كانت العديد من الأسئلة التي لا تجد لها إجابات تُصيب إيزابيلا بالصداع الشديد، فكيف ستُجيب على هذه الأسئلة؟
تنقّلت نظراتها تجاه ميا ثم إلى إيفلين. كانت ميا مركّزة بشدة على ورقة الاختبار، ثم فجأة كتبت شيئًا ما. كانت ملامحها بالفعل جادة كثيرًا.
بينما كانت إيفلين تسند ذقنها على راحة يدها بتفكير، فلم يبدُ أنها أجابت على أي سؤال بعد، مما أراح إيزابيلا قليلًا ومنحها الهدوء للتفكير في إجابات جيدة.
قررت إيزابيلا أن تُجيب على أول سؤال بأن تكتب اسمها الكامل، فهي تعلم جيدًا أنه بخلاف الكونت غريمالدي والكونتيسة ريجينا، يميل الكونت مونت إلى الصراحة أكثر. ربما وصلت إلى هذه النتيجة بعد التعامل معه لفترة من الوقت.
وأخذت تُفكر بعدها في حل السؤال الثاني. كان من الصعب أن تعرف ما هو هدفها في الحياة، بدأت تُفكر في مركزها كابنة ماركيز.
كانت حياتها سلسة جدًا؛ عائلتها ثرية ولها منصب مرموق، فهو أعلى منصب بعد الدوق، وكانت تحصل دائمًا على ما تريده. لكن ربما كانت حياتها سعيدة قليلًا بدون أي قلق، قبل أن تُقابل ميا.
فبخلاف كونها ابنة الدوق الوحيدة، أي أنها أعلى منها مكانة، وكونها ماهرة بشدة في الآداب، كانت مثالية منذ صغرها.
مما أشعل الغيرة والحقد في قلب إيزابيلا، عازمة على الفوز على ميا بأي ثمن، حتى ترى تعابير وجهها المهزومة.
لكن مهما حاولت لم ينجح ذلك أبدًا، فقد كانت كل محاولاتها تصير فاشلة. لكنها قررت أنها هذه المرة ستستطيع هزيمتها شر هزيمة.
أو هكذا ظنت. مرت حتى الآن جولتان من المسابقة، وما زالت في المركز الثالث. كانت تعتقد أن وجود ميا هو ما كان يُعيقها للوصول إلى القمة، لكنها أدركت أن الأميرة إيفلين كانت هي من تفوقت على ميا، وتستطيع هزيمتها.
كان ظنها أنها قد أتى إليها الفوز أخيرًا على طبق من فضة، لكنه قد ذهب إلى يد إيفلين بالفعل، لذلك كان عليها بذل قصارى جهدها للفوز بأي ثمن.
ربما قضت أغلب حياتها في التنافس مع ميا، راغبة في الفوز، لذلك لم يكن تركيزها على ما تريده حقًا في حياتها، بل ربما لم تُفكر في ما تريده بعد الفوز عليها.
ثم بعد الكثير من التفكير في ما مضى في حياتها، أدركت إيزابيلا ما كانت تُريده حقًا. لم يكن الفوز على ميا، بل كان الحصول على الاهتمام، أن تجذب الأنظار إليها في أي مكان تذهب إليه.
أن يُمطرها النبلاء بالثناء والمديح، أن يُعجب بها الكثيرون من الفتيات ويتخذونها كقدوة، وأن تكون هي ملكة المجتمع.
لكن كان هذا هو أصعب شيء على الإطلاق. لم تجد إيزابيلا أي شيء آخر لتكتبه سوى ذلك. على أية حال، محاولة كتابة أي شيء أفضل من عدم المحاولة، لذلك أجابت على السؤال الثاني بـ:
“أنا أريد أن أكون ملكة العالم الاجتماعي، وأن أكون حديث الجمهور، وأتلقى نظرات الحسد من الجميع.”
ربما بعد إخراج إيزابيلا لشيء من قلبها حقًا، جعلها تهدأ قليلًا وتشعر ببعض الانتعاش. كان السؤال الأخير والأصعب، ليس لأنه سؤال من الصعب معرفته، بل من الصعب إيجاده.
فيجب الإجابة على هذا السؤال بطريقة فلسفية تُثير إعجاب الكونت مونت. على الرغم من تفكيرها في إيجاد شيء فلسفي، إلا إنها قررت فقط أن تُجيب بصدق.
حينما فكرت إيزابيلا في أكثر علاقة دامت معها حتى الآن، كان والداها يدللانهـا كثيرًا ويمطرونها بالهدايا والمديح، ولم تتغير معاملتهما لها مهما حدث، على عكس صداقاتها المزيفة.
فقد شعرت بأن كل أصدقائها ينافقونها. في البداية كان الأمر رائعًا؛ مجموعة من الفتيات الأدنى منها يتملقنها باستمرار ويمطرنها بالمديح.
لكن بعد فترة شعرت بمشاعر غريبة تضغط على قلبها، حين واجهت في مرة ما، ولأول مرة، نظرات الفتيات الحقيقية وما يظنون بها حقًا.
حينها أدركت أن هذه الصداقة ليست النوع الذي تُريده حقًا، لذلك استبعدت الصداقة.
كانت في البداية ستكتب عن علاقتها التنافسية مع ميا، لكن في السؤال ذُكر “إلى الأبد”، أليس قول إن علاقتها التنافسية مع ميا استمرت إلى الأبد يعني أنها مجرد خاسرة تخسر دائمًا أمامها؟
لذلك كتبت إيزابيلا بيقين إجابة السؤال الثالث:
“العلاقات العائلية، مهما فعلت ومهما قلت، أرى دائمًا والداي خلفي لدعمي، لذلك أظن أن علاقتنا هذه ستستمر إلى الأبد.”
وهكذا، بعد فترة، انتهى الوقت.
كانت إيزابيلا تشعر بالفضول الشديد لما كتبته ميا وإيفلين، على الرغم من شعورها أيضًا بقليل من الخوف، لكنها قررت أن تكون شجاعة لأول مرة وتتقبل خسارتها.
بعد أن أخذ الكونت مونت الورق لتقييمه، بالطبع لم يُراجع جبال الأوراق التي امتحنوها في البداية، بل رأى فقط ورقة الاختبار الأخير.
ثم بعد فترة، قال الكونت مونت وهو يُعدل نظارته بهدوء:
“أتمنى أن تقرأ لي كلًا من الأميرة إيفلين، وابنة الماركيز إيزابيلا، وابنة الدوق ميا ورقتها، وأريد فقط أن تُفسروا ما كتبتموه.”
كانت إيزابيلا من بدأت أولًا، قائلة:
“كان أول سؤال عن من أنا، لذلك كان عليّ أن أُجيب بكتابة اسمي الكامل.
أما السؤال الثاني فهو عن هدفي في الحياة، لذلك كتبت بصدق رغبتي بأن أصير مركز الاهتمام.
أما السؤال الثالث فكان عن العلاقة التي تدوم إلى الأبد، فكتبت أنها العلاقة العائلية، وهذا أمر شخصي فقط. أعتقد أني وأسرتي لن تتغير علاقتنا ببعضنا مهما حدث.”
أومأ لها الكونت باهتمام، ثم أشار إلى ميا حتى يسمع تفسيرها، فبدأت ميا الحديث قائلة:
“لقد أجبت عن السؤال الأول بقول اسمي الأول فقط، ميا.
لا أعتقد أنه كان يجب أن أكتب اسم عائلتي، فالسؤال يسألني عن نفسي أنا، شخصيتي أنا المتفردة عن أي شيء.
أما السؤال الثاني فأجبت أني أريد أن أرى صديقتي إيفلين سعيدة، لذلك عليّ العمل بجد لأحقق هدفي.
أما الثالث، فأعتقد أن العلاقة التي لا تتغير وتدوم ربما علاقة الفارس بسيفه أو بأشيائه. الفارس مرتبط بسيفه، لا يوجد فارس بلا سيف، ولا يوجد سيف بلا فارس. هذه العلاقة لن تتغير أبدًا.”
بعد حديث ميا، كانت هناك بعض الهمسات، والتي وصلت إلى ميا على الرغم من انخفاض الصوت:
“ماذا تقول؟ علاقة الفارس بسيفه؟! يا له من شيء سخيف.”
“ربما تفكيرها الوحيد في السيوف والفرسان، ماذا نتوقع من ابنة قائد جيش سابق؟!”
نظر لهن الكونت مونت بحدة قبل أن يُشير إلى إيفلين بالحديث.
قالت إيفلين وتعابيرها جامدة قليلًا:
“لقد أجبت على أول سؤال قائلة إني ولية عهد مملكة سون إيفلين.
وجدت أن كتابة لقبي قبل اسمي هو الأهم، لإبراز أن على الإنسان أن يفكر في مسؤولياته قبل أن يفكر في كتابة اسمه في مكان ما.
أما السؤال الثاني، فهدفي في الحياة هو البقاء على قيد الحياة. هناك الكثير من الناس الذين لديهم أهداف جيدة، لكن أعتقد أن الكل لهم هدف صعب يريدون تحقيقه، وربما هذا الهدف هو الأصعب لي.
أما الثالث…”
اشتدت تعابير إيفلين قليلًا، قائلة بنبرة أشعرتهم بلمحة من الغضب:
“لقد أجبت قائلة لا يوجد.
لا أظن أن هناك علاقة لا تتغير.
الناس يتغيرون، والعديد من الناس غير جديرين بالثقة، ولا تدري من يطعنك في ظهرك.
العائلة التي تهتم لأمرك ربما ستختفي في يوم ما، والفارس الذي يحتفظ بسيفه ربما سيأتي يوم لن يكون قادرًا على استخدامه.
ربما لا يوجد شيء في هذا العالم يستمر إلى الأبد، مهما حدث سيأتي يوم يكون عليك فيه أن تُفارق.”
كانت معالم الدهشة على أوجه الجميع، لكن معالم الحزن كانت تحتل بشكل كبير وجه ميا، التي كانت تنظر إلى صديقتها.
أعلن الكونت مونت انتهاء المسابقة قائلًا النتيجة:
“حسنًا، لقد أعجبتني تفسيراتكن للأشياء كثيرًا، لذلك سأُعطي الدرجة الكاملة للأميرة، وابنة الدوق، وابنة الماركيز، والبقية سيحصلن على 80 درجة فقط.”
كانت إيزابيلا تشع فرحًا بحصولها على درجة كاملة، بينما بدت إيفلين غير مركزة قليلًا.
أكمل الكونت مونت حديثه قائلًا قبل أن يذهب:
“في المرة القادمة سيكون دور الكونت غريمالدي مرة أخرى، فاستعددن جيدًا.”
وهكذا انتهت هذه الجولة بسلام، ولكن امتلأت القاعة بتنهدات الفتيات.
التعليقات لهذا الفصل " 56"