أومأ كاليوس برأسه، فقالت إيفلين وهي تشعر ببعض الإثارة:
“إذًا إنها فرصة جيدة، لجعلها تتخلى عنك كليًا.”
قال كاليوس وهو يرى إيفلين تشعر بروح المنافسة:
“وما أدراكِ أنكِ ستفوزين؟! ربما تخسرين أمامها، ولن أجد مكانًا للفرار منها بعدها.”
قال كاليوس تلك الكلمات متجاهلًا إلينا التي كانت تهز رأسها بالرفض، تمنعه من قول كلماته تلك، لكنه قالها بالفعل.
ثم نظر إلى إيفلين فوجدها تنظر إليه بضيق، والغضب واضح على وجهها، فقالت:
“هل حقًا تظن أنني سأخسر؟ يبدو أن توقعاتك بشأنِي عالية بالفعل. لا تقلق، سأهزمها وأنا أغمض عيني.”
رحلت إيفلين من الغرفة، وأحدث الباب صوتًا مدويًا بعد رحيلها. نظر كاليوس إلى الباب المغلق قليلًا، ثم سمع صوت إلينا الهامس:
“يا لها من مصيبة، أشفق عليها بشدة.”
نظر لها كاليوس بعدم فهم، قائلًا:
“لقد ظننت أنه مهما حدث ستشجعينها، فلماذا تقولين إنها ستخسر بدون المحاولة؟!”
نظرت له إلينا بغضب من كلماته، قائلة بصوت مرتفع:
“هل تظن أنني قلقة من أن تخسر إيفلين؟ بل أنا قلقة على منافساتها من الصدمة والاكتئاب.
دعني أخبرك، مهارات إيفلين قوية جدًا لدرجة أنني أشك أحيانًا إن كان هناك من يستطيع تنفيذ الآداب بهذه المثالية. أتطلع لرؤية وجهك الأبله عندما ترى المنافسة.”
ثم تركته هي الأخرى بعد أن أغلقت الباب خلفها بقوة. قال كاليوس بتنهد خافت بعد أن تُرك وحده في الغرفة:
“يبدو أن ملك مملكة سون كان يملك أبواباً قوية في غرف قلعته ، لذلك يغلقون الأبواب بهذه القوة دون اكتراث.”
ثم خرج من الغرفة.
كانت إيفلين تمشي في الممر، وهي تعِد بتلقين كاليوس درسًا. وبينما كانت تسير دون معرفة إلى أين تذهب، وجدت نفسها فجأة أمام ساحة التدريب الخاصة بالفرسان. تذكرت فجأة أول مرة جاءت إلى هنا متسللة، وأخذت تفكر قليلًا في نفسها:
(بما أن كاليوس بعيد هذا اليوم، لمَ لا أذهب إليهم وألقي التحية بهدوء، ثم أتظاهر بالرغبة في التدريب لأحرك السيف قليلًا؟)
نالت هذه الفكرة استحسانها، واقتربت من ساحة التدريب.
كان الفرسان يتبارزون، ولم يرها أحد بسبب انشغالهم، لكن ناي لاحظها فجأة، مناديًا عليها بصوت عالٍ:
“هاي، الين! ماذا تفعل هنا؟”
اقترب منها بتعابير سعيدة، ولاحظ الجميع وجودها.
كان الجميع يعتقد أنها الين، قائد جيش مملكة سون، فكاليوس لم يخبر أحدًا بعد أنها الأميرة الرابعة إيفلين، لذلك شعرت بالراحة في التعامل معهم.
اقترب الجميع ينظرون إلى ناي وإيفلين وهما يتحدثان. وعندما لاحظت إيفلين الأمر، سألت فجأة ناي عن سبب تحديق الجميع، فقال ناي بفخر:
“هذا لأنني تحدثت عن مهاراتك، سواء القتالية أو في فن الأعشاب، حتى أصبح الجميع فضوليًا بشأنك.”
هزت إيفلين رأسها باقتناع، ثم وجدتهم يدفعون أحد الفرسان المترددين إلى الأمام حتى صار يقف أمامها.
رأته يتعرق بشدة، وبدا أنه يريد التحدث لكنه متردد. شجعته إيفلين قائلة:
“هل تريد أن تقول لي شيئًا؟”
نظر لها الفارس بخجل، ثم قال وهو يضع إحدى يديه خلف رأسه:
“كنت أتمنى أن أسأل شخصًا عظيمًا مثلك إن كان بإمكانك التدرب معنا على المبارزة؟”
ذُهلت إيفلين للحظة، فلم تتوقع أن تأتيها هذه الفرصة علي طبق من فضة ، لكن الفارس فسر تعابيرها بشكل خاطئ، معتقدًا أنها لا تريد، فقال:
“إن كان سموك لا يستطيع، أنا آسف، لم أقصد أي معنى سيئ.”
قالت إيفلين بسرعة:
“لا، أنا بالتأكيد أشعر بالرغبة في تجربة الأمر.”
ابتهج الفرسان من ردها، فقد أرادوا التعلم منها بالفعل، لكنهم كانوا يخشون أن يمنعهم كاليوس. لكنه لن يأتي اليوم، فما المانع من التجربة؟
أحضر لها أحد الفرسان سيفًا من مخزن السيوف، ورأت إيفلين لمعانه وهو يضيء بشدة، فقالت:
“يبدو أنكم تهتمون بهذه السيوف كثيرًا، أستطيع رؤية مدى اجتهادكم.”
نظر لها الفرسان بتأثر، وكادوا يبكون. كان كاليوس يعاملهم بجفاء، ولم يتلقوا مديحًا من قبل، مما جعلهم يخجلون من هذا الثناء البسيط.
عندما رأت إيفلين ذلك، ابتسمت في نفسها قائلة:
(كاليوس، فقط انتظر، قريبًا سأجعل كل الفرسان في صفي.)
بدأت إيفلين بمبارزة الفرسان، وهزمتهم واحدًا تلو الآخر. لكن طبيعتها كقائد جيش ظهرت دون وعي، فوجدت نفسها تصحح أخطاءهم في التدريب وتخبرهم بما يجب فعله للتحسن. كانت ملاحظاتها مفيدة بالفعل.
وأثناء مبارزتها لأحد الفرسان، رآها ليام وشاهد ما يحدث. شعر بالصداع لمجرد تخيل ردة فعل كاليوس، لكنه قال:
“أريد أن أبارزك أنا أيضًا.”
قالت إيفلين:
“بكل سرور.”
لم تشعر بالتوتر، بل بشيء أقرب إلى الحنين، كأن السيف يعرف يدها.
استمرت المبارزة هذه المرة لفترة أطول، لكنها انتهت بهزيمة ليام أمام إيفلين. وقد اعترف أنه ليس في مستواها، وأنه ما زال يحتاج إلى المزيد من التدريب ليصل إلى مستواها هي وكاليوس.
وبينما كان الجميع مشغولًا، ظهر صوت فجأة جعلهم يتراجعون خطوة للخلف، وتعابير الهلع ترتسم على وجوههم:
“ماذا تفعلون الآن؟”
كان كاليوس، الذي ظهر فجأة أمامهم، منتظرًا تفسيرًا لما يحدث.
تحدث ليام بسرعة:
“سيدي، لقد اقترح الفرسان على السيد الين أن يبارزهم، وعندما أتيت أخبرتهم بألا يفعلوا ذلك، بل قلت إنني سأعاقبهم عقابًا شديدًا.”
نظر له الجميع بصدمة. قال كاليوس بابتسامة مرعبة:
“وكيف ستعاقبهم؟”
قال ليام متظاهرًا بالغضب:
“لقد أغضبوا سموك، ويجب أن يركضوا ألف دورة حول الساحة.”
وضع كاليوس يده على ذقنه بتفكير، ثم قال:
“حسنًا، يبدو عقابًا لا بأس به.”
تنهد ليام بارتياح، لكنه لم يدم سوى لحظة، فقد أكمل كاليوس:
“لكن ألا تعتقد أنه يجب أن تكون معهم لتراقبهم؟ فأنا أثق بأنك ستمنعهم من ارتكاب أي خطأ.”
شعر ليام بالصدمة، وأدرك أن كاليوس علم بمشاركته. شعر الجميع بالضيق، لكن الأهم كان الابتعاد بأسرع وقت ممكن.
بعد رحيلهم، نظر كاليوس إلى إيفلين بغضب، ثم تذكر ما حدث قبل قليل.
كان قد ذهب إلى مكتبه لإنهاء بعض الأعمال، وبعد انتهائه شعر بالفراغ، فقرر البحث عنها. وبينما كان يتمشى، رآها تتبارز مع ليام. كانت المبارزة قوية، وكان يعلم أنها ستفوز، لكن القلق لم يفارقه.
وعندما انتهت بفوزها، تنهد بارتياح، ثم قرر معاقبتهم جميعًا.
عاد من ذكرياته، ورأى إيفلين تنظر إليه بنظرة تسأل: أين الخطأ؟
تقدم منها، ومن دون كلمة أمسك بيدها فجأة. نظرت إليه بصدمة وهو يسحبها خلفه دون تفسير.
تعابيره الغاضبة جعلتها تشعر بأنها قد ارتكبت جريمة… رغم أنها لم تندم.
لم يكن غاضبًا من تهورها بقدر ما كان خائفًا من أن تتأذى.
قالت بضيق:
“لماذا تفعل ذلك؟ أجبني على الأقل، أو دعني أرحل.”
ترك يدها بعد أن وصلا إلى غرفتها، وقال بغضب محاولًا كبح صوته:
“هل أنتِ مجنونة؟ تذهبين لمقاتلة كل هؤلاء الفرسان واحدًا تلو الآخر، بل حتى ليام؟! ألم تشعري بالتعب؟ جسدك لم يأخذ الراحة الكافية بعد التسمم، ثم أراكِ تُبارزين بهذه الشدة.”
نظرت له بعدم تصديق، ثم قالت بابتسامة صغيرة:
“إن كنت قلقًا عليّ، فلا تقلق، فرسانك ضعفاء جدًا.”
غطى كاليوس وجهه بيده، ثم أطلق هالة قاتلة وهو يحاول التحدث بهدوء:
“إن لم تدخلي هذه الغرفة الآن وترتاحي، فسأذهب لإخبار إلينا بتهورك.”
لجأ في النهاية إلى تهديدها بعد أن عرف أنه الحل الوحيد لتستمع إليه .
صمتت إيفلين، ولم ترغب في العودة بهذه الطريقة، وحين حاولت الاعتراض:
“ولكن—”
قاطعها كاليوس:
“الآن، وفورًا، قبل أن أحملك بنفسي.”
دخلت إيفلين غرفتها وأغلقت الباب بقوة.
نظر كاليوس إلى الباب وابتسم ابتسامة واسعة، قائلًا:
التعليقات لهذا الفصل " 33"