سقطت الملعقة التي كانت تمسكها الملكة بصدمة، وصدى صوت سقوطها انتشر في أرجاء المكان من شدة الصمت الذي ملأ الجو .
فهي قد كان لديها حدس يخبرها أن هناك شيئًا غير طبيعي في إلين، لكن لم تصل تخيلاتها أن تكون فتاة.
على الرغم من أن الخبر صدمها، إلا أنها لم تتضايق بالفعل، وقالت في نفسها:
(كنت سعيدة لوجود فتاة حتى لو كانت واحدة فقط، الآن هما اثنتان! هذا رائع، سنمضي جولة ثانية رائعة من التسوق.)
اشتعلت عيناها بالحماس، وللأسف لم يرَي ذلك الحماس أحد سوى إلينا، التي أدركت أن أول شيء يجب أن تفعله بعد هذا العشاء هو الاختباء.
كان كاليوس متوترًا قليلًا من صمت والده، هو يعلم أن والده لم يكن ليهتم، فلماذا يهتم الآن بالأمر؟
نظر الملك فجأة إلى إيفلين، وحدق في عينيها بتركيز، ثم ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجهه، وقال بهمس لم يسمعه إلا هو:
“هكذا إذن تم الأمر.”
ثم تنحّى قليلًا، وقال بصوت حاول جعله ودودًا قدر الإمكان:
“لا بأس، أنا من أخبرتكم بالرحيل بالفعل في أول يوم، لذلك لا داعي لهذا التوتر. أنا فقط دُهشت قليلًا، لكن لماذا أعلنتم الأمر فجأة؟ كان بإمكانكم الاستمرار في التخفي.”
قال كاليوس بملامح جدية وهو ينظر إلى والديه:
“هذا لأننا سنعلن خطبتنا.”
ارتفع حاجبا الملك، بينما شهقت الملكة وأحست أنها ستتعرض للإغماء.
قال الملك وهو ينظر إلى كاليوس بتعابير غير راضية:
“لِمَ لم تقل ذلك في البداية؟ هل تنوي أن تسبب أزمة قلبية لوالدتك؟”
نظر له كاليوس باندهاش، وهو واثق أنه لو كانت إيفلين هي من تكلمت، لما قال لها أي شيء.
قال في سره وهو يشعر ببعض الغيظ:
(يبدو أنه مهما يحدث فأنا هو الملام في النهاية، عنصرية هذا المنزل قد زادت كثيرًا عن حدها.)
في القصر الإمبراطوري:
كانت ميرا تعتني بجد بإيلا، وكانت إيلا تُعاملها جيدًا. كانت إيلا تنظر إلى ميرا وهي تغزل بعض الصوف، وكانت مشغولة بالعمل وكأنها لا تشعر بمن حولها.
كانت إيلا وميرا مقربتين كثيرًا، لكن بعد إحدى الحوادث في الماضي، توترت العلاقة بينهما كثيرًا.
حاولت إيلا كثيرًا أن تسترجع علاقتهما القوية السابقة، إلا أن ميرا منذ ذلك الوقت وضعت حاجزًا على قلبها.
كانت تتعامل مع إيلا جيدًا، وتتصرف كأن لم يحدث شيء، لكن إيلا كانت تعلم أن ما حدث قد أحدث ثقبًا كبيرًا في قلبها.
كانت ميرا تغزل الخيوط والصوف، وكانت هذه هوايتها المفضلة بعد وفاة عائلتها.
أمسكت بالصوف وأخذت تلمسه بيديها، وتضعه بالقرب من وجنتيها لتستشعر دفئه. كان ذلك يشعرها أنه ما زال أحد معها، وأنها ليست وحيدة.
كان وقت غزلها للصوف يجعلها تنسى الوحدة، ويجعلها تشعر أنه في تلك الغرفة المظلمة من قلبها هناك بعض الضوء الذي يتسلل إليها.
على الأقل، الصوف لن يكرهها أو يكلمها بطريقة سيئة.
بعد أن انتهت ميرا أخيرًا من الغزل، تنفست بارتياح وهي تقلب الحقيبة التي صنعتها بسعادة، ثم أدركت فجأة أنها ما زالت في غرفة إيلا.
حركت عينيها لتتفاجأ بإيلا تنظر لها من على سريرها وتراقبها.
فزعت ميرا فجأة، ثم اقتربت من إيلا قائلة:
“تحتاجين إلى شيء، سيدتي؟”
نظرت لها إيلا بتعابير حزينة، قائلة لميرا التي كانت تتفادى النظر في عينيها:
“أنا إيلا فقط، لست سيدتك، ولست سمو الأميرة. ميرا، أنا أختك، صديقتك الوحيدة.”
نظرت ميرا إلى الأرض وهي تحاول منع دموعها من أن تنهمر، تذكّر نفسها ببطء بالكلمات السامة التي قالها لها والد إيلا في يوم جنازة زوجته:
( “أنتِ لستِ نبيلة، أنتِ مجرد قمامة التقطتها زوجتي لتشعر بإرضاء لضميرها تجاه صديقتها التافهة.
تعتقدين أنك ستصيرين صديقة ابنتي الحقيقية؟ أنا لا أستطيع حتى أن أجعلك خادمتها.”
ثم أمسك بكتفيها بقوة آلمتها بشدة، وقال مكمّلًا إفراز سمه كالأفعى:
“ابنتي ستكون الإمبراطورة المستقبلية الآن، ابتعدي عنها. أنتِ لا تريدين أن يسخر منها كل النبيلات، أليس كذلك؟ بالتأكيد هذا إن لم تبتعد هي عنك بعد أن تملك السلطة.”
كانت تعلم أنه يكذب، بالتأكيد إيلا لم تكن لتتركها هكذا.
لكن بعد أن خرجت من غرفة رئيس الوزراء، متجهة إلى إيلا، أرادت فقط أن تطمئن، أن تذهب تلك الأفكار الخبيثة والكلمات التي تطاردها منذ خروجها من تلك الغرفة.
لكن ما رأته وقتها، كانت إيلا المنهارة التي تبكي بشدة، وبجانبها الإمبراطور ليان، الذي كان ما زال ولي العهد في ذلك الوقت.
كان يواسيها ويربت على ظهرها بدون حديث. نظرت لهم ميرا لفترة لم تعرف إلى متى، لكن تراقصت الأفكار السلبية بجانبها حتى أدركت ما لم ترد أن تعترف به.
لقد كانت عبئًا دائمًا. بسببها اضطرت والدة إيلا لرعايتها، واضطرت لتحمل الكلمات السيئة التي ستواجهها من النبيلات.
بل لن يتوقف الأمر على ذلك، إيلا لديها الكثير من الأعباء بالفعل. هل سيكرهها النبلاء ؟ هل سينتقدون إيلا و ينبذونها ؟
لقد كانت إيلا حزينة بالفعل بعد عودتها من إحدى الرحلات و بعد وفاة والدتها ، هل وجودي سيجعلها أكثر بؤسًا؟
ربما لو لم أكن هنا، ربما لو كنت مع والدي في تلك العربة، هل كان الجميع سيصبحون بخير؟
لم تلاحظ ميرا الدموع التي كانت تتساقط من عينيها، كل ما شعرت به أن قلبها يؤلمها، وكأنها سمعت فجأة صوت كسر شيء ما. )
بعد عودتها من ذكرياتها التي ظلت تلاحقها، قالت لها إيلا بهدوء وهي تمسك بيدها، تحاول أن تستعيد صديقتها الرائعة:
“أنا أحبكِ يا ميرا، وسأظل كذلك.”
نظرت لها ميرا، ثم ابتسمت ابتسامة مصطنعة قائلة:
“وأنا كذلك، صاحبة السمو. أنا لا أكرهك، لكن يُفضل أن تبقي بعيدة عني حتى تستطيع حياتك أن تصبح أفضل.”
لم تنتظر ميرا ردها، سارعت بالرحيل قائلة إن الوقت قد تأخر.
ثم عادت إلى غرفتها، وبعد أن أغلقت الباب، سقطت على الأرض لتستريح، تشعر بالراحة لوجودها في غرفتها.
تشعر وكأنه لا مكان آمن غير هنا، حيث يعم السلام والهدوء دون ضوضاء لأناس يقتلونها بألسنتهم.
وضعت رأسها بين ذراعيها وذهبت في نوم عميق.
في قصر كانور:
كان الجميع يتناولون الإفطار. شعرت إيفلين بالراحة قليلًا، فالأجواء لم تختلف كثيرًا عن كونها إلين.
فقط ما تغير أن كاليوس أصبح يجد صعوبة في العمل معها، بدا وكأنه لم يعرف ماذا يقول في حالات كهذه، وكان من المسلي رؤيته مرتبكًا.
كان الطعام على المائدة لذيذًا، وكانت إلينا تأكل بشهية مرتفعة على غير المعتاد. أرجحت إيفلين أن ذلك لأنها أخيرًا استطاعت أن ترتاح من التوتر قليلًا.
ثم، بينما التقطت إيفلين الملعقة لتتناول طعامها بعد أن أكلت أول لقمة، قالت الملكة فجأة:
“كاليوس، إيفلين، إلينا، ما رأيكم بما أن إيفلين صارت خطيبتك أن نقيم احتفال مونالاف في القصر؟ يمكن أن تشارك إلينا أيضًا.”
دُهش كاليوس قليلًا، لكن سرعان ما ابتسم ابتسامة تسلية. شعرت إيفلين أن ما سيقوله لن يعجبها، لكنها لم تستطع إلا أن تسأل:
“ما هو هذا الاحتفال؟”
قالت الملكة بسعادة، دون أن تلاحظ تغير ملامح إيفلين وإلينا على كلامها:
“إنه احتفال تقيمه دوقة من المملكة، تكون المسابقة في كل ما يجب أن تعرفه المرأة من الآداب، والفائزة يتم اعتبارها عروس القرن.”
نظرت لها إلينا بضيق قائلة:
“أنا لا أريد أن أشارك.”
لكن الملكة قالت بلهجة صارمة:
“لا عليكِ المشاركة، هذا سيكون ممتعًا.”
حركت إلينا شفتيها بعدم رضا، بينما قالت إيفلين:
“ومتى هذا الاحتفال؟”
قال كاليوس:
“إنه بعد أقل من شهر، استعدوا جيدًا.”
شعرت إلينا أنها تريد أن تمزق تلك الابتسامة، لكنها كتمت ضيقها داخليًا قائلة في نفسها:
(بالتأكيد تلك الملكة تعرف والدتي بطريقة ما أو ربما تكون توأم ضائعة لها ، لماذا أشعر أن والدتي قد أخبرتها أن تجعلني أعاني.)
بينما قد اعتادت إلينا على أفعالهم، كانت الصدمة من نصيب إيفلين قائلة:
“ماذا تقصد بأقل من شهر؟ ولماذا عليّ أن أشارك؟!!”
لو كان هذا اختبارًا، فإيفلين لم تدخل يومًا اختبارًا وهي تفكر في الفشل.
التعليقات لهذا الفصل " 32"