود. سألت الكونتيسة بهدوء:
“هل من رسمتهم هم عائلتك؟”
أجابت إيفلين بشرود:
“لقد رسمت فقط أشخاصاً أعزاء.”
على الرغم من قتامة الصورة، إلا أن جودتها كانت رائعة بالفعل، فقد كانت الصورة كأنها ستخرج من اللوحة لتُصبح في القاعة. لذلك أعطت أغلب الفتيات الدرجة الكاملة، وبالتأكيد منهن إيفلين وإيزابيلا وميا.
وهكذا مر الاختبار بسلام، وتبقى لهن اختبار واحد. بعد خروج الكونتيسة من القاعة، رحلت بعدها إيفلين بهدوء، عادت إلى غرفتها وجلست على سريرها بعد أن أغلقت الستائر، ووضعت يدها على رأسها محاولة الهروب من الصداع الفظيع الذي أصابها.
ذهبت ميا للاطمئنان على إيفلين، لكنها عندما رأتها تذهب إلى غرفتها توقفت وقررت أن تتركها وحدها، وقالت في ذهنها:
(لابد أنها تفتقد عائلتها كثيراً الآن، أتمنى أن تكون بخير.)
وهكذا مرت الأيام حتى أتى يوم الاختبار الأخير، وبالطبع الذي سيشرف عليه هو الكونت مونت، الذي دخل على خلاف العادة ومعه بضعة أوراق.
كان نظر الفتيات مثبتاً بالفعل على الباب منتظرين أن تحضر الخادمات باقي الأوراق، لكنه قال لافتاً انتباههن:
“لا توجد أي أوراق أخرى، فقط ورقة واحدة هذه المرة.”
كانت الفرحة ظاهرة بشدة في أعينهن، ولم يستطعن إخفاء الابتسامة الواسعة التي ظهرت على وجوههن.
سلم الكونت مونت الأوراق، وكانت ورقة واحدة لكل فتاة. نظرت له إيزابيلا باستغراب، قائلة في نفسها:
(هل هو الكونت مونت حقاً؟!! أم لأنه قد أحضر بالفعل كل الأوراق التي كان سيسألها في بداية المسابقة، فلم يجد أي سؤال سيحضره مجدداً؟!!)
حاولت تهدئة فضولها وأفكارها المتزايدة، مقررة أن ترى الأسئلة.
وعلى عكس الورقة الفائتة التي كانت تحتوي على ثلاثة أسئلة فقط، كانت هذه الورقة تحتوي على العديد من الأسئلة، لكن لم يكن ذلك هو الشيء الغريب.
بل كان الشيء الغريب هو مضمون الأسئلة، فكانت الأسئلة عبارة عن:
(كيف تقتل الخصم بأفضل طريقة مثالية؟)
(إذا أقيمت حرب مع دولة أخرى، فكيف تخططون لإنجاح هذه الحرب؟)
(ما رأيكم في السياسة المالية لهذه المملكة؟)
(ما هو أفضل سلاح في الحروب؟)
وهكذا توالت الأسئلة تباعاً، بينما كانت عيني إيزابيلا تتسع بشدة وهي ترى الأسئلة ما زالت تتناول نفس الموضوع، وهو الحروب والشؤون المالية والاقتصادية للبلاد.
قالت إيزابيلا في نفسها وهي تتنهد:
(يبدو أنه لا يوجد أي شخص عاقل في هذه المسابقة؟!
أهذه أسئلة توجه إلى فتيات نبيلات؟ أقصى ما يعرفنه عن الحروب أنهم يتقاتلون بالسيف؟!!
لولا مكانة والدي المرتفعة نسبياً ومساعدتي أحياناً في الشؤون المالية في المنزل، ربما لا أكون أقدر على الإجابة على سؤال واحد فقط من هذه الأسئلة.
لكن لا بأس، ففي النهاية سأبذل جهدي بشدة في هذا الاختبار الأخير.)
لذلك ركزت بشدة على الأسئلة، محاولة عصف ذهنها بالأفكار حتى تستطيع حل هذه الأسئلة.
كانت ردة فعل ميا على الأسئلة عادية، فقد كان والدها قائد جيش سابق، وقد علمها كيف تقاتل بالسيف، وكانت تتشارك معه أحاديث كثيرة عن الحروب وما يحدث فيها، لذلك كان من السهل عليها نسبياً أن تجيب على هذه الأسئلة.
أما إيفلين فكانت قائدة الجيش في مملكة سون، لذلك كانت الأسئلة سهلة، وتجيب عليها الواحد تلو الآخر بسرعة، فلم يستغرق منها وقت لحلها.
حتى جاء آخر سؤال في الاختبار، كان سؤالاً مركباً يعتمد على استراتيجية ما، فهو يحتاج إلى شخص خبير في الحروب وفهم العدو الذي أمامه حتى يستطيع حل هذا السؤال. شعرت إيفلين بأنهم ربما يستخرجون منها استراتيجياتها عمداً.
وهكذا انتهت مدة الاختبار، وبهذا انتهت المسابقة. بعد مراجعة الأوراق، كانت العلامات:
إيزابيلا حصلت على 5 من أصل 10
ميا حصلت على 8 من أصل 10
أما إيفلين فحصلت على 10 من أصل 10
كانت نظرات الحسد والغيرة تحيط بإيفلين من كل جانب، فقد عُرف من هي الفائزة في هذه المسابقة، وعكس المعتاد لم تكن ميا هي الفائزة، بل الأميرة الغريبة من المملكة المجاورة هي من فازت.
لم تشعر إيفلين بشعور غامر بالسعادة، بل ربما شعرت بأنها فقط استطاعت الحفاظ على مكانها كما هو، وأصبحت كما توقع الجميع: الفائزة.
أما ميا فقد كان هناك العديد من الفتيات اللاتي نظرن لها بشماتة، فقد جاءت أخيراً من تهزم ميا، ابنة الدوق التي دائماً ما كانت مثالية في نظرهن.
بينما إيزابيلا لم تشعر بأي شيء، وكأنها استهلكت مشاعرها وقوتها الجسدية والنفسية بالفعل في هذه المسابقة، لذلك قررت الرحيل بهدوء؛ فهي ليست عدوة لتلقي نظرات حسد وشماتة، وليست صديقة لتُهنأ على الفوز.
اقتربت ميا بالفعل من إيفلين بابتسامة مبتهجة قائلة:
“يبدو أنه بالفعل لن أستطيع هزمك، يلزمني التدريب بشدة لأستطيع اللحاق بك.”
قالت إيفلين بكلمات مشجعة:
“لا تقلق ميا، ربما يأتي يوم تستطيعين فيه هزمي، هيا سأعود إلى غرفتي لأرتاح.”
أومأت لها ميا بالفعل، بينما وصلت إيفلين إلى أمام غرفتها ورأت الينا هناك، فقالت باستغراب:
“ماذا تفعلين هنا؟”
قالت الينا بابتسامة:
“أتيت لأُبارك لك فوزك الساحق.”
تسائلت إيفلين عن من أخبرها بذلك، فقالت الينا:
“أنا أعلم أنه أنت بالتأكيد ستكونين الفائزة، حاستي السادسة لا تخطئ، وبالتأكيد أنا أثق بمهاراتك جيداً.”
أومأت لها إيفلين، وقبل أن تدخل سحبتها الينا من يدها متجهة إلى غرفة الطعام وهي تقول:
“لا يمكن أن تنامي الآن من دون طعام، عليك أن تعوضي ما فقدته من وزن بسبب تلك المسابقة.”
لم تستطع إيفلين الاعتراض، ثم عندما ذهبوا إلى غرفة الطعام وجدوا كاليوس هناك، فقرر تناول الطعام معهن.
وهم يتناولون الطعام قال بابتسامة:
“لقد سمعت أنك أنت الفائزة، دائماً ما تفاجئينني بالمفاجآت، في كل مرة أعتقد أنك لن تصدميني، أُصدم بعدها. خطيبتي الجميلة، اتضح أنها فتاة متعددة المواهب.”
شعرت إيفلين بصدمة طفيفة من كلماته، قائلة في نفسها:
(لا يبدو طبيعياً ، يبدو كلامه ككلام معسول بشكل غريب هذا اليوم.)
وبينما يتناول الطعام كان يخبر إيفلين عن الحفل القادم:
“سيُقام الحفل القادم لإعلان فوزك في كل المملكة، ويتم إعطاؤك جائزة جميلة، تطلعي إليها.”
أومأت له برأسها، ثم تذكر فجأة كاليوس شيئاً قد نسيه:
“ودوقة دوقية لاريت ستأتي إلى ذلك الحفل، وربما هي من ستعطيكي الجائزة. إنها شديدة الصرامة قليلاً، لكن لا تهتمي لها.”
التعليقات لهذا الفصل " 59"