“ما بكِ؟”
جذب جيليان بيانكا التي تبدو خائفةً بوضوحٍ، ووضعها بجانبه.
دون قصدٍ، أمسك ذراعها النحيل الذي يتّسع في يده الواحدة.
لكنّ بيانكا لم تفزع من اللمسة الخشنة، بل اقتربت نصف خطوةٍ طواعيةً.
لمع بريقٌ في عيني الرجل الأزرق.
“بالطبع، لا أظنّ أنّ هناك تعويذة تفوق حواس السيد جيليان.”
“نعم. الحذر لا يضرّ، لذا لنجرب. إن بدت المسافة ضيّقةً جدًّا، فهل أوسّعها؟”
“لا! أبدًا. إنها مثاليّة الآن! لا توسّعها أبدًا.”
“لكن فكّري جيّدًا، بيانكا. لتناول الكعك مع جين، يجب عليك الذهاب إلى الساحة؟ مع قيد السوار، فأنت لا تستطيعين.”
“عندها أطلب من السيد جيليان الإذن، أليس كذلك؟”
“صحيح.”
كان صدره يغلي غيظًا من لقائكِ أحدًا آخر هكذا.
لكنّ عينيها اللامعتين وهي تقول أنّها ستخبره بنفسها كانتا لطيفتين، فاستطاع جيليان التظاهر بالهدوء.
*هذي حالتها أسوأ من اللي تستأذن زوجها عشان تطلع، هما مش متزوجين اساسا 😭 *
على أيّ حال، لا تستطيع بيانكا الخروج إلا بـ”إذنه”.
يكفي ألا يأذن.
مع هذا الترتيب، هدأ صدره المغليّ، وملأه شعورٌ غريبٌ بالشبع.
خطا جيليان بمزاجٍ أكثر انتعاشًا.
“الشرح لا يوضّح المسافة، هل نجربها الآن؟”
ابتسم بلطفٍ وكأنّه يدعوها لتجربة قيدها.
لم ترفض بيانكا.
في النهاية، هو عرضٌ جيّد.
قال جيليان أنها مسافة غرفتين، لكنّ بيانكا تعرف حجم غرفتها جيّدًا.
غرفةٌ واسعةٌ كبيتها السابق كلّه.
مسافة غرفتين كهاتين؟
لا تُقدَّر أصلًا.
الأيّام الماضية كانت مشغولةً بالجلوس والوثائق، لكنّ بيانكا ليست من الثابتين مكانًا.
لو تحرّكت فجأةً ونُقلت إلى جانبه، فسيكون الوضع محرجًا لكليهما.
“إذن، ابقَ هناك. أنا سأتحرّك.”
“هكذا؟”
ابتسامتها وهي تبتعد عنه أزعجته قليلًا، لكنّ تذكّر نقلها إليه في النهاية هدّأه.
“نعم، لكن سيد جيليان؟”
“نعم.”
“ماذا يحدث إن نُقلت؟”
تراجعت بيانكا خطواتٍ للخلف وهي تواجهه.
خطواتها الرقيقة البعيدة تدريجيًّا بدت جميلةً، فأجاب جيليان:
“نقل.”
“لا، لا، أقصد… كيف أظهر بعد النقل؟ أسقط من الهواء، أو…”
“آه… يبدو أنّ سقوطكِ مع جين من السماء ترك لك أثرًا نفسيا ؟”
عبست بيانكا لنبرته المرحة.
“ليس أثرًا، بل رعبًا. لا أريد تكراره أبدًا.”
“يا للأسف.”
“إذن كيف؟ إن كنتُ سأسقط، فأنا أحتاج استعدادًا نفسيًّا.”
“بيانكا. هل تظنّينني وضعتُ شيئًا رديئًا كهذا؟”
لامها بأسلوبٍ أنيقٍ وهادئ.
شعرت بيانكا بدقات قلبٍ خفيفةٍ رغم ابتعادها.
المسافة تتّسع، لكنّه يبدو أوضح.
فرصةٌ نادرةٌ للنظر إليه، ربّما أوّل مرّةٍ تراه كاملًا.
أوّلًا لتجنّب العمل الأصليّ.
ثمّ خوفًا من الوقوع في حبه.
الرجل أمام الغروب أجمل من المعتاد.
كان دائمًا جميلًا، لكن ابتسامته الهادئة الموجّهة إليها، أو ضوء الشمس الغاربة.
‘دقات دقات.’
قلبها لا يتوقّف.
‘هذا خطر، لكن مع الوقت المتبقّي، لأنظر بقدر ما أستطيع’ ، فكرةٌ وقحة.’
سواء أحبّته أم لا، معجزةٌ كبقاء جيليان سيتون بجانبها لن تحدث.
تكفي عدم إضاعة الوقت والخروج في الوقت المناسب.
مع هذا التفكير الحزين الجبان، خطت خطوةً أخرى.
اجتاحها دوّارٌ يهزّ الرؤية، فأغمضت عينيها ثمّ فتحتهما، فإذا بالرجل البعيد يبتسم أمام أنفها.
“أفهمتِ قليلًا؟”
عندما أدركت أنّها في حضنه كأميرة، احمرّ خدّاها فورًا.
آه، جماله مؤذٍ.
جمعت بيانكا يديها أمام صدرها الخافق أمام الرجل الوسيم الذي يملأ عينيها.
“حسنًا، رأيتُ تقريبًا إلى أين وصلتُ، فإن قسناه لاحقًا…”
“هل يُتعلّم بالقياس؟”
“بالطبع؟”
“يجب أن يترسّخ الإحساس بالمسافة في الجسد.”
انحنى في نهاية الكلام، وأخرجها من حضنه بحذرٍ، وهمس:
“أعيدي الكرّة.”
“أعيدها؟”
“أعيدي.”
أخرجها جيليان ثماني مرّات ذلك اليوم.
كلّ مرّةٍ تُنقل إلى حضنه، تتوسّل بيانكا من الخفقان الذي كاد يفجّر صدرها، فتوقّف.
“عندما تنتهي الأعمال المزدحمة، لنجربها في الطابق الرابع أيضًا.”
“لا… لا بأس.”
“لماذا؟”
“أنا لا أخرج من المكتب كثيرًا . إن احتجتُ الخروج، فسأطلب الاذن منك.”
كلامها الذي يضع الطوق بنفسها ويمدّ المقبض كان كافيًا، فابتسم جيليان مطوّلًا.
“هكذا؟”
لكنّ الجملة التالية تبخّرت ابتسامته.
“لكن افسح المجال للطبيب دائمًا.”
“الطبيب؟”
“السيد جيليان يمرض كثيرًا مؤخّرًا. إن استدعينا الطبيب ونُقلتُ قبل الذهاب، ماذا سنفعل؟”
آه.
نظر جيليان إلى صدره عند كلام بيانكا.
كأنّ شيئًا سقط من صدره للتوّ بدوم.
“ما بك؟ أأنت مريضٌ مجدّدًا؟”
تفاعلت بيانكا بحساسيّةٍ مع ردّه.
المرأة التي كانت هادئةً في حضنه، لوّت جسدها قليلًا، وخرجت بسهولةٍ من حضنه لتفحصه.
لوّى جيليان فمه وهو يرى المرأة تخرج من يده كالريح.
ظنّ أنّه أمسكها جيّدًا.
أليس كذلك؟
بعد إدراكٍ غريب، جاء ارتباطٌ أقوى من السابق.
* * *
“كيف حالك؟”
أومأت بيانكا برأسها قليلًا لتحيّة إينيكيال.
“سمعتُ أنّكِ مشغولةٌ جدًّا، هل تأكلين الوجبات في موعدها؟”
“أنا بخير. وأنتَ يا إينيكيال؟”
“أنا في حال مشابه.”
“إذن ما الأمر؟”
إينيكيال لا يبدأ حديثًا عبثًا.
يهتمّ بالكفاءة، وفي أيّام مشاركة المكتب، كان يمرّ يومٌ كاملٌ دون كلمةٍ إن لم يكن هناك أمر.
أصلًا، لم تكن بينهما سوى تحيّة الذهاب والإياب.
بعد دخول بيانكا مكتب جيليان، أصبح الأمر أكثر جفافًا.
آخر حديثٍ كان طلب تعاون عمليّ فقط.
لكنّ ردّ إينيكيال غريب.
“أتيت لإلقاء التحيّة فقط؟”
“تحيّة فقط؟”
‘لماذا تهتمّ بي؟’
حدّقت بيانكا به بوجهٍ يكشف كلّ شيء.
في النهاية، استسلم إينيكيال للنظرة الواضحة.
رفع يديه مستسلمًا أمام عينيها الحادّتين.
“قلتُها قلقًا قليلًا.”
“على ماذا؟”
“سمعتُ أنّ أمر مجلس الشيوخ قد مرّ.”
انتفضت بيانكا لكلام إينيكيال.
إينيكيال القاسي الذي يهتمّ بالكفاءة فقط، يقلق؟
هنا أدركت بيانكا أنّها ربّما نصحت في أمرٍ كبيرٍ جدًّا بلا حذر.
لكن الماء انسكب.
السهم خرج.
وجيليان وافق.
“السيد جيليان—”
“إينيكيال.”
بدل الشرح، رسمت بيانكا وجهًا حازمًا.
متأخّرٌ لإظهار القلق الآن، وفكرة أنّ معركة النفوذ لا شيء إن لم يُعطِ أحدٌ معنى لها لم تتغيّر.
“لا تقلق.”
عندما نظر إينيكيال إلى عينيها الثابتتين، ضحك فجأةً.
“من أنتِ؟”
••••◇•••••••☆•♤•☆•••••••◇••••
ترجمة : 𝑁𝑜𝑣𝑎
تابعوني على قناة التلغرام :
https://t.me/+C0ZwazOixupjNzM0
التعليقات لهذا الفصل " 45"