كان الإعداد داخل القصر ممتازًا، ففجأة وجدت العديد من الخادمات يدخلن، ومعهن ملابس الخادمات التي تُشبه ملابسهن تمامًا.
كانت ملابس الخادمات عبارة عن فستان مناسب به خليط من اللونين الأسود والأبيض، وتوجه الجميع إلى الغرف المجهزة لارتداء هذه الملابس.
كان الكونت غريمالدي يبتسم باتساع وهو يرى بعضهن متجهمات الوجه وهن ذاهبات إلى غرف تبديل الملابس، وقال في نفسه:
(كان من الممكن جعلهن ينفذن المسابقة بملابسهن التي أتين بها، لكنني لن أستطيع حينها أن أُوقف قليلًا من غرورهن الذي يزداد يومًا بعد يوم، وأيضًا تعابيرهن كانت مسلية قليلًا).
كانت الينا قد جاءت في الخفاء، تنظر إلى المسابقة بفضول، فهي لم تكن تفعل شيئًا على أية حال، لذلك لن يكون من السيئ المشاهدة فقط.
شعرت بالقشعريرة تجتاح جسدها من ابتسامة الكونت غريمالدي، وقالت في نفسها بضجر:
(ماذا أتوقع من مملكة ولي عهدها مجنون ومختل؟ بالتأكيد سيكون في المملكة العديد من المختلين مثله).
لم يستغرق ارتداء الملابس وقتًا طويلًا، وبعد الانتهاء وقفت الفتيات في شكل صف، وانتظرن ما سيقوله لهن بالفعل.
قال الكونت بهدوء:
“حسنًا الآن، على كلٍ منكن أن تريني أولًا تحيتها التي تحييها الخدم، بعدها ستكون الكونتيسة هي ضيفتكن، سيؤدي كل منكن الاختبار على حدة، ابدأن الآن.”
أومأ الجميع له، ثم قامت كل واحدة من الفتيات بتحيته. كانت العديد من الفتيات يبتسمن بداخلهن من السعادة، فهذا كان سهلًا جدًا، فقط عليهن أن يقلن:
“أقدم تحياتي إلى سموك، أتمنى لك يومًا سعيدًا.”
كان هذا كل ما يعرفنه عن ما تقوم به الخادمات، لكن على الرغم من شعورهن بالبساطة، كانت نظرات بعض الفتيات تتسلل بهدوء نحو ميا، منتظرات بقلق ما ستقوم به.
كانت إيفلين تفكر بهدوء في داخلها قبل أن يأتي دورها:
(الأمر ليس سهلًا، لقد تعمد جعله يبدو سهلًا حتى يستخف الجميع بما قال، لكنه لم يحدد ما نوع السيد الذي سنحييه، ولم يحدد لماذا سنحييه بالفعل، ولا ما هي شخصيته. فقد تكون التحيات مختلفة من شخص لآخر حسب شخصية السيد، لذلك عليّ الحذر والتفكير بذكاء حتى أفوز في هذه المسابقة).
كان الدور قد وصل بالفعل إلى إيزابيلا، والتي قالت بجدية وهي تمسك بفستانها وترفعه قليلًا قائلة:
“أتشرف برؤية سموك في هذا اليوم البديع.”
كانت تحيتها تحية أرستقراطية، بدت كتحية وصيفة الملكة إلى سيدتها.
بعدها جاء الدور على ميا، التي ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت وهي تحرك أطراف فستانها باتساع إلى الأعلى:
“صباح الخير سموك، يسعدني أن أكون تحت إمرتك هذا اليوم.”
كانت تحيتها تحية عادية لخادمة تم تعيينها مؤخرًا وتُقابل سيدها لأول مرة.
نظرت لها إيفلين بابتسامة، وقالت في نفسها:
(ليس سيئًا، ميا ما زالت كعادتها، لكنني لن أسمح لها بهزيمتي).
وأخيرًا، جاء الدور على إيفلين.
كانت هناك العديد من الأفكار التي توصلت لها إيفلين، لكنها اختارت بالفعل أكثر فكرة شعرت بالقبول نحوها، فقد كان الكونت يريد أن يرى الآداب وهي تُترجم بأشكال عديدة، لكن أغلب ما تُرجمَت له كلمة آداب في العديد من اللغات هو السلوك.
ما قامت به الفتيات كان الأسلوب العادي للخادمة، مجرد خادمة تحيي سيدها بابتسامة، لكن هذا لم يبرز أي سلوك سوى الطاعة، وكان الانطباع الأول هو البساطة.
لكن ما قررت فعله هو التصرف بجنون بالفعل. فطالما الذي وضع الاختبار شخص مجنون، أليس من الأفضل أن يكون الذي يجيب على اختباره مجنونًا بنفس القدر؟
عندما نظر الجميع باتجاه إيفلين بفضول، فهي لم تتحرك، ثم ظهر فجأة على تعابيرها الحيرة والارتباك، ثم الضيق، ثم وجهت نظرها فجأة إلى الأمام، فكانت نظراتها تعكس حقدًا دفينًا موجّهًا إلى الكونت.
ثم فجأة انقلبت تعابير وجهها، كأنها تغيرت 180 درجة.
فاختفت تمامًا تعابير الحقد والغل المدفون، وظهرت فجأة ابتسامة ربيعية صغيرة على وجهها، ورفعت أطراف فستانها قليلًا كما لو كانت خادمة ممتنة، على عكس تعابيرها الأولى، ثم قالت بهدوء وبصوت سعيد:
“أحيي سموك، يا له من يوم جميل، أتمنى لسعادتك الحصول على يوم سعيد كسعادة الطيور التي تُزقزق في السماء.”
بعد انتهاء تحيتها، دققت النظر في تعابيرهم، وكانت كما توقعت. كانوا ينظرون لها بصدمة، وبالأخص الكونت غريمالدي الذي ضحك فجأة ضحكات هستيرية، ثم قال بنظرات تملؤها بعض الجنون:
“تعابيرك كانت ممتعة بالفعل. حسنًا، الآن ستخدم كل واحدة الكونتيسة، وسيتم تقييمكن على ذلك.”
أومأت له الفتيات، ثم سرعان ما أحضرت الخادمات الطاولة والكراسي، وجلست الكونتيسة على الطاولة، وتم صب الشاي بينما كانت الكونتيسة تتناوله بهدوء.
تناوبت الفتيات على الذهاب وإخبارها في حال حاجتها إلى المساعدة، قائلين كلمات متشابهة:
“هل هناك شيء عليّ أن أساعدك به سيدتي؟”
لكن كلمات الكونتيسة في كل مرة كانت قاسية وحادة، مما جعلهن يرحلن من أمامها الواحدة تلو الأخرى.
عندما جاء دور إيزابيلا، قالت بهدوء وبابتسامة سعيدة على وجهها، كما لو كانت تتعامل مع الإمبراطورة:
“مرحبًا سيدتي، لقد مر وقت طويل، هل أساعدك في شيء أو أشاركك بعض الشاي؟”
لكن كالعادة قالت الكونتيسة:
“هل عقلك للزينة؟ ألا ترين أنني أريد البقاء لوحدي؟”
حاولت إيزابيلا أن تتصرف كما فعلت إيفلين، فجلست على الكرسي بجانب الكونتيسة وقالت:
“سيدتي، أنا أعلم أنك تحبينني بالفعل، لا يوجد أحد بالجوار، لذلك ليس عليكِ أن تكوني بهذا التحفظ.”
فجأة شعرت إيزابيلا بالصدمة، واتسعت عيناها قليلًا وهي ترى قطرات الشاي تتساقط من شعرها بعد أن رمته الكونتيسة عليها، قائلة بنظرة مظلمة كما لو كانت تتعامل مع شيء قذر:
“أنا لا أتحدث مع النفايات غير المرغوب فيها.”
لم تستطع إيزابيلا أن تكمل ما كانت تفعله، وكانت تعابير الغضب بارزة بشدة على وجهها.
جاء دور ميا، التي قالت بهدوء وحذر:
“هل أستطيع أن أساعدك بشيء سيدتي؟”
قالت الكونتيسة بغضب:
“لا أريد أي مساعدة منك.”
أومأت لها ميا بهدوء، ثم وقفت على مسافة قصيرة من الطاولة وقالت:
“حسنًا، سأقف حتى تطلبينني سيدتي.”
عندها انتهى دور ميا.
وجاء دور إيفلين، التي اقتربت بهدوء من الكونتيسة قائلة:
“هل أستطيع أن أساعدك بشيء سيدتي؟”
نظرت لها الكونتيسة باهتمام وقالت:
“كيف لخادمة وضيعة مثلك أن تساعدني؟”
لم تكترث إيفلين لإهاناتها، قائلة:
“بالتأكيد أنا هنا من أجل مساعدتكِ سيدتي، حتى تحصلي على أقصى درجات الراحة.”
قالت الكونتيسة بابتسامة جريئة:
“إذًا ساعديني على خلع أحذيتي، فهي تؤلمني قليلًا.”
أومأت لها إيفلين، ثم جلست على ركبتيها حتى تصل إلى مستوى مناسب لقدمي الكونتيسة، وعندما حاولت خلع الحذاء، قالت الكونتيسة بمكر وتعابير خبيثة:
“هذا هو مكانك، حتى تعلمي أنك مجرد خادمة وضيعة، لا مكان لها سوى بجوار قدميّ.”
عندها تغيرت تعابير إيفلين بوضوح، وعضّت شفتيها قليلًا، ثم ظهرت لمحة من الحزن والانكسار، ثم نهضت وقالت:
“هل أساعدك بشيء آخر سيدتي؟”
قالت الكونتيسة وهي تحرك فنجان الشاي الذي في يدها بتفكير، ثم رمت الشاي على وجه إيفلين كما فعلت مع إيزابيلا، منتظرة ردة فعل إيفلين، التي صدمتها قليلًا، فقد قالت إيفلين بتعابير جادة:
“أنا آسفة سيدتي، لكنني أستقيل.”
اندهش جميع من في القاعة.
عندها تم إعلان انتهاء المسابقة، وقام الكونت غريمالدي بإقصاء العديد من الفتيات، يكاد يكون أكثر من نصف المتسابقات، ثم قال درجات الباقين بعد العديد من التشاور:
“حصلت ابنة المركيز فالدمار على خمس نقاط.”
“حصلت ابنة الدوق لاريت على تسع نقاط.”
“حصلت ابنة ملك مملكة سون على عشر نقاط.”
كانت نظرات الجميع إلى إيفلين بين الحقد والحسد والغضب. فبعضهن شعرن بعدم الاستحقاق، والبعض الآخر شعر بأنها نجحت فقط بسبب كونها أميرة.
لكن كانت إيزابيلا الأشد اعتراضًا، فقالت بغضب وهي تنظر إلى الكونت:
“لماذا هي من جمعت نقاطًا أكثر؟ لماذا ذلك؟ أنا لا أقبل.”
قال الكونت بسخرية مع بعض التوضيح:
“لأنك لم تدركي بعد ما قامت بفعله حتى، لكنني سأشرح ما فعلته.
أولًا، عند التحية أبرزت مشاعر الخادمة التي تكره سيدها كرهًا عميقًا، لكن على الرغم من ذلك ما زالت تحييه بابتسامة تنافي مشاعرها حتى تستطيع البقاء.
أما في المرة الثانية، فكانت الكونتيسة تمثل سيدة وقحة وعديمة الاحترام مع الخدم وتعنفهم بأبشع الألفاظ والأفعال.
أنتِ صمدتِ قليلًا ثم رحلتِ، لكن إيفلين في البداية لم تُظهر مشاعرها، وكأنها تتحمل سيدتها، ثم بعد إهانات سيدتها الشديدة أظهرت غضبها وحزنها لكنها ما زالت تتحمل .
لكن في النهاية، مهما كان اضطرار الخادمة ومهما كان احتياجها للعمل، فلا يجب أن تنسى أنها إنسانة وليست عبدة، وأن لها كبرياءها.”
شعرت إيزابيلا بالضيق أكثر، لأنها لم تفكر بذلك العمق، ثم نظرت إلى إيفلين قائلة بتحدٍ :
“سوف ترين، لقد حالفك الحظ فقط هذه المرة، لكنك لن تنجحي المرة القادمة.”
التعليقات لهذا الفصل " 53"