وبعد انتهاء أول مسابقة، وقبل رحيل الجميع، قالت الكونتيسة ريجينا بصوت عالٍ جذب جميع المنافسات:
“قبل الرحيل، سأكون أنا من تحدد المسابقة التالية، ستكون عن التطريز، لذلك أتمنى أن تكونوا مستعدين في يوم المسابقة لذلك، وأريد أن تشحذوا أفكاركم بشدة، وداعاً.”
ثم رحلت هي والكونت غريمالدي والكونت مونت من القاعة.
وتتالي خروج المنافسات واحدة تلو الأخرى، أتت ميا في النهاية إلى إيفلين بعينين تلمعان قائلة:
“وأنا سعيدة بذلك أيضاً، لقد تحسنت مهارتك بالفعل بشكل ملحوظ.”
قالت ميا بحماس:
“حقاً؟!!”
أومأت لها إيفلين، فأكملت ميا:
“حسناً سأعود إلى المنزل الآن وأستعد جيداً للمسابقة التالية، ستكون بعد غدٍ، أليس كذلك؟”
أومأت لها إيفلين، ثم رحلت ميا. بعدها التقت إيفلين مع الينا في الممر فقد رحلت بالفعل بعد انتهاء المسابقة، قالت الينا بابتسامة:
“كانت المسابقة مثيرة جداً، وردات فعلك كانت مؤثرة. أتمنى لو كنت أشارك معكن، لكن لهذه المسابقة فقط.”
قالت إيفلين بتوضيح:
“أنا أعلم جيداً أن هذه المسابقات لن تُعجبك أبداً.”
أومأت لها الينا فهي أكثر من تفهمها، ولن يهمها مسابقات لن تستفيد منها شيئاً، لذلك قررت المراقبة بصمت، فعلى الأقل رؤية المنافسة بين الفتيات ستُنعش حياتها حتى ترحل من هنا.
قالت إيفلين بتعب:
“حسناً، سأرحل الآن، أحتاج إلى النوم جيداً والراحة حتى أستطيع أن أكون مستعدة للمسابقة.”
أومأت لها الينا، ولم تُرهقها وتركتها تعود إلى غرفتها وتنام.
في اليوم الذي يليه، ذهبت إيفلين لأول مرة إلى المكتبة الإمبراطورية حيثُ سُمح لها بقراءة ما تشاء.
قرأت العديد من الكتب عن ثقافة مملكة كانور، كانت تعلم بعض ثقافات الممالك الأخرى، لكن تعلمها لثقافة مملكة كانور كان متوسطاً.
لذلك كان عليها أن تُثري عقلها حتى تستطيع الإكمال بجد في المسابقة، ولم تنس أن تُخبر الخادمات بإحضار العديد من الخيوط والإبر حتى تسترجع مهاراتها في التطريز، محاولة تخيل ما ستطلبه الكونتيسة منهن في يوم المسابقة.
وبعد يوم من التدريب، جاء أخيراً يوم المسابقة المنتظر.
كالعادة تجمعت الفتيات في القاعة نفسها منتظرين قدوم الكونتيسة.
كان من المعتاد في السنوات السابقة أن يحضر فقط من المقييمين الشخص الذي اختار الموضوع، وهي الكونتيسة، لكن على عكس ذلك حضر مع الكونتيسة الكونت غريمالدي والكونت مونت، لكنهم حضروا كمتفرجين فقط.
كانت القاعة مجهزة تماماً بكل شيء، بداية من الكراسي إلى الإبر والخيوط.
قالت الكونتيسة بعد رؤيتها للجميع:
“سيكون عليكن اليوم فقط تطريز منديل، سأدع لكن حرية اختيار ما تُريدون تطريزه، لكن عليكن أن تطرزن لموضوع واحد.
لقد فكرت كثيراً في الموضوع الذي سيكون مناسباً، وقلت بما أن المسابقة الآن في القصر الإمبراطوري فلما لا أصعب الأمور قليلاً ليليق به، لذلك سيكون ما تطرزونه يرمز إلى الولاء.”
بعد كلماتها تعالت بعض الهمسات الكثيرة من الفتيات:
“لماذا هذا الموضوع الغريب؟”
“ألم يكن من المفترض أن نطرز حديقة جميلة أو طيور أو أرانب لطيفة؟”
“هل تحاول إظهار الولاء إلى القصر؟!!”
حينما رأت الكونتيسة ثرثرتهن التي لن تتوقف، طرقت بعكازها الخشبي عدة طرقات على الأرض حتى هدأت الأصوات وحل السكون على القاعة بأكملها.
قالت بصرامة:
“سأجلس على كرسي بالقرب منكن للمراقبة، ثم ما إن تنتهي المهلة المحددة سأرى ما قمتن بفعله، وسأعطي الدرجات على ذلك.”
أومأت الفتيات لها، ثم جلست كل واحدة منهن على كرسي وأعطت الخادمات لهن كل ما قد يحتجنه من خيوط وإبر ومناديل.
كان أساس هذه المسابقة هو الفكرة نفسها، وجودة التطريز، لكن جودة التطريز لم تكن معضلة، فقد كانت هؤلاء الفتيات من النخبة بالفعل، كان التطريز بالنسبة لهن كتناول الكعك.
فكرت إيفلين فيما قد يرمز للولاء، وحاولت الضغط على عقلها للوصول إلى فكرة مناسبة.
كانت إيزابيلا لا تدري ماذا تطرز، كانت تفكر بالفعل في الفرسان، فهم من عليهم واجب الولاء للملك، لذلك فكرت في نفسها:
(هل علي أن أرسم فارساً أم أرسم شعار المملكة؟ كان من الصعب الاختيار، لذلك قررت أن ترسم عدة فرسان بزيهم العسكري وعلي ملابسهم شعار المملكة.)
تصببت ميا عرقاً، لم تعلم أن إيجاد فكرة بتلك الصعوبة، فالأهم من الفكرة أن تصل إلى قلب الكونتيسة، لذلك كان هذا الجزء الأصعب.
ثم فجأة خطرت لها فكرة ما، قررت تنفيذها فهي لم تجد أي أفكار على أية حال.
بعد فترة، قررت أخيراً إيفلين ما ستطرزه، وبدأت الفتيات بالفعل التطريز بينما راقبتهن الكونتيسة ريجينا بهدوء.
انتهى الوقت المحدد للمسابقة، كانت أفكار الفتيات بسيطة، فبعضهن لم يجد ما يطرزه، والأخريات طرزن فقط بعض الأفكار البسيطة والتي للأسف لم تجذب اهتمام الكونتيسة، فقد كانت تعابير الملل ظاهرة تماماً على وجهها.
حتى جاء دور إيزابيلا، أظهرت المنديل الذي طرزته ببعض الثقة، كان الذي تم تطريزه على المنديل هم فرسان المملكة يرتدون ملابسهم الرسمية والتي عليها شارة المملكة ويحيون الملك.
كانت تنظر الكونتيسة للمنديل باهتمام، ثم قالت:
“حسناً، التالي.”
بعدها أظهرت ميا المنديل الذي طرزته، فظهر على المنديل مشهد غريب، بدا كأنها ساحة معركة، والعديد من المصابين سقطوا أرضاً لكنهم ما زالوا يحملون سيوفهم، وعلى رأسهم شخص مُصاب لكنه يرفع سيفه عالياً.
قالت الكونتيسة وهي تنظر بتركيز:
“مثير للاهتمام، التالي.”
جاء الدور على إيفلين، التي ما إن عرضت منديلها حتى كادت القاعة كلها تنفجر بالضحك .
ما طرزته كانت مجرد حمامات أو ربما عصافير تطير في السماء وكانت أسفلها بعض الأشجار، وكان هذا لا يرمز للولاء بأي صلة.
رفعت الكونتيسة يدها لِتُوقف استهزاء الفتيات، ثم قالت بهدوء:
“فلتقنعني كل واحدة منكن أنتن الثلاثة بوجهة نظرها، عندها سأعطي أعلي تقييم لمن تستطيع أن تُقنعني جيداً.”
أومأت الفتيات لها، ثم بدأت إيزابيلا بشرح وجهة نظرها التي جعلتها تطرز هذا المنديل هكذا:
“الولاء هو الحماية والدفاع، فكما أظهرت في المنديل إخلاص الجنود المطلق لوطنهم وتمسكهم به بشدة وطاعتهم للملك، ورغبتهم بالحفاظ على المملكة بأي ثمن.”
أنهت إيزابيلا شرحها، فأكملت ميا بعدها تعرض وجهة نظرها المختلفة:
“أما أنا ففي نظري الولاء هو التمسك بالمبادئ حتى الموت .
فعرضت فرقة من المحاربين الذين يُحاربون في إحدى الحروب على الرغم من عدم وجود فرص لفوزهم، وإذا استسلموا قد يستطيعون النجاة.
لكن ولاءهم لصديقهم وقائدهم كان ثابتاً مهما حدث، فهم لن يتخلوا عنه أبداً، سيظل ولائهم له حتى لو عني ذلك الموت.”
بعد انتهاء إيزابيلا وميا من الشرح، انتظر الجميع أن يروا ما الذي ستقوله إيفلين .
فقد كان ذلك التطريز بسيطاً جداً، حتى أن أي فتاة ما زالت تتعلم كانت لتستطيع تطريزه، بل لم يكن يتناسب مع موضوع المسابقة أبداً.
رأت إيفلين تعابيرهم التي كانت أغلبها استهزاءً، وقالت بابتسامة:
“أنا أقول أن الولاء الأنقى والأفضل هو الذي يكون بلا أي ارتباط، والذي تستطيع بنفسك أن تتركه، لكن من داخلك أنت تريد الاستمرار فيه.
بدلاً من هذا الكلام المبهم، ما أقوله هو أنني رمزت للولاء في صورة طيور مهاجرة من موطنها لمكان آخر بعيد، إذا لاحظتم، ففي المكان الذي تأتي منه الطيور العالم مفعم بالحيوية والطبيعة بأكملها بديعة ومازالت حية، الأشجار خضراء و كأنه الربيع في أحسن حالاته ، لكن هذا المكان بعيد جداً عن موطنها.
لكن هذه الطيور على الرغم من ابتعادها عن موطنها، وعلى الرغم من أن موطنها كما يظهر مدمر بالكامل وحل فيه الخراب .
من طبيعة بعض الحيوانات أنها إذا وجدت مكاناً آمناً وجيداً لا تعود، لذلك هذه الطيور لم تكن تحتاج إلى الرجوع، لم يكن موطنها سيحتاج إليها بالفعل، لن تُساعده بأي شيء، وهي لن تستفيد بأي شيء.
لكنها عادت، عادت إلى موطن غير آمن، عادت إلى موطن لا يحتاجها، فقط لرغبة قلبها، وحده الولاء الحقيقي لا يُقاس بالطاعة أو الحروف، بل بما تُصر على حمايته حتى لو لم يره أحد، وهم أصروا على الولاء لموطن وُلدوا فيه ذات يوم.”
صفقت الكونتيسة بيديها، معبرة عن إعجابها، قائلة وهي تقترب من إيزابيلا:
التعليقات لهذا الفصل " 54"