كان كاليوس يركض بسرعة، ووجهه مملوء بالقلق والخوف من فقدانه لإيفلين، لذلك كان يركض أسرع مما قد ركض في ساحات المعارك.
وأخيرًا وصل إلى غرفة الطبيب، ودخل دون أن يطرق الباب، مما صدم الطبيب الملكي الذي كان يشرب الشاي بهدوء. حين رأى الطبيب أن ولي العهد هو من دخل، نهض بسرعة من مقعده، ثم لاحظ أن المصاب ليس كاليوس، بل الشخص الذي يحمله.
فقال الطبيب وهو يضع نظارته على عينيه:
“أرجو من سموك أن تضع المريض على هذا السرير ببطء وحذر، حتى أستطيع فحصه جيدًا.”
أومأ له كاليوس ووضع إيفلين بحذر على السرير، وقال وهو يتنهد، وهو يرى الطبيب يتقدم لفحصها:
“إن المريض فتاة، وأرجو أن تكون هذه المعلومة سرية.”
أومأ له الطبيب ماركوس برأسه. قال كاليوس في سره:
(من الجيد على الأقل أن من كان هنا هو رئيس الأطباء العجوز ماركوس. كان ماركوس يعمل لسنوات هنا في القلعة، لذلك أستطيع أن أثق به في حفظ هذا السر.)
قال الطبيب بعد أن فحص الجرح قليلًا:
“من الجيد أنك قمت بالإسعافات الأولية جيدًا. الجرح عميق، لكن ليس كثيرًا. فقط سأقوم بوضع الدواء وأضع الضمادات، وسيكون عليها أن ترتاح على الأقل لمدة شهر بدون بذل مجهود، حتى يستطيع الجرح الالتئام جيدًا. أستأذن سموك أن أخبر مساعدتي أن تجلب الأدوات وتساعدها هي، إنها ماهرة أيضًا.”
قال كاليوس بعد تفكير قصير:
“لا بأس، لكن أسرع.”
بعد أقل من دقيقة كانت قد وصلت المساعدة التي كانت تُحضر الأعشاب من الأسفل، ثم خرج الطبيب لإحضار ما يلزم، بينما قالت الطبيبة الشابة:
“أرجو من سموكم الخروج، حتى أستطيع علاجها.”
أومأ لها كاليوس، ثم خرج وانتظر بهدوء أمام الباب.
وعلى الرغم من تعابيره الهادئة، كان ينقر بإصبعه من التوتر.
كانت إيفلين بالداخل فاقدة للوعي، بينما تعقد حاجبيها من الألم، وقد تكونت بعض حبات العرق على وجهها.
قامت المساعدة بإحضار بعض المسكنات وأطعمتها إياها، ثم بدأت في قطع جزء من ملابسها بحذر، ووضعت الأعشاب التي قد خلطتها على الجرح.
بعدها قامت بتضميد الجرح بعناية، وبعد نصف ساعة أخيرًا كانت قد انتهت المساعدة من عملها. ثم وضعت الغطاء على إيفلين لتغطيتها، ومسحت وجهها بالمنديل، ثم فتحت الباب لتُخبر كاليوس أن إيفلين الآن صارت بخير.
ما إن فتحت الباب حتى كان كاليوس قد أصبح واقفًا أمامها، وقال على عجل:
“هل هي بخير؟! هل أستطيع رؤيتها؟ متى ستستيقظ؟”
الأسئلة الكثيرة أربكت المساعدة، لكنها حاولت الإجابة بهدوء على كل سؤال:
“هي بخير الآن وما زالت فاقدة للوعي. لا أعلم متى ستستيقظ، يعتمد ذلك عليها.”
أومأ لها كاليوس، بينما دخل إلى الغرفة ووضع الكرسي أمام سريرها.
كانت المساعدة قد ذهبت لإنهاء الأعمال التي كانت قد علقتها بسبب المريض الطارئ.
قال كاليوس بسخرية وهو ينظر إليها:
“لماذا دائمًا تؤذين نفسكِ بتلك الطريقة؟! هل عليّ أن أراكِ في كل مرة على السرير كالتي تحتضر؟”
ثم أمسك منديله ومسح به وجهها الذي كان يتعرق، وهو يقول بقلق:
“لماذا تجعلينني قلقًا دائمًا هكذا؟ كيف أجعلك تتوقفين عن الإصابة بالأذى؟! أنا لا أصدق أنني من جعلكِ تتأذين هذه المرة.
فقط أرجوكِ استيقظي وكوني بخير. أنا آسف على إيذائكِ، لذلك أرجوكِ استيقظي الآن.”
كان كاليوس قد تأكد في تلك اللحظة ، أنها صارت شخصا مهما في حياته ، شخصاً سيجلب المتعة و الأحداث غير المتوقعة إلي حياته المملة و الرتيبة .
كان كاليوس في عجلة من أمره، لذلك لم يُلاحظ إحدى الخادمات التي كانت قد رأته بالفعل، وهو يحمل إيفلين التي تنزف وملابسها مملوءة بالدماء، ويركض بها إلى غرفة الطبيب.
لسوء الحظ، كانت تلك الخادمة ثرثارة، لذلك يبدو أن الخبر قد انتشر نسبيًا.
كانت ألينا تشعر ببعض القلق، فمنذ أن رأت إيفلين الفستان ولم تتحدث معها، أرادت أن تتأكد من أنها بخير و لم تكن تكتئب وحدها في مكان ما.
لذلك ما إن خرجت من الغرفة، حتى وجدت إحدى الخادمات تمر أمامها، فسألتها قائلة:
“أيتها الخادمة، انتظري. هل تعرفين مكان ألين الآن؟”
تحولت تعابير الخادمة إلى القلق، وفكرت في نفسها:
(ماذا أقول؟ هل أخبرها بما سمعته من خادمة المطبخ وأنا أنظف؟ ولكنني لا أعلم إن كان صحيحًا أم لا. ماذا أفعل؟)
حين رأت ألينا تعابيرها المترددة، ظنتها لا تعرف المكان، فقالت:
“لا بأس، إن كنتِ لا تعرفين سأبحث أنا.”
وبينما قررت ألينا الذهاب للبحث عنها في مكتب كاليوس أولًا، أوقفتها الخادمة قائلة:
“أنا آسفة، لكنني سمعت أن السيد إلين قد أُصيب وهو في غرفة الطبيب الإمبراطوري الآن. أنا غير متأكدة من صحة هذه الكلمات، لكن…”
لم تنتظر ألينا سماع بقية الكلمات، فقد ذهبت بسرعة باحثة عن غرفة ذلك الطبيب، حتى ترى إيفلين، وهي تشعر بالقلق يتسلل إلى داخلها، والعديد من الأفكار السلبية تخترق رأسها.
وهي تركض، قالت برجاء وهي تكاد تبكي:
“إيفلين، أرجوكِ كوني بخير، لا تتركيني أنتِ أيضًا.”
بعد سؤال بعض الخدم، استطاعت أخيرًا الوصول إلى الغرفة. فتحت الباب بسرعة، لتجد أمامها إيفلين نائمة على السرير، بينما وجهها شاحب قليلًا، وكان كاليوس يمسح وجهها بالمنديل.
نظر إليها بضيق قائلًا:
“تحلي بالهدوء، حتى لا نزعجها.”
قالت ألينا، وقد شعرت بأنها استنتجت ما قد حدث، لكن ما زال هناك بعض الشك:
“لا تقل أنك السبب، فإيفلين لن تؤذي نفسها هكذا.”
لم يعلم كاليوس ماذا يقول، لذلك اضطر إلى قول الحقيقة فقط.
وعلى عكس ما توقع أن تلومه ألينا أو أن تصرخ في وجهه، لكنها قالت:
“هكذا إذًا.”
قال كاليوس في نفسه:
(حسنًا، على الأقل لن تصرخ وتزعج إيفلين وهي نائمة.)
لكن على عكس ظنه بأنها لن تصرخ، صرخت ألينا قائلة:
“انتظري فقط، إيفلين! عندما تستيقظين سأريكِ كيف تجرؤين على التأذي هكذا! ستندمين على جعلنا نقلق دائمًا! هيا، استيقظي، لا أريد أن أفقد فردًا آخر من عائلتي.”
قالت جملتها الأخيرة وهي تبكي، بينما تمسك بيد إيفلين.
قال كاليوس بصوت منخفض:
“توقفي عن الصراخ. عليها أن تكون في مكان هادئ، وإلا ستزعجين راحتها هكذا.”
أومأت له ألينا، ومسحت دموعها، وانتظرت بجانبها بهدوء.
سألها كاليوس:
“كيف عرفتِ أنها هنا؟”
أجابت وهي تتنهد:
“يبدو أن إحدى الخدم قد شاهدك وأنت تجلبها إلى هنا، لذلك قد انتشر الخبر قليلًا.”
تنهد كاليوس بضيق، وهو يقول:
“فقط أتمنى أن تكون بخير. بعدها سأنهي أنا أمر الشائعات.”
بعد فترة من الزمن، في صباح اليوم التالي، كان ضوء الشمس يضايق إيفلين النائمة. عقدت وجهها بضيق، وفتحت عينيها ببطء وهي تشعر ببعض الألم، ثم لاحظت أنها ليست في غرفتها، فنظرت قليلًا في أرجاء الغرفة.
رأت كاليوس يجلس على الكرسي أمامها وهو نائم.
شعرت بأن هذا المشهد قد تكرر من قبل، وبينما تدقق النظر رأت ألينا نائمة على الأريكة في الخلف، وكان بالتأكيد نومًا غير مريح.
لم تستطع إيفلين تخيل استيقاظها بالفعل، ثم شعرت أنهم سيستيقظون، فأغلقت عينيها وهي تدّعي النوم.
في القصر الإمبراطوري:
وصلت الرسالة التي قد وضعتها إيفلين مع الحمامة إلى الجاسوس، الذي بدوره أسرع لإحضار الرسالة إلى الإمبراطور.
ترك الرسالة للإمبراطور ثم ذهب بعدها. فتح ليان الرسالة، ثم شعر ببعض الراحة، فقد كانت الرسالة تطمئنه أنها بخير، وأنها مجرد فترة قصيرة وستعود بالفعل.
كان يعلم أن ملك مملكة كانور شخص جيد بالفعل، ولكنه لم يقابل ابنه من قبل، لذلك لم يكن يعرف طباعه، فقرر أنه في يوم ما عليه أن يتعرف عليه جيدًا.
التعليقات لهذا الفصل " 45"