طمأنها جيليان ببراعةٍ وأشارَ إلى مكانٍ على الجدار.
“للحمايةِ من أيِّ متسلِّلٍ محتمل، نسجتُ حاجزاً لا يسمحُ لأحدٍ، حتى لي، بالمرورِ مع شخصٍ آخر”.
“إذن…”
“لذلك لا أستطيعُ مرافقتَكِ. شرطُ المرورِ هو موافقةُ “أنا” داخلَ البرجِ على طلبِ دخولِ زائرٍ خارجيٍّ مسجَّل”.
لماذا إلى هذا الحد؟
ما الذي يخفيه داخلَ هذا البرجِ حتى يحتاجُ إلى كلِّ هذه الحيطة؟
أومأت بيانكا صوتَ أنينٍ خافتٍ من كثرةِ الدقَّة، ومدَّتْ يدَها كما أمرَها.
كانت خائفةً إلى درجةِ أنَّها لا تجرؤُ على التنفُّسِ بعمق، لكنَّها كانت تعرفُ أنَّها إن لم تتحرَّك الآن، فستبقى معلَّقةً خارجاً إلى الأبد.
وضعتْ يدَها على الجدارِ عدَّةَ مراتٍ كما أرشدها، فانفجر ضوءٌ ساطعٌ فجأةً، وشعرتْ بأنَّها تُسحبُ إلى الداخل، وعندما فتحتْ عينَيها، كانت بالفعل داخلَ البرج.
“آه…”
ما أن لامستْ قدماها الأرضَ الصلبة، حتى انفرجَ توتُّرُها وترنَّحتْ.
كادتْ تسقطُ من فرطِ ضعفِ ساقَيها، لكنَّ جيليان أمسكَها بمهارةٍ فلم تفعل.
لم تكن محمولةً، ولا متعلِّقةً، بل في وضعٍ غريبٍ بينهما، فتمتمتْ:
“كنتُ خائفةً جداً”.
“حقاً؟”
“كنتُ خائفةً حقاً”.
“تخشينَ الارتفاعَ ولا تثقينَ بجيليان سيتون ؟ هذا يُحزنُني”.
“ليس هذا المقصود!”
“إذن؟”
“تعرفُ جيِّداً أنَّ هناك أوقاتاً يخافُ فيها الإنسانُ غريزيّاً، حتى لو كان يعرفُ أنَّه آمن! مثل النظرِ إلى غابةِ الأشجارِ العملاقةِ من الأعلى…”
“همم”.
ساعدها جيليان بلطفٍ وخطا خطوة.
أرادتْ أن تمشيَ بنفسها، لكنَّ ساقَيها لا تزالانِ مرتخيتَين، فكان عليها الاتِّكاءُ عليه.
سارتْ بجانبهِ نصفَ مُجرَّةٍ.
“وماذا أيضاً؟”
كانت تستمتعُ بلمسِ قدمَيها للسجادةِ الناعمة، فسألها جيليان فجأةً:
“أيضاً؟”
“نعم، ما الذي يخيفُكِ أيضاً؟”
“مثل ما حدث للتو، أن أبقى معلَّقةً في الهواء. لم أكن أعرف، لكن يبدو أنَّني أعاني من رهابِ المرتفعات”.
“رهابُ المرتفعات؟”
“نعم، مرضٌ يجعلُكِ تخافينَ الأماكنَ العالية. حسناً، ربَّما ليس مرضاً بالضبط… المهم، هذا هو المفهوم”.
“هذا أيضاً لن تفهمَه، سيدي جيليان. أحياناً يحدثُ أن أكونَ في طريقي إلى العمل، فأنشغلُ بالتفكيرِ في شيءٍ آخر، فجسدي يذهبُ إلى المكتبِ بحكمِ العادة، لكن عقلي لا يُسجِّلُ شيئاً”.
“آه”.
“عادةً ما يُفاجأ الناس: متى وصلتُ إلى الشركة؟”
“الشركة”.
*ما في مصطلح شركة هنا، بس بيانكا ما ركزت و جيليان قاعد ينتبه لكل تفاصيل كلامها عشانه شاك فيها*
“نعم نعم، يصلونَ وهم مرتبكون. وأحياناً بعد شربِ الكحولِ الكثيرِ وانقطاعِ الذاكرة”.
لم تُدركْ بيانكا أنَّ قوَّتَها عادتْ إلى ساقَيها وأنَّها تمشي بنفسها، فقد غرقتْ تماماً في الحديث.
التعليقات لهذا الفصل " 39"