“لا تقولي ذلك، لا أريد أن أسمع كلمة موت تخرج من فمك مجددًا.”
ثم أمسكت ميا بيد إيفلين وقد ازداد بكاؤها، فبدأت إيفلين تربت على ظهرها وهي تحتضنها بهدوء، بينما ابتسامة صغيرة تتسلل إلى شفتيها، قالت لتهدئتها:
“حسنًا، هيا لا تبكي، لم تكوني بكّاءة هكذا من قبل.”
مسحت ميا دموعها، ثم ابتسمت ابتسامة واسعة، ثم أدركت وجود شيء غريب. نسيت تمامًا لفرحتها برؤية إيفلين أين هم الآن، ثم بدأت التساؤلات تخترق عقلها:
(ماذا تفعل إيفلين في قلعة كانور؟)
نظرت لها ميا بتساؤل عن سبب وجودها هنا، حاولت إيفلين تجنب عينيها، وأمام نظراتها الملحّة لم تستطع سوى أن تعترف:
“لقد جئت كرهينة هنا لمدة عدة أشهر، وأصبحت خطيبة للأمير كاليوس، على الرغم من أنه لم يتم الإعلان عن ذلك بعد.”
نظرت لهم ميا بصدمة من هذا الحديث، ثم بدأت معالم الغضب تظهر على وجهها.
توقع كاليوس أنها ستتشاجر مع إيفلين الآن لكونها قد أصبحت خطيبته، لكن على عكس ما توقع، ما خرج من فم ميا كان موجّهًا إلى كاليوس:
“كيف تجرؤ على أن تأخذ عزيزتي لين كرهينة؟!!!
عزيزتي لين المسكينة، لا أصدق أنها تم إجبارها على المجيء هنا ومعاملتها هكذا بلا رحمة. لم أعلم أنك بهذه القسوة المفجعة.”
نظر لها كاليوس بصدمة، يحاول تحليل الكلمات التي قالتها في رأسه:
(عن من هي تتحدث؟!! أنا قاسٍ؟ إيفلين مسكينة تُعذَّب بلا رحمة؟!!)
لم يستطع كاليوس أن يتقبل الكلمات التي خرجت من فم ميا، بل لم يتوقع أن تقول ذلك.
لكن ميا لم تبالِ بوجه كاليوس المصدوم، وأكملت كلامها:
“عزيزتي إيفلين، لا أظن أن الأمير يناسبك، إنه ليس من مستواك بالفعل.”
توقع كاليوس ذلك، بالتأكيد لن تتخلى ميا عن هوسها به بسهولة.
لكن ما لم يتوقعه هو تكملة حديثها:
“أنتِ أفضل منه بكثير، فتاة مثلك جميلة كالفراشة، بريئة كالزهور، لطيفة إلى أبعد حدود، هشة كالكعكة. هو لا يستحقك.”
شعر كاليوس أنه منذ أن جاءت وهو يتعرض للهجوم بالكلمات. شعر بالغضب، وشعر برغبة في ضربهم جميعًا وطردهم من القصر.
بينما كانت الملكة تستمع باهتمام لهذه المنافسة، وكأنها تحضر عرضًا مسرحيًا، وكان الملك قد خرج بعد دخول ميا مباشرة ليفسح لهم المجال للحديث.
قال كاليوس في نفسه:
(ماذا تقول تلك المختلة؟!! إيفلين التي تقتل الأعداء دون أن ترتعش، بل وبنفس قدراته في القتال، ضعيفة وهشة؟!! حسنًا، ربما تكون لطيفة، لكن باقي الأشياء…)
شعر كاليوس أن رأسه كان سينفجر، وأراد أن يسألها: إذا كانت تراه هكذا، لماذا تريد أن تكون خطيبته؟ لماذا عذبته هكذا باللحاق به و إزعاجه ؟ هل تلك الفتاة تعاني من انفصام في الشخصية؟
ولكن قبل أن يتكلم، سبقته إيفلين وهي تسأل نفس السؤال الذي أراد أن يسأله:
“إذا كنتِ ترينه ليس بتلك الروعة، فلماذا أردتِ الزواج منه؟”
تململت ميا قليلًا بتردد، ثم قالت بخجل:
“هذا لأنكِ قد أخبرتِني بنوعك المفضل من قبل، لذلك أردت أن أكون مثلك.”
دُهشت إيفلين، لم تتوقع ذلك، بل لم تذكر من قبل أنها قالت إن من يشبهون كاليوس هم نوعها المثالي، فقالت بتساؤل:
“متى قلتُ أنا ذلك؟”
قالت ميا بوجه يدل على أنها تتذكر كل شيء:
“ألم تقولي لي في صغرنا إن من ستتزوجينه يجب أن يكون زواجكم سياسيًا؟ لذلك يجب أن يكون ذا سلطة، وأن يكون قويًا، بل أقوى منك حتى لا تضطرين لحمايته، وأن يكون وسيماً جدًا حتى تستخدميه لإلهاء الناس في الحالات الطارئة، وتكون شخصيته قوية لتحمل أي أشخاص غير جيدين وإبعادهم.”
نظرت لها ميا بنظرات بريئة بعد أن انتهت من كلامها، بينما فكرت إلينا وكاليوس في نفس الشيء في ذهنهما:
(هل أنتِ متأكدة من أنها قالت هذه مواصفات من تريد زوجًا حقًا؟ ربما اختلط الأمر وكانت تريد نائبًا فقط.)
فنظر الجميع في اتجاه إيفلين مطالبين بتوضيح. تنهدت إيفلين قائلة بتأكيد على كلام ميا:
“أعتقد أنني قلت ذلك، ولكن وأنا في السادسة.”
قال كاليوس بذهول:
“هل تعتقدين أن هذه أفكار فتاة في السادسة؟”
نظرت له إيفلين ساخرة:
“لست أفضل من رجل في السابعة والعشرين يرسل جيشًا لمملكة أخرى لشعوره بالملل.”
لم يستطع كاليوس الرد.
ثم سمعوا طرقًا على الباب، كان هذا ليام يطلب إخبار كاليوس بأمر سري. بعد أن دخل، اقترب من كاليوس وهمس بصوت لم يسمعه أحد:
(سيدي، لقد جئت لإخراجك من هنا، هل أنت بخير؟)
لم يدرِ كاليوس ماذا يقول له بالفعل، لذلك قال:
“ليام، انتظر هنا لفترة، عندها ستعرف بنفسك.”
قالت إيفلين لميا بهدوء:
“ميا، هل تريدين أن تتزوجي من كاليوس، أم أختار أنا زوجًا مناسبًا لك؟”
نظر لهم ليام بدهشة:
(كيف يمكن أن تتحدث هكذا؟ وكيف لابنة الدوق أن تكون مطيعة إلى تلك الدرجة؟!!!)
قالت ميا بفرحة وابتسامة واسعة تغطي وجهها:
“بالتأكيد، لا أصدق! هل ستختارين لي زوجي بنفسك؟!!!”
احتضنت ميا إيفلين و تمسكت بذراعيها كما تتمسك القطة بصاحبها وشكرتها جيدًا.
بينما نظر كاليوس إلى ليام الذي بجانبه، وجده تجمد في مكانه، وفمه يكاد يسقط على الأرض من الصدمة.
ابتسم كاليوس ابتسامة صغيرة على وجهه، بل وجد أن الوضع بأكمله كان مضحكًا، ثم سأل ميا:
“كيف تجعلين شخصًا آخر يختار لك شريك حياتك هكذا؟”
نظرت له ميا بعبوس، وهي تتمسك بكتف إيفلين بكلتا يديها:
“هذا لأن إيفلين ستختار لي شخصًا جيدًا يحبني، بل إنها لن تجبرني، ستجعلني أحبه بالفعل.”
تنهد كاليوس راغبًا في عدم الحديث، فما سمعه اليوم سيجعله لا يريد الحديث لسنة كاملة.
في القصر الإمبراطوري:
ذهب ليان إلى غرفة إيلا، وبعد أن دخل رآها تقرأ، وبجانبها العديد من الكتب.
كانت الكتب مختلفة عما كانت تقرأه، لمح الكتاب الذي كان في يدها، كان أحد كتب سلسلة الرعب التي تحبها، قال ساخرًا في نفسه:
(من يراها سيظن أنها تقرأ كتابًا خياليًا، كل من قرأ الكتاب الذي في يدها أُغمي عليهم بالفعل.)
كانت هي من بدأت بالحديث على غير العادة قائلة:
“لقد وجدت هذه الكتب الغريبة في المكتبة، هل تعرف من كان يقرأها؟”
نظر ليان إلى الكتب التي كانت بجوار كتب الرعب ، ثم لم يعرف ماذا يقول.
هو من جلب هذه الكتب وقرأها، لذلك قرر أن يقول إنه لا يعرف.
نظرت له إيلا بشك، فقال مغيرًا الموضوع بهدوء:
“قد أضطر للذهاب إلى قلعة كانور لفترة.”
نظرت له إيلا بقلق، فطمأنها قائلًا:
“هناك مشكلة صغيرة، سأُرسل أولًا رسالة، إن لم تنجح سأضطر للذهاب بنفسي. لا تقلقي، سأذهب بشكل سري، ولن أدعك تشعرين بغيابي.”
أومأت له برأسها، فربت على رأسها بهدوء وهو يبتسم.
ثم وهو يغادر بعد أن فتح الباب، كانت إيلا مترددة هل تتحدث أم لا، لكنها قررت أن تتبع قلبها هذه المرة، فقالت بصوت يكاد يكون مسموعًا:
“اعتنِ بنفسك جيدًا، واحذر أن يصيبك أي مكروه.”
أغلق ليان الباب.
شكّت إيلا إن كان قد سمع حديثها أم لا، لكن وجه ليان وهو عائد إلى مكتبه كان محمرًا بشكل طفيف.
التعليقات لهذا الفصل " 37"