دخل ليام إلى مكتبه، ثم فتح الأدراج باحثًا عن بعض الورق، وقرر أن يكتب الرسالة التي ستذهب. كتب بعض الجمل العادية في حالة إن قرأها أحد، حتى لا يُكتشف أنها مشفرة، فهو لا يعلم بأي حالة هي الآن.
بعد أن أنهى كتابة الرسالة، قام باستدعاء جاسوسه الذي يعمل كالظل، وقال بهمس:
“أريد أن يرسل إحدى طيورنا المدربة هذه الرسالة، وأريد الحصول على رد.”
أومأ له الجاسوس، ثم أخذ الرسالة وانطلق في طريقه، بينما جلس ليان وهو يتنهد ويقول في نفسه:
(سلطة رئيس الوزراء قد زادت كثيرًا عن حدها، لقد استطاع السيطرة على الرسائل، التي تأتي، من يعلم على ماذا سيسيطر المرة القادمة؟ يبدو أنه يجب أن أعمل بجهدٍ أكبر حتى أقتلع الثمار الفاسدة من جذورها).
في قلعة كانور:
سألت ميا بحماس، راغبة في قضاء الكثير من الوقت مع إيفلين:
“لين لين، ما رأيك بالتجول والتنزه أو الذهاب لفعل أي شيء؟ ما رأيك؟”
على الرغم من نظرات ميا المتلألئة، إلا إن إيفلين رفضتها بصرامة:
“لا، لدي العديد من الأعمال التي يجب أن أفعلها.”
حزنت ميا قليلًا، وأظهرت وجهًا باكيًا، لكن إيفلين قالت لها:
“توقفي عن التمثيل، وإلا لن أكلمك.”
عادت تعابير ميا كأن لم تكن. كانت ميا بارعة في التمثيل، لكن خدعها البسيطة لم تؤثر على إيفلين. قال كاليوس متضايقًا:
“هل تعتقدين أنك في منزلك؟ هيا، عودي الآن.”
لكن ميا زادت من الالتصاق بكتفي إيفلين قائلة بشراسة:
(هل هي تربي الوحوش المفترسة أم ماذا؟ لماذا تحولت أنثى النمر تلك إلى قطة وديعة في لحظة؟)
لكنه سرعان ما انقطعت أفكاره عندما رأى إيفلين تنظر إليه. سألها بحيرة:
“لماذا تنظرين لي هكذا؟”
ابتسمت قليلًا ابتسامة مثيرة للغيظ، قائلة:
“لا أصدق أن الأمير يخاف من ميا إلى تلك الدرجة؟!!”
تنهد كاليوس بضيق، قائلًا:
“أنا لست خائفًا منها، هي فقط كانت تتعبني كالمطاردة منذ سنة، لذلك لم أتحملها.”
عندما رأى كاليوس أنها في مزاج جيد، ويبدو أنها لن تتوقف عن مضايقته، قاطعها قبل أن تقول أي شيء آخر:
“هيا، لنذهب للعمل، لا أريد أن أرى أي تكاسل.”
أومأت له إيفلين، وتبعته إلى المكتب.
شعرت إلينا بالملل، فهي صارت لا تقضي وقتها سوى البقاء في غرفتها، تتمرن قليلًا، أو تتجول في الحديقة، وتمنت أن ينتهي هذا السجن قريبًا.
في القصر الإمبراطوري:
نظر زافير إلى النافذة التي في ممر غرفة الأميرة، وبينما ينظر للحديقة بشرود، تذكر فجأة أين رأى ميرا لأول مرة.
كان زافير الابن الأول في العائلة، لذلك كانت لديه العديد من المسؤوليات منذ صغره. كان والده يأخذه معه إلى القصر مرات قصيرة، وكان أحيانًا يستمع بهدوء إلى المحادثات العميقة التي تجري في قاعة المؤتمرات، فقد كانت كساحة معركة، حيث كل شخص يقاتل بتفكيره.
كانت قاعة المؤتمرات مشتعلة بالصراخ في يومٍ ما. لم يتحمل زافير ذلك الضجيج أبدًا، لذلك رحل من هناك بدون أن يُلاحظ أي من الموجودين، فحتى لو لاحظ أحد، لن يهتم أحد بطفل صغير.
لم يكن هناك العديد من الأماكن التي يستطيع الذهاب إليها في القصر، فالتجول بتهور قد يؤدي إلى عواقب وخيمة، لذلك ظل ينظر من النافذة، حتى لاحظ إحدى الفتيات تدخل إلى الحديقة.
كانت تلك الحديقة لا يقترب منها أحد بتهور، فهي إحدى الحدائق المفضلة كثيرًا للإمبراطورة، لذلك قرر زافير الذهاب لتحذيرها. نزل بسرعة من السلالم حتى وصل إلى الحديقة.
ولم يجدها، ظل يبحث بسرعة عنها، وأخذ يجري قليلًا حتى تعب، وقال في نفسه:
(أين ذهبت تلك الفتاة الغريبة؟!!)
ثم بعد تقدمه قليلًا، سمع صوتًا خافتًا قادمًا من بين إحدى الأشجار، فذهب بتلك الناحية، واقترب بهدوء وبدون صوت، واختبأ بين الأشجار من الفضول، رغبةً في معرفة ما الذي تفعله.
ثم رآها تتحرك كثيرًا في المكان، وتعابير القلق على وجهها، كمن فقد شيئًا عزيزًا. فكر أنها قد أضاعت إحدى أشيائها.
لكنها ظلت تبحث بدون جدوى. قرر أن ينبهها لوجوده ويساعدها، لكنه وجدها فجأة تبتسم ابتسامة مشرقة أمام إحدى الأزهار. استغرب زافير من ذلك، فقد ظن أنها قد فقدت شيئًا، لكن يبدو أنها فقط كانت تبحث عن زهرة ما.
كانت تلك الزهرة شائعة قليلًا في المدينة، لكنها بدت كمن يراها لأول مرة. ثم بينما كانت تحاول قطفها، قُطعت الزهرة بالخطأ وسقطت على الأرض. نظرت لها بحزن، وكادت تبكي من الخوف.
قرر زافير أن يساعدها، فظهر أمامها فجأة، قائلًا:
“هل تبحثين عن شيء هنا؟”
هنا تحولت تعابير ميرا إلى الذعر والارتجاف، فقال باستغراب من خوفها:
“ماذا حدث؟ لما تعابيرك سيئة؟ هل لأنك قد قطعتِ الزهرة؟”
خافت ميرا أن تكون هذه الزهرة مهمة جدًا، فقد كانت الزهرة جميلة جدًا وتراها لأول مرة، لذلك حاولت قطفها لتريها لوالديها بسعادة، لكنها قُطعت بشدة، بل وتم اكتشاف أمرها.
لذلك قررت أن تكذب كذبة صغيرة حتى لا يُعاقب والداها، فهي قد علمت أن من يُغضب النبلاء ذوي المكانة المرتفعة يُعاقب هو وعائلته بشدة.
وفكرت في نفسها:
(فقط كذبة صغيرة، ولن أكذب ثانية، فقط من أجل أن أحمي والداي).
قالت، وقد استطاعت أن تحول ملامحها إلى الجدية:
“أنا لست من فعلت ذلك، لقد وجدتها هكذا عند قدومي.”
كاد أن يصدقها بسبب تعابيرها الجدية، لكنه قد شهد بالفعل على ما فعلته، وأيضًا كان وجهها محمر بشدة.
حاول منع نفسه من الضحك، وقال في نفسه:
(لا أستطيع التحمل، يجب علي أن أكتم ضحكتي، لا يجوز أن أضحك على امرأة، وأيضًا يبدو أنها عندما تكذب يحمر وجهها).
بعد أن أخفى ملامحه ببراعة، قرر إخافتها قليلًا حتى لا تعيدها، فقد كان من الممكن حدوث شيء خطير، فقال:
“إذا رأيتك تعبثين مجددًا في القصر بدون الجلوس بهدوء، فلن أكتفي بالتوبيخ المرة القادمة.”
أومأت له ميرا بهدوء، ثم رحلت مسرعة.
نظر لها زافير من الخلف بينما تجري، وشعرها الأحمر اللامع يتلألأ بواسطة أشعة الشمس.
عاد زافير من ذكرياته، قائلًا بابتسامة:
“يبدو أنها ما زالت على عادتها، تحمر مثل الطماطم عندما تكذب.”
في قلعة كانور:
في قبوٍ مظلم تحت الأرض، يُسمع صوت نزول أقدام من إحدى السلالم، ثم العبور إلى داخل القبو، لنجد العديد من السجناء محبوسين خلف القضبان. ثم نرى شخصًا يتحرك إلى إحدى الغرف ويفتحها. بدت كغرفة استجواب، ثم ظهر قائد العصابة الذي تم القبض عليه في حادثة التسمم مقيدا بالكرسي .
كان وجهه مغطى بالكدمات العميقة، ولكن على الرغم من وجهه المزري، إلا أن ذلك لم يمنعه من الابتسام باستفزاز، قائلًا:
“هل جاء الأمير أخيرًا ليكمل استجوابه؟ لم أعلم في ذلك الوقت أنك أمير، ظننتك مجرد فارس موهوب.”
نظر له كاليوس بهالة قاتلة:
“يبدو أنك لست بتلك الجدارة، لذا أتمنى أن تستسلم بسرعة وتخبرني ماذا حدث، وما سر تلك الجوهرة؟”
التعليقات لهذا الفصل " 38"