لم يسبقْ أن زارَها جيليان وهي تعيشُ كبيانكا، ولو لمرَّةٍ واحدة.
كان جيليان رجلاً بارداً من الداخلِ والخارج.
حتى تلك الرعايةُ الدقيقةُ التي تبدو خفيَّةً كانت مقتصرةً على ساعاتِ العملِ بجانبهِ فقط.
ما أن تغادرَ المكتبَ، حتى تنقطعَ كلُّ صلةٍ به.
لذلك، لم تستطعْ بيانكا فهمَ هذا الموقف.
حتى عندما اندلعَ الحريقُ قبل أيام، خرجَ وحدهُ لحلِّ الأزمةِ دون أن يُنبِّسَ بكلمةٍ لها.
بالنسبةِ إلى جيليان، لم تكن بيانكا سوليك سوى مساعدةٍ إداريةٍ بدأتْ مؤخَّراً في أداءِ عملها بكفاءة.
لكن…
“هل حدثَ أمرٌ جلل؟ أم أنَّ كلَّ الأوراقِ احترقتْ؟”
استنتجتْ بيانكا أسوأَ سيناريو في لحظة، فشحبَ وجهُها وسألتْ بذعر.
ضحكَ الرجلُ خارجَ البابِ بخفَّة:
“وهل هذه كارثةٌ كبرى؟”
“…بل هي كارثةٌ بالنسبةِ إليَّ”.
قد تبدو الأوراقُ تافهةً لمن لا يعيشُ بالسحر، لكن بالنسبةِ لشخصٍ مثلي يعيشُ معلَّقاً بحبلِ المستنداتِ كلَّ يوم، فإنَّ فقدانَ عملٍ شاقٍّ هو كابوسٌ حقيقي.
كتمتْ بيانكا شكواها التي لا تُقال، ثم سألتْ جيليان مرةً أخرى:
“إذن، ما الأمر؟ إن كنت تتكبَّدو عناءَ زيارتي، فلا بدَّ أنَّ المشكلةَ كبيرة”.
“صحيح”.
أجاب جيليان بنبرةٍ منعشة:
“هل تعلمينَ أنَّكِ مُراقَبة؟”
لكن السؤالَ التالي لم يكن منعشاً ولا ممتعاً على الإطلاق.
أشارتْ بيانكا إلى نفسها متأخِّرةً بضربةٍ واحدةٍ من الدهشة:
“أنا؟”
“نعم، أنتِ”.
“ولماذا يُراقبونني؟”
“ليس هذا هو المهم. المهمُّ أنَّ أحداً تجرَّأ ومدَّ يدهُ إلى ما هو لي”.
ماذا؟
تجمدتْ بيانكا للحظة، عاجزةً عن إصدارِ أيِّ صوت.
أنا لستُ قلمَ حبرٍ يتدحرجُ في المكتب؟
كانت تعرفُ جيداً عادةَ جيليان في وصفِ كلِّ ما يتعلَّقُ به بـ”لي”، لكنَّها لم تتوقَّعْ أبداً أن تُدرَجَ هي نفسُها ضمنَ هذه القائمة.
أم أنَّ الشعورَ بالامتنانِ لكونِها تُعتبرُ جزءاً من ممتلكاتهِ هو الأدق؟
عاطفةٌ أعمقُ من مجرَّدِ أثاث…
رائعٌ حقاً.
رغم محاولتها الدفاعيَّة، تسلَّلتْ ابتسامةٌ عريضةٌ إلى شفتَيها.
مهما فكَّرَ فيها، حرَّك جيليان أطرافَ أصابعهِ الممدودةِ كأنَّه يستعجلُها:
“تعالي”.
“نعم؟”
“أم أن لديكِ هواية في أن تُمسكَكِ أيدٍ أخرى؟”
“لا! أبداً!”
بغضِّ النظرِ عن الشعورِ بالانتماءِ والإثارةِ لكونِها له، انتابَ بيانكا قشعريرةٌ من فكرةِ الترصُّد.
كيف تكونُ لديها هوايةٌ في أن تُمسكَها أيدٍ غريبة؟
أصلاً، لم تكن تعرفُ أنَّها مُراقَبة.
قفزتْ بيانكا كأنَّها سمعتْ شتيمةً قاسية:
“مستحيل! من يُحبُّ مثلَ هذا الأمر؟”
“موقفٌ جيِّد”.
ابتسم الرجلُ الذي مدَّ يدهُ ابتسامةً خفيفةً وقال:
“إذن، تعالي”.
لم تستطعْ بيانكا رفضَ اليدِ المُعلَّقةِ أمامَها.
ما أن أمسكتْ بها، حتى جذبَها إلى حضنهِ.
“معذرة”.
حملَها جيليان كأنَّه يجمعُها إلى صدرهِ، ثم طارَ عالياً.
*استغلال الفرص*
“آه!”
ارتفعَتْ رؤيتُها فجأةً. أصدرتْ بيانكا صرخةً كأنَّها تموتُ وتشبَّثتْ به.
لم يكن عقلُها يعملُ أصلاً.
خرجتْ معهُ بعد سماعِ كلامِ المراقبة، لكنَّ بيانكا لم تجربْ يوماً تعويذةَ الطيرانِ المعروفةَ بـ”فلاي”.
*طيران = fly*
بالنسبةِ لإنسانةٍ وُلدتْ لتمشيَ على الأرض، كان شعورُ اختراقِ السماءِ لأوَّلِ مرةٍ مخيفاً إلى درجةِ الرغبةِ في الإغماء.
كلُّ ما شعرتْ بهِ هو الشعورُ بالسقوطِ المُذهلُ والريحُ المهدِّدُ الذي يرنُّ في أذنَيها.
الوحيدُ الذي يُمكنُ الاعتمادُ عليهِ هو جيليان الذي يحملُها، فزادتْ قوَّةُ يدَيها.
“بيانكا”.
“لا، لا تتركْني!”
تشبَّثتْ بيانكا بعنقهِ بيأس.
لو لم يكن ثوبُ النومِ متشابكاً، لكانت لفَّتْ ساقَيها حول خصرهِ بكلِّ سرور.
لكنَّ ساقَيها كانتا محاصرتَينِ بيدَيهِ، فلم يكن هناك خيارٌ آخر.
التعليقات لهذا الفصل " 38"