كانت إيفلين مصدومة من كلمات كاليوس وإصراره على البقاء في غرفتها، لم تحب شعور اختراق أحد ما لخصوصيتها، لذلك لم ترد أن يبقى هنا.
لكن للأسف، على الرغم من اعتراضها إلا أنها لم تكن لديها القدرة على منعه، فهو لن يستمع إليها على أية حال، لذلك قررت إيفلين التأقلم مع الأمر.
قال كاليوس وهو يرى حيرتها، محاولاً تغيير الموضوع:
“لقد تم تأجيل الحفلة عشرة أيام أخرى، لذلك ستبدأ الحفلة والمسابقة بعد عشرين يوماً. على الرغم من رغبتي في التأجيل لأكثر من ذلك، لكن لا أستطيع، هذا أقصى عدد من الأيام استطعت الحصول عليه.”
أومأت له إيفلين برأسها، فطالما ستُشارك في الحفلة والمنافسة، فلن تهتم إن كان غداً أو بعد شهر.
قالت له إيفلين بشكر:
“حسناً، شكراً لك على ما فعلت.”
ابتسم لها كاليوس، ثم قال بابتسامة:
“ألا تريدين أن تعرفي من كلفني بمراقبتك؟”
نظرت له إيفلين وقالت بهدوء:
“أنا بالتأكيد أعرف من أمرك بمراقبتي، أي شخص يستطيع أن يعرف من. بالتأكيد إلينا من أمرتك بذلك.”
أومأ لها كاليوس بتأكيد، ثم تذكر ما حدث بعد أن أخبر والدته بالأمر:
كان كاليوس في طريقه إلى إيفلين ليتناول معها الإفطار، ثم قابلته إلينا في الطريق، ظن في البداية أنها ذاهبة للتصالح مع إيفلين بعد حديثها الحاد ، لكنها قالت له فجأة:
“أريدك أن تُراقب إيفلين جيداً، فأنا لن أستطيع مراقبتها جيداً كما تفعل.”
تفاجأ كاليوس من كلامها غير المتوقع، وقال:
“لماذا تعتقدين ذلك؟ أنا أعتقد أنك تستطيعين مراقبتها جيداً أيضاً، و لقد جعلتني بينما كنت أتبارز معها أتسبب في إيذائها بشدة ، هل تظنين أنني بالفعل أستطيع مراقبتها؟!!! إلينا عليك أن تعرفي جيداً، أن إيفلين لكي تتوقف عن التهور وإيذاء نفسها، عليها أن تمنع نفسها عن ذلك، لأنه لن يستطيع أحد أن يمنعها غير نفسها.”
كانت إيلينا تعلم بذلك، لكنها لن تستطع التوقف عن القلق عليها، لذلك قالت بوجه جاد:
“حتى ولو كان كذلك، أرجوك ابق بجانبها وراقبها جيداً.”
قال كاليوس بفضول:
“وماذا ستفعلين إن راقبتها كما قلت؟”
قالت إيلينا مجبرة:
“ستكون خدمة تقضيها لي، لذلك سأقضي خدمة أخرى لك في وقتٍ آخر.”
أومأ لها كاليوس، ثم انطلق في طريقه.
بعد أن عاد من ذاكرته، كانت إيفلين تراقب النافذة بملل، بينما هو بدأ في القيام بأعماله.
كانت إيفلين تُراقبه بشدة، وشعر كاليوس بنظراتها لكنه لم يتكلم، انتظرها أن تبدأ هي بالحديث أولاً ، فقالت بعد فترة:
“تبدو هذه الأوراق كثيرة جداً، ما رأيك أن أنهيها معك؟”
تصنّع كاليوس التفكير، ثم قال:
“لا.”
قالت إيفلين بغضب:
“أنا أشعر بالملل هنا كثيراً ، لماذا لا تجعلني أُساعدك في أعمالك؟”
قال كاليوس بجدية وهو ينظر إلى عينيها:
“لماذا عليّ أن أستمع إليك، هل استمعتِ إلي حينما قلت لك أن تتوقفي عن المبارزة؟!!”
نظرت له إيفلين بتردد، ولم تستطع أن تُجيب، لكنه لم يكن ينتظر إجابة بل أكمل قائلاً:
“هل كنت تصدقين كلماتي بالفعل وقلقي حينما بارزت كل الفرسان؟!! هل بدت لك كلماتي في ذلك الوقت غير صادقة؟!!”
نفت له إيفلين برأسها، ثم تجنبت عينيه قائلة:
“لا، كانت كلماتك صادقة بالفعل.”
قال كاليوس بسخرية:
“إذاً لماذا جعلتني أقوم بإيذائك في المبارزة؟!! هل أردت اختبار ردة فعلي؟ أم أردت أن تُثبتي أنك الأقوى كما تقولين؟”
عضت إيفلين شفتيها، وقالت بصوت منخفض:
“أنا فقط أردت أن أثبت أنني قوية بالفعل، وأقوى منك فقط.”
قال كاليوس بصوت عالي نسبياً:
“كم شخصاً تعتقدين أنهم أقوياء في هذا العالم الواسع؟
هل تستطيعين عدهم؟
هل تعلمين أنه على الرغم من قدراتي المذهلة، هناك الكثيرون في هذا العالم قد يكونون أقوى مني؟!!
هل عليّ أن أذهب وأقاتلهم جميعاً حتى أثبت أنني الأقوى؟”
اخترقت كلمات كاليوس الحادة قلب إيفلين، وجعلها تبدأ في التشكيك فيما فعلت قليلاً.
قال كاليوس بإقناع بعد أن رأى التردد في عينيها:
“هل تعلمين أن هناك الكثير من الأشخاص الذين لا يستطيعون الإمساك حتى بالسيف، وهناك العديد من الأشخاص الذين لا يجيدون الصيد أو إطلاق الأسهم، والكثيرون من الأشخاص الذين وُلدوا ضعفاء في أجسامهم، هل تعتقدين أنهم ضعفاء؟ كل شخص بالتأكيد لديه قوة ما أو شيء جيد فيه بعيداً عن المهارات القتالية.”
تنهد كاليوس، ثم اقترب قليلاً من سرير إيفلين وجلس على طرفه أمامها، وقال بصوت منخفض ودافئ:
“أنا لا أقول ذلك لأقنعك بأنك ضعيفة، أنت قوية جداً بالفعل، أنت أقوى شخصٍ رأيته حتى الآن، لكن لا أريد أن تكوني مهووسة بتلك القوة.
يمكنك أن تمرِ بلحظات ضعف أحياناً، عندها لا تقلقي، سأحميك، ثم يمكنك ردها لي عندما أكون ضعيفاً، عندها يمكنك حمايتي. ما رأيك؟ هل توافقين؟”
أعادت إيفلين النظر إلى عيني كاليوس هذه المرة، لم يعلم كاليوس لماذا، عندما دقّق النظر في عينيها، على الرغم من أنهما كانتا كالمعتاد، شعر وكأن عينيها في ذلك الوقت كانتا حزينتين للغاية.
قالت إيفلين وهي تُحاول أن تبتسم:
“لا بأس، سأُنقذك إن سقطت يوماً ما، لكن سيكون عليك أن ترد الجميل لي أيضاً.”
أومأ لها كاليوس برأسه، ثم ذهب وتركها وحدها لكي يُحضر الغداء ويترك لها بعض المساحة مع نفسها.
بعد رحيله، وضعت ايفلين رأسها علي الوسادة ، وأغمضت عينيها قليلاً، تشعر وكأن كلمات كاليوس قد هاجمت جزءاً عميقاً من داخلها.
كانت كلمات الماضي تدور في رأسها دائماً وتستمع إليها، ولكن عندما تتذكرها الآن كانت كلمات كاليوس تتقاتل معها بشدة.
كانت الذكريات تُداهمها، وكانت هذه الذكرى ربما أكثر ذكريات قاسية عليها، بينما هي مجرد طفلة صغيرة ترتدي اللون الأسود في جنازة، كانت تُحاول تجنب الناس، لم تُرد أن ترى أحداً بالفعل، بينما تتجنبهم استمعت إلى كلمات شخص ما كان يقولها لأحد ما، وهو يقول كلمات حُفرت في عقلها للأبد:
“لو كان الملك لديه فتى لارتحت كثيراً، لن يكون عليك الاعتناء بها بشدة، كانت ستكون قوية لتنجز أمور المملكة بنفسها وتكون ولي العهد القادم، لكن ماذا ستفعل بفتاة ضعيفة لا حول لها ولا قوة؟ هل ستستطيع الفتاة أن تقود المملكة؟ هل ستستطيع أن تُحارب الأعداء؟ بل الأدهي أنها مجرد فتاة مدللة لن تستطيع التعامل مع الحياة الشاقة؟”
تخيلت فجأة كاليوس ينظر إليها، إلى تلك الفتاة الصغيرة التي تبكي من شخص جرحها بكلمات حادة، ثم يقول بابتسامة مطمئنة وهو يربت على رأسها:
“لا بأس بأن تكوني ضعيفة، يمكنني أن أكون قوياً مكانك هذه المرة، لكن عليك أن ترد لي الجميل يوماً ما ، أليس كذلك؟”
شعرت إيفلين أنها كانت في بئر عميق مملوء بالماء، لكنها غارقة في نهايته غير قادرة على التنفس، ثم مد أحدهم لها يده وأخبرها أنها أخيراً تستطيع الصعود للأعلى بأمان.
بعد فترة استيقظت إيفلين، لم تعلم أنها قد نامت بالفعل، ورأت أن كاليوس غير موجود، لكنه ترك لها ملاحظة مع بعض الطعام، قد كتب فيها:
“لقد رأيتك نائمة فلم أستطع إيقاظك، عليك تناول هذا الطعام بالكامل، سأتأكد من ذلك، وإلا ستُعاقبين عندما آتي.”
ابتسمت إيفلين ابتسامة واسعة حقيقية من قلبها، وتناولت طعامها، ومرت الأيام بالفعل، كان كاليوس يستمر في المجيء لغرفتها لإكمال أعماله بينما يتأكد من تناولها الطعام و أنها تعتني بنفسها جيداً ، وأحياناً كان يُناقشها في أعماله لتتخلص من الملل ، حتى مر الوقت ومر 20 يوماً بالفعل، وجاء يوم الحفلة، أخيراً بعد انتظار.
التعليقات لهذا الفصل " 48"