و هكذا تكون قد تبقّى اختبارين على النهاية، كانت معالم الخيبة تُزيّن الجميع، و بدا بعض الهدوء على وجه إيزابيلا، التي لسببٍ ما كانت تُراقب تعابير ميا جيدًا.
كانت إيزابيلا تُحاول إيجاد أي غيرة أو حسد على وجه ميا، إلا أنها لم ترَ سوى ابتسامتها لإيفلين، فكّرت بجدية في نفسها قائلة:
(إنها أول مرة أرى فيها ميا تُهزم، و ليس مرة واحدة بل عددًا من المرات، لكن على الرغم من ذلك إلا أنني لا أجد على وجهها أي تعابير للانكسار أو الحزن أو الألم. كان الأمر غريبًا، فقد كانت بالفعل تبتسم ابتسامة حقيقية لإيفلين، لم تكن مزيفة).
كان هذا المشهد يُشعل العديد من الأفكار في عقل إيزابيلا، فعلى الرغم من أنها كانت دائمًا تُهزم على يد ميا باستمرار.
و على الرغم من أنها قررت أن تستمتع بالمسابقة منذ عدة أيام و ألا تُعير المسابقة أي اهتمام زائد عن الحد حتى لا تغضب و تثور.
إلا أنها تضايقت عندما رأت ميا هادئة بالفعل رغم هزيمتها، و تساءلت في نفسها إن كان هذا هو ما كان عليها أن تفعله بالفعل؟!
أن لا تسمح لمشاعر الغيرة و الهوس بالفوز و الحقد أن يتحكموا في قلبها و عقلها، و أن تُعامل ميا كمجرد منافسة أو ربما كمجرد شخص عادي… هل ربما كان بإمكانهم أن يكونوا أصدقاء هكذا؟!
كتمت إيزابيلا تساؤلاتها عديمة الفائدة الآن، و حولت بصرها إلى باب القاعة، رغبةً في الحصول على بعض الهدوء، لكن لم يكن يسبب لها الكثير من الضوضاء سوى أفكارها التي عصفت بشدة في عقلها.
في مكتب الأمير:
كان كاليوس يُنجز أعماله الورقية كالعادة، بينما يسند بيده على ذقنه، ثم ترك فجأة الورق الذي في يده و هو يتنهد، قائلًا في نفسه:
(لقد مرّ العديد من الأيام منذ أن رأيت إيفلين آخر مرة، هل يقترب من شهر؟ أشعر بالملل و الضيق الشديد، ربما بعد قضاء العديد من الوقت دون رؤيتها أدركت أنني بدون وجودها ستعود حالتي إلى كونها شديدة الملل و الضيق و الوحدة.
لا أدري كيف أستطيع أن أتركها ترحل بالفعل؟ و قد اقترب الموعد المحدد لرحيلها كثيرًا. أنا لن أستطيع الاعتياد على غيابها، و حتى بعد بقائي بعيدًا عنها لعدة أيام شعرت بالفعل بالاشتياق إليها… لا أدري لماذا؟
يبدو أنني عليّ أن أجد أي طريقة لإبقائها في هذه المملكة، لكن للأسف لا أظن أن هناك ما قد يثير اهتمامها للبقاء هنا).
قطع تفكيره المستمر دخول نائبه ليام، الذي عندما رأى كاليوس و قد عادت ملامح وجهه بالفعل إلى الهدوء و الضجر، بعد أن أنهى تقريره الأسبوعي المعتاد قال ببعض الارتياح:
“يبدو بالفعل أن رسائل ابنة الدوق قد توقفت أخيرًا، و بالفعل قد توقفت عن تتبعك، ما زالت تأتيني بعض الكوابيس كوصول رسائل منها.”
أومأ له كاليوس بشرود بينما كان عقله في شيءٍ آخر:
(لقد قالوا إنهم أصدقاء، لكن متى أصبحوا كذلك؟ بكون ميا ابنة دوق مملكتنا و إيفلين هي أميرة مملكة أخرى، إذا كيف تقابل الاثنان بالفعل؟!)
في القاعة التي يُقام فيها الاختبارات:
كان قد وصل موعد الاختبار التالي، و بالتالي جاء مجددًا اختبار الكونتيسة ريجينا مرة أخرى.
كانت الكونتيسة ريجينا تبدو دائمًا كسيدة صارمة تُحب الأشياء الرقيقة مثل التطريز، لذلك كان من المتوقع أن اختبارها لهذا اليوم سيكون عن شيءٍ رقيق أيضًا.
و بالفعل أتت الكونتيسة ريجينا بعكازها المعتاد و قالت:
“بما أنني من ستختار موضوع اليوم، فاخترت موضوعًا مبهجًا و مريحًا للأعصاب بدرجة كبيرة. سيكون اختبار اليوم في الحديقة، سُمح لنا باختيار أي نوع من الزهور، و سيكون الاختبار عن ترتيب الأزهار، لذلك أتمنى أن ترتبوا ترتيبًا راقيًا.”
كانت نظراتها الثاقبة تتنقل بين الفتيات كمن يُحاول قراءة النوايا.
بينما كانت تعابير إيفلين لم تكن جيدة أبدًا، و بدا جسدها و كأنه تجمد، لم يُلاحظ أحد ذلك سوى ميا التي رفعت يدها فجأة راغبة في الحديث، فأشارت لها الكونتيسة بالتحدث.
فقالت ميا مع إظهار بعض التردد على ملامحها:
“أنا أعتذر من الكونتيسة، لكن هل يمكننا تغيير موضوع اليوم؟ لقد أُصبت منذ بضعة أيام بحساسية من رحيق الأزهار، لذلك أنا خائفة من أن تعود مجددًا.”
نظرت لها الكونتيسة مطولًا ببعض التفكير، ثم سألت باقي المنافسات:
“هل هناك أحد آخر يُعاني من حساسية من رحيق الأزهار؟”
و لحسن الحظ كانت هناك بالفعل بعض الفتيات اللاتي يعانين من الحساسية بسبب الأزهار، لذلك قررت الكونتيسة تغيير الموضوع.
و بينما تُفكر في موضوع مناسب آخر، رفعت إيزابيلا يدها لتقول:
“لِمَ لا نجعل موضوع اليوم عن الرسم؟ سيكون موضوعًا جيدًا.”
أُعجبت الكونتيسة بالفكرة، ثم أخبرت الخادمات أن يُحضروا ما يحتاجونه من أدوات.
بعد أن أحضرت الخادمات الأدوات المناسبة للرسم، قالت الكونتيسة فجأة:
“لنجعل موضوع اليوم شيئًا بسيطًا مثل العائلة أو أي أشخاص أعزاء، أتمنى أن أرى بعض الصور اللطيفة.”
نظرت لها ميا بصدمة بينما تقول في ذهنها:
(لماذا على الكونتيسة أن تذكر كل المواضيع المحظورة في يوم واحد؟!)
تنهدت ميا و هي تدعو بداخلها أن يمر اليوم بسلام.
بدأت الفتيات في الرسم، لم يكن الرسم من المهارات الأساسية للفتيات، لكن هناك بعض الفتيات اللاتي اتخذنه كهواية مسلية.
فكرت إيزابيلا في ما سترسمه، أدركت أنه ربما عليها أن ترسم فقط عائلتها، و كما نظرت إلى باقي الفتيات رأت أنهن يفعلن ما كانت ستفعله بالفعل، فبدأت برسم عائلتها بابتسامة.
بينما ميا بدأت بإمساك الفرشاة و الرسم و هي تشعر بالتردد، بينما تستمر في إلقاء بعض النظرات نحو إيفلين، و فكرت في ما سترسمه مقررة أن ترسم نفسها و عائلتها في حديقة مليئة بالفراشات.
ظلت إيفلين تنظر إلى اللوحة البيضاء التي أمامها بأعين فارغة، قائلة في نفسها:
(عليّ أن أرسم عائلتي التي لم أرها منذ فترة، رأسي يؤلمني كلما تذكرتهم، ربما عليّ فقط أن أرسم أي لوحة، ليس شرطًا عائلتي الحقيقية).
بدأت تضع الفرشاة في إحدى الألوان ثم بدأت في الرسم، بدت كشخص سُحر بجنيةٍ ما، ظلت ترسم و ترسم دون أن تعلم ما الذي ترسمه حقًا، فقد بدا أن عقلها كان في مكان آخر.
بعد انتهاء الوقت، بدأت الكونتيسة ترى جميع اللوحات، و قد كانت تعابيرها جيدة إلى حدٍ ما.
رأت لوحة إيزابيلا التي رسمت بها نفسها الصغيرة و هي تنطلق نحو أحضان والديها، و والدتها تفتح ذراعيها باتساع لتحضنها، بينما ينظر لها والدها بابتسامة.
بينما رسمت ميا حديقة جميلة مليئة بالأشجار، و حولها فراشات، و في تلك الحديقة بضعة كراسٍ تجلس عليها هي التي كان واضحًا أنها تثرثر، و والدتها التي تشرب الشاي، و والدها الذي يستمع إلى الحديث باهتمام بينما يشعر بالسلام.
بعد أن أمضت فترة و هي ترى لوحتيهما اللتين أعجبتاها كثيرًا، ثم حان دور لوحة إيفلين، التي جعلتها تُصاب بالصدمة مما رأت، فلم تجد ما تقوله سوى أن تصيح بصوتٍ عالٍ:
التعليقات لهذا الفصل " 58"