وهكذا تكون قد انتهت أول جولة من المسابقة بانتهاء الاختبارات الثلاث، وستكون هناك جولة ثانية .
وهي الجولة النهائية، وفي نهايتها سيُقام حفل كبير، ربما لن تكون مبالغة إن قلنا إنه سيضم كل سكان المملكة، وسيتم الإعلان عن الفائزة وإعطاؤها جائزة.
على الرغم من مظاهر التعب والضيق التي كانت سائدة على وجوه الفتيات وهن يرحلن، إلا إنهن لم يستطعن الانسحاب بالفعل .
فعلى الرغم من رغبة فتيات المملكة في المنافسة، إلا إن صعوبة المنافسة كانت تجعلهن يرغبن بالفرار على الفور، لكن ليس الواقع بهذه السهولة.
فالجميع يعلم أن من تنسحب عن هذه المنافسة سيتم نبذها على الفور والتعامل معها كشخص أدنى.
لذلك، مهما كانت المصاعب التي ستواجههن، وعلى الرغم من رغبتهن المستمرة في الهرب، إلا إن المسابقة صارت كقيد خفي على كاحل كل منافسة، والتي تتحرر من ذلك القيد تكون آثمة أمام المجتمع.
كانت بداية الجولة النهائية بعد ثلاثة أيام، قضتهم إيفلين في الراحة وقراءة الكتب على مهل، فالتعجل وإجهاد نفسها بشدة قد لا ينفعها، بل يضرها بشدة.
لذلك قررت أن تأخذ هدنة بسيطة، وهكذا انقضت ثلاثة أيام بسرعة البرق.
اجتمعت الفتيات كالعادة في القاعة، ودخل بعدها الكونت غريمالدي، والذي كان وحده هذه المرة، وكانت الابتسامة التي تُظهر شعوره الشديد بالإثارة ظاهرة بوضوح على وجهه.
قال بصوت عالٍ:
“أهلاً بالجميع مجددًا، أنا أشعر بالفضول من الآن، إلى ما ستؤول إليه هذه المسابقة، ومن ستكون منكن الفائزة؟”
قال جملته الأخيرة وهو ينظر بالتتابع نحو إيفلين وميا وإيزابيلا، بينما شعرت الفتيات بالضغط محاولات عدم إظهار أي شعور بالصدمة لأي شيء سيطلبه.
ثم قال:
“ستكون بالتأكيد مسابقة اليوم مثيرة للاهتمام، وتجعلكن تُظهرن مواهبكن بشكل أفضل. ستكون مسابقة اليوم عن الطبخ. لقد طلبت من المطبخ الملكي الاستعداد بالمكونات، ويُسمح لكل واحدة منكن بالحصول على المكونات المتوفرة هنا وطبخ ما تُريده، لكن يجب أن يكون الطعم رائعًا والشكل الخارجي مؤثرًا. أتمنى أن تحظين بمسابقة ممتعة.”
قال جملته الأخيرة وهو يبتسم ابتسامة واسعة، بينما تنعكس تعابير الصدمة على وجوه الفتيات في عينيه.
كانت الأصوات المعترضة عالية هذه المرة:
“ماذا؟ الطبخ؟! ماذا يظننا هذا الكونت؟!”
“لا يتعلم النبلاء الطبخ، هل فقد ذلك المجنون عقله أخيرًا؟!”
“ربما علينا الاحتجاج بشدة هذه المرة، ألا يكفي جعلنا نرتدي زي الخادمات؟ بل هل يريدنا أن نقوم بعملهم أيضًا؟!”
قال الكونت غريمالدي بصوت صارم، جاعلًا القاعة تتحول إلى السكون التام:
“من تُريد منكن الرفض، فيمكنها ببساطة الرحيل والتخلي عن كونها في المسابقة. إذًا، هل أسمع أي اعتراض؟”
لم يُسمع سوى أصوات تنفس بعضهن من الغضب، ولم تستطع أي منهن أن تعترض، لذلك مُجبرات اضطررن إلى المشاركة.
جهز الخدم كل المكونات التي يُمكن توفيرها لهن، وتم تفريغ المطبخ الملكي لهذا اليوم حتى تستطيع الفتيات الطبخ براحة.
كانت الحيرة تملأ أفكار الجميع، فكان بعضهن لا يُجدن الطبخ، والبعض الآخر لديهن بعض الأساسيات البسيطة كخبز الكعك وبعض الحلويات.
كانت إيفلين تُجيد الطبخ، وكان ذلك من ضمن الأشياء التي تعلمتها من معلمتها. تذكرت في ذلك الوقت أنها لم تكن تُمانع كثيرًا تعلم الطبخ، وكان تفكيرها حينها هو كيف تكون الأفضل، بدل أن تُفكر في أفكار غير مجدية مثل: لماذا عليّ أن أتعلم الطبخ؟
وقد ساعدها الطبخ كثيرًا وهي تُسافر مع الجنود في مملكة سون، فقد كانت تذهب في مهمات وتقوم برحلات طويلة، ولا يمكنها أخذ ما يكفيها من الطعام. لذلك، في تلك الأوقات كانت تعتمد على الصيد، ثم إشعال النيران والطبخ، حتى تُشبع جوعها أثناء الرحلة.
أما ميا، فقد تعلمت كيف تطبخ حتى تستطيع الطبخ لوالديها والخدم الأعزاء إلى قلبها. كان رؤية والديها متجمعين معًا على طاولة واحدة، وأمامهم الطعام الذي طبخته بنفسها، والابتسامة التي تُظهر استمتاعهم بطعامها، هي أسعد الذكريات بالنسبة إليها.
بينما إيزابيلا كانت قد تعلمت الطبخ وهي صغيرة من رؤية والدتها وهي تطبخ وتصنع طعامًا لذيذًا. على الرغم من مكانة والدتها المرموقة، إلا أنها كانت تُحب الطبخ كثيرًا، لذلك حرصت على تعليم إيزابيلا الطبخ.
حينما شعر الكونت غريمالدي بحيرتهن الشديدة، قرر أن يحدد بعض الشيء حتى يستطعن تقرير ما سيفعلنه، فقال:
“بما أنكن لم تحددن ما ستقمن بفعله بعد، ما رأيكن بالقيام بأبسط شيء على الإطلاق؟ كعكة صغيرة ولطيفة ومزينة بشكل رائع من الخارج. إن كنتن موافقات على ذلك، فارفعن أيديكن.”
وبالفعل، على الرغم من تردد بعض الفتيات، إلا إن الجميع قررن أن يصنعن كعكة، فعلى الأقل ربما يستطعن صنعها، وهي أسهل من أن يطهين الطعام.
وانطلقت الفتيات في صنع الكعكة بسرعة. كانت إيزابيلا تبتسم بالفعل، فقد كان صنع الكعك هو أول ما تعلمته من والدتها، ومتأثرة بذكرياتها قررت أن تصنع كعكة بالفراولة التي كانت تُحبها في صغرها.
كان صنعها سهلًا جدًا، وبينما كانت مشغولة قليلًا، رأت إحدى الخادمات تجلب كمية أكبر قليلًا عما يكفي لكعكة واحدة، ثم أعطتها إلى إيفلين. تساءلت إيزابيلا بداخلها إن كانت تصنع كعكة متعددة الطبقات، لكنها قررت أن تكتم تساؤلاتها في نفسها.
وهكذا انتهى الوقت، وأمر الكونت غريمالدي الجميع بالتوقف وأن يضعوا ما صنعوه على طاولة كبيرة أمامه. وبعد أن وضعوها قال:
“والآن، أُريد منكن أن تشرحن بالتفصيل لماذا صنعتن الكعكات بهذا الشكل.”
كانت أغلب الكعكات مجرد كعكات عادية بدون أي تزيين، ولم تجد الفتيات ما يقلنه سوى أنها أول مرة لهن، لذلك لم ينظر إليهن الكونت مطولًا، بل اتجهت نظراته إلى إيزابيلا، طالبًا منها بنظراته شرح فكرة كعكتها.
قالت إيزابيلا بابتسامة:
“لقد صنعت كعكة بالفراولة، وطلَيتها بالكريمة ذات اللون الأبيض من الخارج، ووضعت عليها الفراولة من فوقها، والتي قمت بتقطيعها بمهارة حتى صارت الفراولة على شكل دببة لطيفة.”
كان تشكيل الفراولة على شكل دببة صعبًا بالفعل، لذلك أثارت اهتمام الكونت قليلًا، ثم نظر إلى ميا طالبًا أن تبدأ في شرح فكرة كعكتها، فقالت بهدوء:
“لقد صنعت كعكة برتقال لطيفة، وبالطبع زينتها بالكريمة البيضاء، لكنني لم أضع الفراولة على الكعكة، بل صنعت عجينة السكر وقمت بتشكيلها لصنع العديد من الأشكال على الكعكة، فجعلتها تبدو كحديقة لطيفة وبها العديد من الأشجار. إنها مناسبة لترمز إلى عائلة تذهب للحديقة.”
أومأ لها الكونت وهو يبتسم، ثم نظر إلى إيفلين متسائلًا عما ستظهره هذه المرة. كانت، على عكس الكعكتين السابقتين، كعكتها مجرد كعكة عادية مزينة بالكريمة من الخارج.
كانت نظرات الجميع تتجه نحو الكعكة، فقد كان لدى الجميع فضول لمعرفة ما ستقوله إيفلين هذه المرة.
قالت إيفلين وهي تنظر إلى الكعكة بلا تعابير:
“لقد رمزت بهذه الكعكة إلى الحياة، أو ربما مشاعري الفارغة أثناء تعلم الطبخ…”
وقطعت جزءًا بسيطًا من الكعكة من الأطراف، ثم ظهر لون الكعكة البني الفاتح، ثم أكملت كلامها:
“هذه الكعكة تبدو جميلة من الخارج، لونها أبيض لطيف ومظهرها بني طبيعي ومريح، لكن…”
هذه المرة جلبت السكين وقطعت الكعكة من المنتصف إلى نصفين، وكانت المفاجأة أن ما ظهر هو كعكة شوكولاتة سوداء، فأكملت:
“من داخلها إنها سوداء قاتمة. مهما بدا الشكل من الخارج لطيفًا وجميلًا ولديه العديد من الآمال، إلا أنه قد يكون من الداخل قاتمًا، مليئًا بالمشاعر السلبية الفظيعة. أعتقد أن هذه هي الحياة بالنسبة لنوع من الأشخاص، مهما بدت من الخارج جميلة ورائعة، إلا أنها ما زالت قاسية، عليك أن تُكافح فيها بشدة.”
كان الجو في القاعة ساكنًا، وشعر الجميع كأن هناك ريحًا باردة تُحيط بإيفلين.
قال الكونت وهو يصفق:
“لقد أعجبني وصفك بشدة، لا أعلم لماذا، لكن كل أفكارك تُثير اهتمامي، ربما لأنها أفكار رائعة وجميلة.”
كتم الجميع أفكارهم، لكنها تسربت إلى وجوههم، فقد كانت وجوههم تقول:
(ربما تُعجبك أفكارها لأنها أفكار سوداوية، بالتأكيد الشخص الطبيعي لن يُعجب بها).
لم يستطيعوا بالطبع أن يقولوا تلك الجملة في وجه الكونت.
قال الكونت النتيجة قبل أن يرحل من القاعة:
“لقد أعجبني كعكات كل من إيزابيلا وميا
وإيفلين، وبالتأكيد بعد أن تذوقتها كانت أيضًا الأجمل. سيكون تقييمي هو: ستحصل كل من ميا وإيزابيلا على 4، وستحصل إيفلين
على 4.5. على الرغم من إعجابي بكعكاتكما، إلا أنني لا أستطيع إلا أن أعطيها نصفًا آخر لإرضاء حسي الشخصي.”
التعليقات لهذا الفصل " 57"