اقترب الين من المكان الذي كان فيه كاليوس، وكان واثقًا — على الأقل — أنه لن يطعنه فجأة ليقضي عليه؛ فعلى الرغم من أنه قد يبدو مختلًا، إلا أنه لن يغدر به أمام هذا العدد من الأشخاص.
أمر كاليوس جيشه بالابتعاد عن المكان لإفساح المجال لمعركتهما، فهي ستكون معركة شرسة.
لذلك دارت المعركة في الصحراء، على بُعد أمتار قليلة من أسوار مملكة سون، بينما ابتعد الجنود مسافة إضافية عن موقع وقوف كاليوس والين.
أخرج كاليوس سيفه أولًا، قائلًا بابتسامة واسعة، فهو يحب المبارزة كثيرًا، وبالأخص إن كان الخصم ذا شهرة وقوة:
“أتمنى أن تكون قويًا كما سمعت عنك.”
نظر إليه الين بضيق، وغضب واضح على وجهه، وقال وهو يتمنى أن يقطع رأسه في تلك اللحظة:
“وأتمنى بعد خسارتك أن تكون من الذين لا ينقضون وعودهم.”
هزّ كاليوس كتفيه بلا اهتمام، وقال وهو يوجّه سيفه أمام وجه الين:
“دعنا من الكلام عديم الفائدة، فلتبدأ هذه المبارزة الآن.”
كانت المبارزة كما توقعها الجميع: شديدة، لا مجال فيها للتهاون. حتى إن بعض الجنود لم يستطيعوا متابعة حركاتهما، وكل ما كان يُسمع في تلك اللحظات هو صوت تصادم السيوف الحاد. لم يكن ظاهرًا لهم سوى أن أحدهما يهاجم، والآخر يصد الضربات.
كان كاليوس يعتمد على قوته والتقنيات التي تعلمها، لكن التقنيات التي أتقنها الين كانت ندًّا له فعلًا؛ إذ اعتمد على جسده الأصغر نسبيًا ليزيد من سرعته في تفادي ضربات سيف كاليوس، ثم الهجوم عليه بنفس السرعة.
كان الجنود، سواء على الجانب الأيمن أو الأيسر، ينظرون بانبهار إلى المبارزة. فبالنسبة لمن لا يعلم حقيقة الأحداث، بدت وكأنها مجرد مباراة بين فارسين قويين.
استمرت المبارزة لأكثر من عشر دقائق، حتى قال أحد فرسان كاليوس فجأة:
“هذا رائع! لقد استطاع الصمود لأكثر من عشر دقائق، بينما كسر الأمير سيفي في أول ثانية، لرغبته في إنهاء المبارزة بسرعة.”
بعد فترة قصيرة، كان كلٌّ من الين وكاليوس قد تصببا عرقًا بسبب حرارة الجو وحركاتهما العنيفة. عندها قرر كاليوس استخدام تقنيته السرية؛
فقد كان الين أفضل مما توقع، وإن استمر الأمر على هذا النحو، فقد يهزمه حقًا. ولأول مرة منذ سنوات، شعر كاليوس أن خطوة واحدة خاطئة قد تعني نهايته.
أطلق كاليوس سيفه باتجاه قدمي الين، وما إن توقّع الين مسار السيف حتى قفز في الهواء، لكنه لم يتوقع أن ينحرف السيف فجأة عن مساره.
كاد أن يصيبه، لولا سرعته في تحريك سيفه لصد ضربة كاليوس. في تلك الأثناء، انفتح الجرح القديم في ذراع الين، مما أعاق حركته قليلًا.
استغل كاليوس تلك اللحظة، وزاد من قوة ضغطه على السيف، فطار سيف الين في الهواء قبل أن يسقط أرضًا، معلنًا نهاية المبارزة وفوز كاليوس.
قال كاليوس بجدية:
“لقد كانت مبارزة رائعة. لم أخض مبارزة كهذه منذ زمن طويل.”
أمسك الين بذراعه النازفة، ونظر إلى كاليوس بغضب وهو يطحن أسنانه، وقال في نفسه:
(لو لم ينفتح الجرح في ذراعي مجددًا، لكنت فزت عليه. ماذا سأفعل الآن؟ لن أستطيع تسليم المملكة له.)
أمام الجميع، لم يستطع الين أن يقول شيئًا. كلما حاول فتح فمه، أغلقه مجددًا، حتى قال في النهاية الكلمات التي لم يُرد لها أن تخرج من حلقه:
“أنا أستسلم… لقد هُزمت.”
ارتفعت هتافات جيش كاليوس، لكنه رفع يده ليجعلهم يصمتون. ثم نظر إلى الين قليلًا وهو يفكر في المعركة، وقال في نفسه:
(لو لم أنجح في حركتي الأخيرة لخسرت. إنه قوي حقًا… ستكون خسارة إن لم آخذه معي.)
بعدها فُتحت أسوار مملكة سون، ودخل كاليوس وجيشه إلى الداخل.
في قلعة مملكة سون:
كان ملك مملكة سون يشعر بتوتر شديد؛ فهو قلق على الين، وقلق على المملكة أيضًا، فحمايتها كانت واجبًا لا يمكن التفريط فيه مهما كلف الثمن.
وعندما سمع بهزيمة الين، ازداد قلقه، لكنه اطمأن قليلًا عندما علم أن الين بخير ولم يُصب بأذى خطير.
كان قد حاول في البداية منع الين من الذهاب لمقاتلة كاليوس، لكن عناده منعه من الاستماع، وقرر الذهاب بنفسه.
قرر الملك جمع الوزراء في المجلس ليتفقوا على ما سيفعلونه في هذا الوضع الخطير.
اجتمع الجميع في مجلس مملكة سون للتفاوض بشأن نتيجة المبارزة، فهم ما زالوا لا يعلمون ما هي نوايا الأمير الحقيقية.
كان كل وزير تعصف برأسه الأسئلة التي لا يجد لها إجابة:
(هل يريد توسيع مملكته؟ أليست واسعة بالفعل؟!)
(هل ربما يريد الموهوبين في الرسم الذين اكتُشفوا مؤخرًا؟ وإن كان كذلك، فهل سيقيم حربًا من أجل لوحات؟!)
(أم أنها إحدى نزواته؟ لقد سمعت عن أمراء تكون نزواتهم شنيعة، لكني لم أرَ أميرًا تكون نزواته إعلان حرب على مملكة كاملة!)
قاطع أفكار الوزراء دخول الملك، يليه الين، ثم دخول كاليوس معهم. لم يستطع أحد الجلوس، فقد سيطر التوتر على الجميع. قطع صمت الغرفة صوت الملك وهو يقول:
“لن أقبل أن أُسلّم مملكتي بهذه السهولة. كما تعلم، نحن على علاقة جيدة مع مملكة كانور، ولم يحدث أن خضنا حربًا من قبل.”
كان كاليوس ينظر إليه بهدوء، منتظرًا أن يكمل، فتابع الملك:
“أنا أريد السلام. إن كنت تريد مجوهرات، ماسًا أو ياقوتًا، سأعطيك ما تشاء دون تردد، مقابل أن تترك مملكتنا وشأنها.”
ظل الين صامتًا، يفكر بهدوء في أي حل ممكن.
لقد هُزم، وانتهى الأمر، لكنه كان يبحث عن أي ثغرة، أو ما قد يحتاجه كاليوس حقًا ليتركهم.
بعد لحظات من الصمت، قال كاليوس:
“سمعت أن لدى الملك جوهرة نادرة… أعطني إياها.”
نظر إليه الملك بعدم فهم؛ فبحوزته جواهر كثيرة، لكنها ليست نادرة إلى هذا الحد.
ابتسم كاليوس ابتسامة واسعة، وقال:
“بالتأكيد، أقصد جوهرتك العزيزة التي تخفيها عن الجميع… ا
لأميرة الرابعة، إيفلين.”
شهق جميع من في المجلس، وشحب وجه الملك وهو يحاول استيعاب كلمات كاليوس.
التعليقات لهذا الفصل " 3"