كانت الينا تزور أحيانًا ايفلين في غرفتها، وعلى الرغم من غضب الينا في البداية، إلا أنهما سرعان ما تصالحتا بعد الكثير من التذمر من جهة الينا.
حيث في إحدى الأيام:
جاءت الينا بعد فترة لزيارة ايفلين، بل بالأحرى للاعتذار عن كلماتها السيئة التي قالتها بدافع القلق في ذلك الوقت. ترددت الينا كثيرًا أمام غرفة ايفلين، ثم استجمعت شجاعتها وطرقت الباب بهدوء.
سمحت لها ايفلين بالدخول. كانت الينا تقف أمام ايفلين لا تعلم كيف تبدأ بالحديث، وعندما رأت ايفلين ترددها، ابتسمت لها بلطف، ثم فتحت ذراعيها ودعت الينا حتى تحضنها.
اقتربت الينا منها وحضنتها بهدوء، شعرت الينا أنهم فجأة في هذه اللحظة قد عادوا إلى طفولتهم.
قالت ايفلين:
“أنا آسفة، لقد جعلتكِ تشعرين بالقلق، لم يكن هدفي أن أجعلكِ تعانين من القلق الذي شعرتِ به في يوم ما. أنا لا أستطيع أن أعدك أنني لن أتأذى هكذا مجددًا، لكن أستطيع أن أقول إنني سأحاول أن أحمي نفسي من التعرض للأذى.”
ابتسمت لها الينا قائلة:
“وهذا يكفيني للآن.”
ثم فجأة تذكرت شيئًا ما وقالت:
“لكن في الحفلة، ستُعرّفين نفسكِ كونكِ الأميرة الرابعة لمملكة سون، أليس كذلك؟”
نفت ايفلين برأسها قائلة، وهي تبتسم ببعض الإثارة:
“لقد اقترب عيد ميلادي، وسأصبح في السادسة والعشرين من عمري، أليس كذلك؟”
أومأت لها الينا، وهي في حيرة من أمرها، فماذا سيحدث عندما يأتي عيد ميلادها؟ ثم بعد أن استوعبت الأمر قالت بمفاجأة:
“هل ستطلبين ذلك الآن؟!!!”
أومأت لها ايفلين برأسها، قائلة:
“ألا يحق لي أن أحصل على هدية عيد ميلادي مبكرًا؟ لذلك علينا أن نكتب رسالة سريعة إلى سون، ليس لدينا وقت.”
أومأت لها الينا، ثم انطلقت مسرعة تبحث عن الحبر والورق لكتابة الرسالة.
في صباح يوم الحفل:
تم أخيرًا الإفراج عن السجينة ايفلين، والسماح لها بالنهوض من السرير والحركة. كان كاليوس ما زال يشعر بقليل من القلق بشأنها، فما زالت في مرحلة التعافي بالفعل، لذلك قال لها بجدية:
“أنا لا أهتم إن فزتِ أو خسرتِ، كل ما أهتم به ألا تتأذي، أو يُفتح جرحكِ مجددًا.”
أومأت الينا مؤكدة على كلامه:
“أجل ايفلين، على الرغم من أنه يصبح فاقدًا لعقله أحيانًا، إلا أنه محق هذه المرة.”
قال كاليوس وهو يبتسم أمام وجه الينا، لكن ابتسامته كانت ذات هالة مظلمة:
“أجل، أجل، عليكِ الاستماع إلى الرجل المجنون الذي يتحدث، حسنًا.”
أومأت لهم ايفلين، ووعدتهم أنها ستحاول عدم بذل أي جهد.
بحثت الينا جيدًا في تلك الحقيبة التي كان فيها الفستان، وبعد أن بحثت جيدًا وجدت في الحقيبة جزءًا مخفيًا. بعد أن فتحته وجدت فيه عقدًا من الألماس يلمع بشدة في الضوء.
قالت الينا في نفسها:
(أمي، لماذا حدسك يعمل بشكل جيد بهذا الشكل؟ هل يجب أن أستمع إلى تحذيراتك بشكل جيد بعد الآن؟!!)
هزت الينا رأسها بالنفي، فمهما كانت حاسة والدتها السادسة تعمل بشكل جيد، فهي لن توافق على ما لا يعجبها أبدًا.
أخذت الينا الفستان والقلادة وكل ما في الحقيبة تقريبًا، فقد كان باقي ما في الحقيبة أدوات تجميل من مختلف الأنواع، ثم ذهبت بهم إلى غرفة ايفلين.
كانت ايفلين في غرفتها تشعر بالبرودة في جميع أنحاء جسدها، بينما تنظر إلى انعكاسها في المرآة بوجه جاد.
شعرت كأن الانعكاس في المرآة يتكلم معها للحظة قائلًا:
“هل ستعودين إلى كونك فتاة؟ أنتِ ما زلتِ ضعيفة جدًا، ألم تنسي ذلك الوعد؟ لقد وعدتِ بأن تحمي وتحافظي على حياتكِ، هل نسيتي ذلك الوعد؟”
قالت ايفلين وهي تكلم انعكاسها، شاعرة بأنها قد صارت مجنونة فجأة:
“لم أنسَ ذلك الوعد أبدًا، ولكن سواء كنتُ فتاة أم فتى لن يفرق شيء، سأستطيع حماية نفسي في كلتا الحالتين.”
قال الانعكاس بغضب:
“أنتِ هل تظنين أنهم سيتركونكِ وشأنكِ؟ ستكونين في نظرهم هكذا فتاة ضعيفة مدللة تحتاج للحماية.”
قالت ايفلين بهدوء، وهي تشعر بقليل من السلام الداخلي:
“أنا كنت أعتقد دائمًا أنه يجب أن أكون أقوى من أي أحد، لكن أشعر أنني كنت فقط أهرب.
لم أكن شجاعة بما يكفي لأواجه حقيقتي. أنا هي أميرة مملكة سون، بل قبل أن أكون أميرة…. أنا فتاة.
عليّ أن أكون قوية بصورتي الحقيقية، وليس أن أُظهر نفسي بصورة غير صورتي حتى أصير في نظر العالم قوية. سأكون فقط وقتها جبانة تهرب من نفسها.”
قال الانعكاس بحزن مفاجئ:
“هل ستتخلين عني؟ هل ستتخلين عن كونكِ قائدة جيش مملكة سون؟ هل ستقدرين على ذلك؟”
نفت ايفلين برأسها قائلة:
“لا، لن أستطيع أن أفعل ذلك. لقد قضيت حياتي كلها وأنا أتعلم القتال، بالإضافة إلى الآداب الملكية وكل ما سيجعلني أميرًا مثاليًا.
وتلك الأيام هي جزء مني أنا أيضًا. لن أستطيع أن أنكرها، ولن أستطيع أن أتخلص منها ببساطة. أنا فقط سأتأقلم معها، سأجعلها جزءًا مني وليست كل حياتي، لذلك أنا لن أتخلى عنكِ أبدًا.”
دخلت الينا فجأة بدون أن تطرق الباب، فقد كانت الحقيبة التي تحملها ثقيلة نوعًا ما وغير قادرة على حملها. ثم نظرت إلى ايفلين بدهشة وفركت عينيها، ثم أعادت النظر وقالت:
“هل كنتُ أتخيل، أم كنتِ تُحدثين المرآة الآن؟”
نفت لها ايفلين، قائلة:
“لم أتحدث مع المرآة، بل كنت أكلم نفسي.”
أومأت لها الينا بعدم اكتراث، فقد مرت بحوادث غريبة حتى الآن، لذلك لم تعد تهتم.
ثم بعد أن وضعت الحقيبة، رأت الحمامة التي قد أرسلتها بالرسالة إلى مملكة سون قد أحضرت الرد.
وما إن قرأت الينا الرسالة، حتى ابتسمت باتساع قائلة بصوت عالٍ:
“لقد وافقوا على طلبك بالفعل.”
أومأت لها ايفلين، فهي تعلم أنهم بالفعل سيوافقون.
ثم قالت الينا وهي ترى الشمس قد صارت في المنتصف، أي صاروا في فترة الظهيرة:
“يبدو أننا علينا أن نُسرع، فلم يعُد أمامنا الكثير من الوقت.”
أومأت لها ايفلين، ثم انطلقوا في الاستعدادات التي جهزوها حتى تصير ايفلين أكثر شخص يتألق في الحفل.
قالت الينا في نفسها، وهي تحاول بشدة كتم ضحكاتها:
(من الجيد أن الملكة سمحت لي بحضور الحفل، هكذا سأستطيع رؤية ردة فعل كاليوس، بالتأكيد ستكون مثيرة للضحك كثيرًا.)
بعد فترة من الوقت، انتهت الينا من ارتداء فستانها الذي ستذهب به، حيث ارتدت فستانًا أحمر غامقًا بشدة وقفازات بيضاء وربطت شعرها كذيل حصان. ثم قالت لإيفلين:
“سأسبقكِ أنا، حسنًا؟”
أومأت لها ايفلين، ثم بعد رحيلها نظرت ايفلين مطولًا إلى شعرها البني، ثم تذكرت متى وضعت هذا الشعر المستعار ولم تخلعه منذ ذلك الوقت.
لم تستطع نسيان ذلك اليوم، وكانت دائمًا ما تفكر إن كانت ستنزعه يومًا ما للأبد. لم تكن تعلم أن ذلك اليوم قد أتى مبكرًا عما توقعت بشكل غريب.
ثم نزعته من رأسها، حتى ظهر أخيرًا شعرها الطويل الذي انساب على ظهرها بهدوء. ثم نظرت إلى نفسها في المرآة قائلة:
“هذه المسابقة ستكون مسلية جيدًا، بالأخص وأنا أحصل على التهاني في النهاية لفوزي.”
ثم خرجت من غرفتها باتجاه الحفلة.
كانت الحفلة صاخبة جدًا، وكان العديد من الناس يثرثرون بشدة، وبالأخص مجموعة من الفتيات اللواتي كنّ في تجمع خاص بهن، ينظرن إلى الجميع بدونية في الخفاء.
كانت الملكة تجلس على عرشها بهدوء، وبجانبها كاليوس. كان على المتسابقين في الحفلة أن يدخلوا من الباب الرئيسي للقاعة بعد أن ينطق الحاجب بأسمائهم وألقابهم.
كانت الحفلة قد اقتربت من منتصفها، وقد دخلت ميا منذ فترة، وكانت تقف بهدوء لكن بعيون متحمسة، وكأنها تنتظر هدية انتظرتها طويلًا ستأتي لها من الباب.
ابتسمت الملكة قائلة بصوت منخفض لكاليوس:
“يا لها من أميرة ذكية، لقد أحببتها كثيرًا، لا أدري لماذا كلما رأيتها حبي لها يزداد بشدة. لقد قررت المجيء متأخرة حتى يعلم الجميع أنها ليست هنا كرهينة بل كضيفة عزيزة، فلو كانت رهينة لتم إجبارها على المجيء مبكرًا وانتظار الجميع.”
وبينما كان كاليوس على وشك الحديث، نادى الحاجب بصوت عالٍ تزامنًا مع فتح الباب:
“لقد وصلت الآن، ولية عهد مملكة سون، الأميرة الرابعة ايفلين.”
نظر الجميع بدهشة، وبالأخص كاليوس الذي صُدم من كونها ولية العهد ومن جمالها غير البشري.
دخلت ايفلين القاعة، ساحبة عقول الناس من رؤوسهم بجمالها، فقد كان شعرها الأشقر الجميل يلمع مثل أشعة الشمس في يوم ربيعي، وعيناها العسليتان المائلتان للون الذهبي جعلتاها تلمع أكثر. بالإضافة إلى ارتدائها فستانًا ذهبيًا ذا أطراف بيضاء وقفازات بيضاء مطرزة باللون الذهبي، ارتدت قلادة من الألماس شديد النقاء واللمعان.
تحركت بهدوء وثقة، ثم وقفت أمام الملكة وحيتها باحترام قائلة:
“أتشرف بلقاء جلالة الملكة، أنا ايفلين، أميرة مملكة سون الرابعة وولية العهد.”
التعليقات لهذا الفصل " 49"