ذهب كلٌّ من كاليوس وإيفلين إلى ساحة التدريب للقتال. من الجيد أن كاليوس قرر أن يأخذها إلى إحدى ساحات التدريب الداخلية التي يتدرب فيها بمفرده.
كان المكان فارغًا، والهدوء يعم المكان. أخذها كاليوس أولًا لاختيار أحد السيوف، وكانت إيفلين تُراقب السيوف بانبهار، فقد كانت كل السيوف ذات مميزات عالية.
كان الاختيار صعبًا، لكن بعد العديد من المقارنات والبحث، فجأة وجدت سيفًا رائعًا. كان ثاني أفضل سيف رأته في حياتها. أشارت إليه وهي تنظر إلى كاليوس:
“أريد هذا السيف، سوف أُقاتل به.”
كانت هذه أول مرة يرى بها تعابيرها المتحمسة، فابتسم ابتسامة واسعة قائلًا:
“لقد اخترتِ سيفًا رائعًا، إنه السيف الذي أعطاه لي معلمي بعد أن استطعت هزيمته. إن كنتِ تريدين المبارزة به، خذيه.”
أومأت له إيفلين، ثم أخذت السيف مقررة القتال به.
وقف الاثنان على ساحة التدريب. كانت تعابير إيفلين جدية وهي تنظر إلى كاليوس، فهي لن تحتمل الخسارة، بينما نظر لها كاليوس بابتسامة وهو يقول:
“فلتبدئي أنتِ أولًا.”
أومأت له إيفلين، ثم بدأ القتال بهجومها المباشر بسيفها على كاليوس، الذي استطاع صد الهجمة بصعوبة، وبدأ الاثنان في التناوب على الهجوم.
كانت المعركة محتدمة بينهما، بينما تذكرت فجأة إيفلين أثناء القتال أول مرة أمسكت بها السيف لتعلم المبارزة.
كان من الصعب عليها في ذلك الوقت الإمساك بالسيف بإحكام، حتى أن معلمها، على الرغم من تعامله معها بصرامة، إلا أنها كانت صارمة على نفسها أكثر.
كانت دائمًا تُذكر نفسها في ذلك الوقت:
(عليكِ الفوز، عليكِ أن تصبحي أقوى، حتى تستطيعي الانتقام جيدًا، والقضاء على كل الأعداء الذين استخفوا بكِ كثيرًا.)
كانت تُقاتل بشراسة حتى أنها لم تكن تهتم إن تأذت، كل ما كان يهمها هو هزيمة خصمها مهما كانت الخسائر.
كانت هذه هي الطريقة التي تستخدمها حتى تستطيع الفوز على من هم أقوى منها.
لذلك عليها الفوز على كاليوس، لن تسمح لنفسها أن تكون ضعيفة مرة أخرى، غير قادرة حتى على إنقاذ أي أحد.
كانت الأفكار السيئة تعصف بذهنها، حتى قررت أنها عليها أن تفوز حتى لو تأذت كثيرًا، طالما لم تمت، فكل شيء سيكون على ما يُرام.
تذكرت رفض كاليوس مقاتلتها في البداية، ولولا وعده لها لما كان قد قبل أن يتبارز معها. لذلك كان عليها أن تُثبت له أنها ليست ضعيفة كما يتصور، وأنه لم يتغير شيء لمجرد كونها فتاة.
لم تعلم لمن تُحاول أن تُثبت ذلك حقًا؛ هل هي تحاول إثبات ذلك لنفسها؟ أم تُثبت ذلك للرجل الذي سمعته في الماضي وهو يقول إنها لو كانت فتى بدلًا من فتاة لكانت الأمور ستكون أفضل وسيرتاح الجميع؟ أم تُثبت ذلك لكاليوس الذي أصبح يتعامل معها كأنها زجاج؟
كانت إيفلين دائمًا تتجنب التعمق في مشاعرها. لا تُريد أن تتأذى بلا سبب، أو أن تعيش بسعادة متجاهلة ذنوبها التي تسببت في موت عدة أشخاص.
لذلك كانت تكتم مشاعرها في قلبها، وتُقفل عليه بالمفتاح والكثير من السلاسل، حتى لا تستطيع إظهار مشاعرها. لكنها لا تعلم لماذا، منذ أن أتت إلى هنا وهي تتصادم مع تلك السلاسل بشراسة.
كانت تلك السلاسل مثل السد الذي يمنع مشاعرها من أن تتسرب للخارج، غير مدركة أنها في يوم ما، عندما تُفتح تلك السلاسل فجأة من دون أن تشعر، لن تتحمل الانفجار الذي سيحدث، ولا كمّ المشاعر التي ستخرج. ربما تتسبب في انتحارها يومًا ما.
استمرت المبارزة بينهم، لكن كاليوس شعر بتغير في مزاجها وهالتها فجأة. فقد كانت في البداية تُقاتل بحماس شديد، وكانت هالتها عادية، لكن بمرور الوقت شعر بأنها تزداد قتامة، وبدت جدية للغاية. شعر بنية القتل في عينيها للحظات.
وازدادت معها ضرباتها شدة. كان كاليوس يستطيع منع هجماتها بصعوبة شديدة، وكان الشعور بالقلق يتسلل إليه ببطء، فقد كانت لا تتكلم، لا تعطي أي ردة فعل، كالآلة التي لا تسمع إلى أي شيء حولها، فقط يجب أن تُقاتل.
كانت إيفلين تقاتل بكل قوتها. كانت تتعمد القيام بهجمات قوية وصعبة، بل واستخدمت أيضًا تقنيات سرية علمها إياها معلمها. لكن ما زال كاليوس يتفادى هجماتها ويصدها.
وبعد فترة من الوقت، بدأت تشعر إيفلين باليأس ونفاد الصبر، وفكرت في نفسها:
(يبدو أنني بهذه الطريقة سأخسر كما حدث في أول يوم تقابلنا فيه، لكنني لن أسمح بذلك أبدًا. لا يمكنني أن أُهزم من شخص مرتين، أليس ذلك سيدل على أنني ضعيفة حقًا؟ يبدو أنه ليس لدي خيار سوى أن أستخدم تلك التقنية السرية للغاية، والتي منعني المعلم من استخدامها.)
تذكرت ما حدث حتى يمنعها معلمها من استخدامها:
كانت في تلك الأوقات تُراقب بعض الفرسان الذين يدربهم معلمها بجد. كان يعلمهم كل الأساليب القاسية التي قد يحتاجونها.
كان المعلم دائمًا ما يمنعها من أن تُراقب الجنود، لكن في ذلك الوقت لم تستمع إليه. كانت تعلم أنه مهما دربها المعلم، فبالتأكيد لن يخبرها بكل التقنيات. في الحقيقة، لقد استغربت في البداية من أنه قبل أن يدربها.
تسللت إلى مواقع تدريب الجنود، وساعدها تدريبها على إخفاء وجودها كثيرًا.
فقد اختبأت في إحدى الأشجار، وراقبت التدريب جيدًا، وهي تحفر كل ما تراه في عقلها كي لا تنساه، وتستطيع التدرب عليه بمفردها فيما بعد.
من حسن حظها أن المعلم لم يكن موجودًا في ذلك الوقت، وكان قد أمر قائد الفرسان أن يُدربهم بنفسه.
في ذلك الوقت، رأت تلك التقنية التي قد منعها معلمها من تعلمها، على الرغم من سماعها أن أي خطأ فيها قد يؤدي إلى الموت.
إلا أنها في ذلك الوقت كانت يائسة لتُصبح قوية، لذلك لم تهتم إن كانت ستسبب الموت أم لا. لذلك تدربت سرًا عليها، وحاولت بجد ألّا يتم اكتشافها بسرعة.
لكنها، على الرغم من جهدها المبذول لإخفاء الأمر، إلا أنه تم اكتشافها بالفعل.
وعلى الرغم من أن معلمها قد عاقبها على التسلل، اعتذرت إليه بالفعل، لكن المعلم كان يعرف أنها غير نادمة حقًا. كان يعلم أنه مهما فعل، لن يستطيع أن يوقف عنادها، لذلك تجاهل الأمر، لكنه حذرها بشدة من استخدامها.
قالت إيفلين في نفسها:
(أنا آسفة، معلمي، لكن عليّ استخدام تلك الطريقة بالفعل. من الجيد أنني أعرف كيف أتحكم بها، وإلا سأفقد حياتي.)
على الرغم من أسفها، إلا أن تعابيرها لم تكن تحمل أي ندم بالفعل.
اتخذت إيفلين قرارها، وبينما كان كاليوس يهاجم بسيفه، قامت بصده بشدة، ثم قفزت في الهواء مركزة قوتها بأكملها على السيف. وبينما أشهرته بالفعل ووجهته تجاه كاليوس، وجّه كاليوس سيفه أمام سيفها حتى يصد هجمتها.
لكن إيفلين قامت بسرعة بتحريك سيفها إلى اتجاه آخر، مما أدهش كاليوس، وحاول في الثانية الأخيرة أن يسحب سيفه بسرعة. لكن على الرغم من سرعته، لم يستطع سيفه تفادي جسدها بالكامل، فقد اخترق سيفه جانبها.
كان كاليوس في حالة صدمة شديدة من سيفه الذي كان مغروسًا في جانبها بالفعل.
بينما كان يشعر بالصدمة، كان سيف إيفلين بجانب رقبته تمامًا، وقالت بابتسامة خفيفة، وصوتها منخفض، ووجهها باهت قليلًا:
“لقد فزت هذه المرة. أنا هي الأقوى الآن.”
ثم فجأة لاحظت تحول تعابيره المصدومة إلى الغضب الشديد، فقالت باستنكار:
“أوه، هل أنت غاضب لأنك قد خسرت؟”
انتصرت أخيرًا… لكن النظرة في عيني كاليوس سرقت منها طعم النصر، وتركَت في صدرها فراغًا أربك اللحظة كلها.
رغم فوزها، لم تستطع إيفلين منع شعور الفراغ من الانتشار في صدرها . كأن النصر الذي طالما حلمت به سرق منها أي شعور بالراحة، تاركًا صدرها مثقلاً بالغموض والشكوك.
تجاهل كاليوس كلامها، لكنه لم يستطع إخفاء القلق الذي امتزج مع الغضب في عينيه .
ثم قبل أن يحملها بالفعل ويتوجه إلى الطبيب ، بعد أن نزع السيف بهدوء وكتم الجرح بردائه حتى يوقف النزيف.
قال بصوت منخفض و هو يحذرها بينما يشعر بالقلق الشديد عليها و الغضب من تهورها :
“ستعلمين بالتأكيد لماذا أنا غاضب….وكيف سيكون عقاب أفعالك الطائشة هذه، لكن لن يكون حديثنا الآن ، بل بعد أن تتعافين .”
ثم بينما هو يتحدث، لاحظ أنها تُغلق عينيها ببطء و قاربت أن تفقد وعيها ، فجري بسرعة لغرفة الطبيب، وقلبه يكاد ينفجر من مكانه قلقاً علي حياتها .
التعليقات لهذا الفصل " 44"