توالت الأيام بهدوء، حيث استمرت إيفلين في الذهاب إلى الحديقة، وبالأخص بجوار البحيرة، حتى تستطيع التدرب في سلام.
وبالتأكيد توقفت عن الذهاب للعمل مع كاليوس، فقد منعها من الذهاب حتى تستطيع التفرغ للتركيز على المسابقة بشكلٍ تام.
ومرت الثلاثة أيام بسرعة، حتى أتى موعد أول مسابقة.
كان الجميع ينتظرون في قاعة الاحتفالات، أكبر قاعة في القلعة، بينما يأتي حكام المسابقة.
كان الهمس كثيرًا جدًا، مما سهّل تخفي إيفلين بين المدعوين، فمن أهم الأساسيات هي معرفة كل الموجودين بالتفصيل، والتعرف على المعلومات التي قد تحتاجها.
لكن بما أنها تسكن في القلعة، كان من الصعب معرفة العديد من المعلومات دون أن تُكشف، وبالتأكيد هناك معلومات لا يستطيع أحد الحصول عليها في القصر.
فهذه هي أول مرة يشارك فيها القصر في هذا الحفل، لذلك لن تستطيع الحصول على المعلومات التي تخص المسابقة في السنوات السابقة.
لذلك كانت خطتها أن تجد أكثر شخصٍ كان يصمد خلال المسابقات، وبالفعل كان إيجادها سهلًا.
بالتأكيد زعيمة تلك المجموعة الصغيرة التي كانت تنظر للجميع باحتقار في الحفل.
من المعلومات التي استطاعت جمعها أن قائدة هذه المجموعة فتاة تُدعى إيزابيلا، كانت ابنة المركيز فالدمار.
كانت تبرز كثيرًا من بعيد، كانت ترتدي فستانًا بنفسجيًا مختلطًا بلون التوت البري الأزرق، وكان شعرها بنفسجيًا غامقًا.
كانت تمسك بمروحتها وتحركها بشدة، ربما تريد أن تُظهر بعض الهيبة، لكن ذلك جعلها تبدو كالطاووس الذي يحرك ريشه بحثًا عن الاهتمام.
كانت تضم بجانبها بعض الفتيات من العائلات الأقل منها نسبيًا، وكان من الواضح أنهم اقتربوا منها فقط لتملقها.
استطاعت أن تعرف أسماء بعض الفتيات اللاتي معها، كان منهن ابنة الفيكونت سيلفيستون، اسمها سيلا.
كانت ذات شعر وردي خفيف وعينين بلون الأخضر، وكانت من أكبر المشجعين لإيزابيلا، والتي تتفق معها في كل التصرفات التي تفعلها.
وابنة البارون إيفرليث، اسمها ليديا.
كانت هذه هي أهم فتاة في المجموعة، كانت ذات شعر بني وعينين بلون بني باهت.
كانت مجرد ابنة بارون صغير، لكن بسبب اختلاطها مع المجتمع، وثراء والدها الذي أصبح يُعادل ثروة أي كونت، حيث كان يعمل والدها بالتجارة، فكان معرفة أسرع الأخبار وأكثرها سرية من اختصاصها.
لذلك كان على إيفلين أن تقترب بهدوء من مجموعتهم حتى تعرف الأخبار التي ستقولها ليديا.
لم يكن من الصعب الاقتراب من مجموعتهم، فقد كانوا يقفون في الزاوية، وكانوا بالقرب من الأعمدة التي تُعلق عليها الستائر.
فاختبأت إيفلين خلف تلك الأعمدة دون أن يُسمع حتى صوت تحركها. كانت مهارتها القتالية مفيدة في بعض الأوقات.
كان صوتهم منخفضًا قليلًا، لكنه لم يكن شيئًا لا تستطيع إيفلين أن تسمعه، فهي قد دربت أذنيها حتى تسمع، ولو من بعيد قليلًا، أصغر الأشياء.
بدأت سيلا حديثها وهي تبتسم:
“أنا سعيدة جدًا، أخيرًا حانت الفرصة التي كنا ننتظرها من قبل، فقد استطعنا أخيرًا أن نتنافس بعيدًا عن قصر الدوقية. لن تستطيع تلك المحتالة ميا أن تهزمنا بعد الآن.”
قالت إيزابيلا وهي تقلب عينيها بحذر وترى المحيط بجوارها:
“عليكِ الحذر، هل تعلمين كم عدد الأشخاص الذين هنا؟!! علينا الحذر، فربما كلمة تقولينها باستهتار تتسبب في استقصائنا وطردنا خارج المسابقة.”
وضعت سيلا يديها على فمها بخوف من أن يكون قد سمعها أحد، بينما أكملت إيزابيلا حديثها بهمس:
“وأيضًا هناك الكونت غريمالدي، ذلك الشخص المجنون.
على الرغم من أن تقييم الدوقة قاسٍ ويتميز بالدقة، إلا أن اختبارات الكونت تتميز بمواضيع غريبة الأطوار مثله،
لذلك أشعر بالقلق بالفعل من أفكاره، وأتمنى أن تكون أفكاره هذه السنة مقبولة.”
قالت سيلا بقشعريرة:
“لا أريد تذكر ما فعله في السنين السابقة. كلما مر عام وراء الآخر، وهو يزداد جنونًا بشكلٍ فظيع.
أتتذكرون ما أمرنا به السنة الفائتة؟ لقد أحضر العديد من الريش وأمرنا بالاختيار منها، ثم بعد اختيارنا أمرنا برميها في الماء، وكأن جهدنا كان عديم الفائدة.
وأيضًا الريشة التي اختارتها ميا بالفعل كانت مجرد ريشة، فلماذا إذًا أعطاها درجة عالية؟ لا بد من أنه يتصرف بانحياز.”
كانت تعابيرهن بالفعل مملوءة بالحيرة، فلم تفهم أيٌّ منهن ما كان يفكر فيه ذلك الكونت الغريب.
فكرت إيفلين في نفسها قائلة:
(هؤلاء الحمقى، ربما ما كان يقصده هو من تضع الريشة في الماء دون أن تؤثر على سريان الماء، وبدون أن تُثير أي ضجة أو تقذف الريشة كما تُقذف الكرة. بالتأكيد لن يهم نوع الريش، بل كيف تتعاملين معه.)
تنهدت إيفلين وهي تكمل الاستماع. قالت ليديا بابتسامة مترددة:
“في الحقيقة، التعامل مع الكونت وحده على الأقل سيكون جيدًا، لذلك ربما علينا التفاؤل هذا العام، أليس كذلك؟”
قالت إيزابيلا باهتمام:
“ماذا تقصدين بقولك الكونت وحده؟!!”
قالت ليديا بهمس:
“لقد سمعت أحد الأخبار المهمة مؤخرًا، في الحقيقة الدوقة لن تُشارك في المسابقات لهذا العام.”
لولا انتباههن الجيد، لكانوا أطلقوا صرخات من السعادة فجأة في الحفل، لكن من الجيد أنهم استطاعوا إيقاف أنفسهم في الوقت المناسب.
قالت إيزابيلا بضيق:
“إذا كان كل هذا الحظ معنا، إذًا لماذا ما زلت أشعر بالقلق؟”
حاولت الفتيات طمأنتها، لكن وكأن حاستها السادسة تعمل بشكلٍ جيد، كانت ما زالت تُرسل لها إشارات بالقلق.
انطلق صوت الحاجب فجأة مناديًا بصوتٍ عالٍ بأسماء الحكام، لقد وصلوا الآن:
“الكونت غريمالدي.”
“الكونتيسة ريجينا.”
“الكونت مونت.”
كان الكونت غريمالدي ذا شعر أزرق غامق قريب من الأسود، وكان شعره طويلًا قليلًا يصل إلى كتفيه، وعيناه سوداوان، علي الرغم من شكله الرائع من الخارج ، الا إن عمره قد أصبح يقترب من منتصف العمر ،وكانت ابتسامة مرحة موجودة على وجهه.
الكونتيسة ريجينا كانت سيدة عجوز، ذات شعر أبيض بفعل الزمن، ولها عينان زرقاوان صافيتان.
كانت تعابيرها لا تظهر، وقد كانت هناك الكثير من الشائعات التي سمعتها إيفلين عنها، والتي تدل على صرامتها الشديدة.
أما الكونت مونت، فقد بدا أقرب إلى رجلٍ عادي، بشعر قريب من لون الليمون، وعينين لونهما أخضر كلون أوراق الأشجار.
كان من المعروف أنه لا يتبع معايير معينة، بل يتبع حدسه في التقييم. فإن أعجبه شيء ما، يعطي تقييمًا جيدًا، وإن لم يعجبه، يعطي تقييمًا معتدلًا، لذلك كان من أكثر الحكام إعطاءً للدرجات.
بدأ الكونت غريمالدي الحديث مرحبًا بالجميع:
“يسعدني حضور الجميع اليوم لأجل هذه المسابقة المسلية. على الرغم من أنه من المؤسف عدم استطاعة الدوقة حضور هذه المسابقة كإحدى الحكام معنا، لكنها قالت إنها ستشرح أسبابها في نهاية المسابقة.”
نظر الكونت غريمالدي في لمحة نحو ميا. ظن الجميع أن الدوقة لم تأتِ كمقيمة بسبب وجود ميا في المسابقة، لكنها كانت تقيم بالفعل في السنين السابقة، لذلك ملأت الشكوك قلوب المتسابقات.
لكن على عكس تفكيرهن، كان الكونت غريمالدي فقط يفحص تعابيرها ليخمن سبب عدم وجود الدوقة، لكن عندما رأى تعابيرها الثابتة، لم يستطع أن يخمن أي شيء.
لذلك أكمل قائلًا:
“أتمنى من الجميع الهدوء والاستماع إلى ما ستفعلونه في هذه المسابقة اليوم. اليوم من المفترض أن تكون المسابقة بعنوان: آدابي المثالية، لذلك أريد من الجميع الآن أن يرتدوا ملابس الخادمات، ويروني كيف هي آداب الخادمات.”
نظر له الجميع بصدمة، وبالأخص إيزابيلا، التي كانت تعتقد أنه ربما سيتوقف عن التصرف بغرابة، لكن الأمر زاد ولم يقل، وقالت في نفسها:
“لقد تعلمت كل الآداب بالفعل، حتى تعلمت الآداب الإمبراطورية، فكيف يكون للخادمات آداب من الأساس؟”
بينما ابتسمت إيفلين بسمة خفيفة قائلة بصوتٍ منخفض:
“يبدو أن هذه المسابقات ستكون مثيرة للاهتمام للغاية.”
التعليقات لهذا الفصل " 52"