“لا تقلق، أنت لم تسبب أي متاعب، وأيضًا أنت عمليًا سرعت مسار الرحلة، فبدونك كنا لنتأخر أكثر، بل لم نكن لنفهم التفاصيل الدقيقة للجريمة.”
شعر الين بالغرابة، فهو غير معتاد على المديح، وبالأخص من كاليوس، فهو معروف بمزاجه المتقلب، وأنه صعب الإرضاء.
فقال بابتسامة خفيفة:
“شكرًا على هذا المديح.”
ذُهل كاليوس للحظة من رده، فقال محاولًا مضايقة الين:
“أو هل تعتقد أنني سأتركك هكذا وحدك وأذهب؟ وماذا قلت… يومين؟! هل تعتقد أنني أحمق؟ فأنا أعلم أنه بمجرد أن أرحل من هنا، أنت ستتبعنا تاركًا مسافة مناسبة لعدم كشفك.”
فقرر الين مجاراته قائلًا وهو يتصنع التفكير:
“لكن إذا تبعتك مباشرة، ألن تعرف ذلك في النهاية؟ فأنا سأصل للقلعة بعدكم مباشرة، أليس كذلك؟”
فقال كاليوس مبطلًا حجته:
“حسنًا، ربما ستتخفى وتدخل إلى القلعة في الخفاء، وربما تختبئ في غرفة الأميرة، التي ستكون سعيدة بتخبئتك، وهكذا لن يعرف أحد.”
صفّق الين من ذكاء كاليوس، وأنه استطاع الوصول إلى هذه الدرجة من فهمه.
عاد الطفل إلى منزله، وأخبر والدته بما أخبره به صاحب النزل. كانت الأم تبكي منذ عدة أيام بسبب حالة طفلها التي لا تتحسن، بل تزداد سوءًا.
لكن مجيء ذلك الفارس أدخل لها الأمل في أن يستعيد صغيرها عافيته، وأن يصبح على ما يُرام.
وقد جاء اليوم الذي استيقظ أخيرًا صغيرها وفتح عينيه ببطء، مناديًا بخفوت:
على الرغم من أنها تُدرك أنها ليس لديها شيء تُقدّمه، إلا أنها قررت أن تفعل أي شيء لإظهار مشاعرها، فالهدية تُقيَّم بمشاعر صاحبها، وليس بثمنها.
مرّ اليومان بسرعة، فعلى الرغم من محاولات الين العديدة خلال هذين اليومين لجعل كاليوس يرحل أولًا، إلا أنها لم تُفلح معه أبدًا.
كان اليوم موعد رحيلهم وعودتهم إلى قلعة كانور. شعر الين أنه قد مر دهر على رحيلهم من هناك، فقرر أن يذهب إلى منزل الطفل للاطمئنان عليه، ثم بإمكانهم الرحيل بعدها.
ذهب الين وكاليوس إلى هناك، بينما أمر الفرسان أن يجهزوا ما يحتاجونه للسفر، وأن يُعدّوا الأحصنة والطعام، وهكذا.
ما إن وصلوا أمام المنزل وطرقوا الباب، حتى وجدوها تنتظرهم بالفعل. ذهب الين ليلقي نظرة على طفلها، فوجده قد استعاد عافيته واستطاع الجلوس على السرير.
فرح أنه استطاع إنقاذه، فقالت له الأم والدموع تسقط من عينيها:
“شكرًا لمساعدتك لنا، شكرًا لوجود ملاكٍ مثلك في هذا العالم.”
قاطعها الين نافيًا بسرعة كلامها:
“لا، لا، لو كان أي أحد في مكاني لكان قد أراد المساعدة أيضًا.”
لكن الأم نفت ذلك بابتسامة خفيفة على وجهها، قائلة بتعابير دافئة:
“لم يكن أحد ليساعدني. أنا الأم المسكينة هكذا، حتى لو اكتشفوا الترياق كانوا ليعطوه للعجائز أولًا، أو للرجال الأقوياء الذين يساعدون في القرية، لن يرسلوا إليّ الدواء أولًا. لكنك أرسلته لي أنا كأول شخص.”
ثم أمسكت بيديه بشدة، وهي تقول بتمنٍّ من كل قلبها:
“أتمنى أن تعيش طوال فترة حياتك القادمة في سعادة أبدية، وأن لا تُعاني أبدًا.”
شعر الين بالكلمات تخترق قلبه بشكل مخيف، وشعر بعينيه تحاولان منع بعض الدموع التي استطاع، بعد محاولات، منعها من النزول، لذلك اكتفى بأن يحتضن الأم قليلًا، بعد أن شعر بأنه قد افتقد والدته فجأة، فهي تذكره بها كثيرًا.
ثم انتهى الوداع بحرارة. نظر له كاليوس وكتم بعض الكلمات في نفسه:
(يبدو أنك تشعر بالوحدة الشديدة. حسنًا، سأجعلك تشعر بالكثير من المرح، أتمنى أن نخوض معًا الكثير من المغامرات.)
ثم التقوا بالفرسان ومعهم المجرمون، وانطلقوا بسرعة إلى قلعة كانور.
في القصر الإمبراطوري:
كان ليان مشغولًا كعادته بالأوراق المكدسة على مكتبه، فقد ظهرت المشاكل واحدة تلو الأخرى حتى قضت عليه تمامًا وتسببت له بالإرهاق.
كانت الهالات السوداء واضحة على وجهه، وبينما كان يعمل شعر بالصداع يقضي عليه للمرة التي لا يعرف عددها لليوم.
لذلك توقف لحظة، ثم تذكر أن لقائه المقرر مع إيلا لم تستطع القدوم إليه. كان قد قرر أنه ما إن ينهي كل أعماله سيذهب لرؤيتها ليعرف سبب عدم قدومها، فهي لن تتخلف عن اللقاء بلا سبب.
ثم نظر إلى النافذة المفتوحة بجانب مكتبه، ورأى الجو مشمسًا والسماء صافية، فتمنى أن تكون إيلا في مزاجٍ جيد، وأن تتمتع بهذا المنظر من نافذة غرفتها.
وبعد أن شعر بتحسنٍ طفيف في مزاجه السيئ الذي لم يتغير منذ عدة أيام، بدأ في إكمال أعماله ببعض التفاؤل، لكنه صُدم فجأة بطرقٍ شديد على الباب.
فأذن للطارق بالدخول، فدخل الحارس وعلامات الذعر ترتسم على وجهه، فهو يعلم أن أخباره قد تسبب عاصفة رعدية على القصر بأكمله.
نظر له ليان بنظرة تشجعه على الحديث، لكن الحارس أُصيب بالفواق وهو يرتعش، وقال بكلمات متفرقة:
“سيدي، لقد جاءت أخبار من قصر رئيس الوزراء، خطيبة سموك طريحة الفراش منذ يومين.”
صدم الخبر ليان، حتى إنه أسقط الريشة التي كان يكتب بها، وقرر الذهاب إلى قصر رئيس الوزراء فورًا، وبينما يذهب كانت تعابيره تزداد سوءًا، وشعر بالندم أنه لم يذهب لزيارتها بعد عدم مجيئها في يوم اللقاء.
التعليقات لهذا الفصل " 26"