فجأةً، صارت ساقاهُ كأنَّهما غُرِسَتا في الأرضِ، صلبَتَينِ تُثقِلانِ الترابَ بقوَّةٍ لا تُقاوَم.
رفعتْ بيانكا عينَيها نحو الرجلِ الذي كان يضمُّها إلى صدرهِ كأنَّه يجمعُها إليه، وجهُها يعكسُ تعبيراً يائساً.
“سيدي جيليان، إنْ كنت بخيرٍ، فأرجو أن تُرخي قبضتَك قليلاً”.
“ولِمَ؟ أنا أُحبُّ هذا”.
أَلَستِ تُحبِّينَهُ أنتِ؟
رنَّتْ تلك الكلماتُ الخافتةُ في أذنَيها كهمسٍ حلوٍ يذوبُ فيه السكَّر.
كيف لي أن أكرهَهُ؟
أغمضتْ بيانكا عينَيها بقوَّةٍ، خوفاً من أن تُطيِّرَ عقلُها في لمحةٍ أمامَ تألُّقِ هذا الرجلِ الساحر.
“هذا الوضعُ بالنسبةِ إليَّ-“
“ممتعٌ، أليس كذلك؟ لقد تسارعَ نبضُ قلبكِ بشكلٍ مذهل”.
يا إلهي.
كادت بيانكا أن تبكيَ أمامَ صوتِ جيليان المنعشِ الرقيق.
كيف يجرؤ قلبُها على الخفقانِ بهذا الجنونِ في مثلِ هذه اللحظةِ غيرِ المناسبة؟
لامتْ قلبَها في سرِّها لصدقِهِ المُفرِط، لكنَّها كانت تعرفُ جيداً أنَّ الأمرَ خارجٌ عن إرادتها.
كانت بيانكا تدركُ تماماً ضعفَها أمامَ جيليان.
ليس لأنَّها تتذرَّعُ بالروايةِ الأصليةِ لتبريرِ خفقانِ قلبها – لا، ليس ذلك أبداً.
بل لأنَّ جيليان نفسهُ كان رجلاً ينضحُ بالجاذبيةِ من كلِّ جانب.
“إنه بطلُ الرواية”. هكذا يُقالُ، ويخرجُ التنهُّدُ عفواً من صدرها.
يبدو غيرَ مبالٍ، لكنَّه إذا ما دُققَ فيه، يتجلَّى فيه الاهتمامُ الدقيقُ والعنايةُ الرقيقة.
جسدُهُ الفطريُّ وقدراتُهُ السحريةُ لا تقلُّ روعةً عن جمالهِ الخارجيِّ.
وأن تتلقَّى امرأةٌ مثلَ هذا الاهتمامِ الاستثنائيِّ من رجلٍ كهذا في بلدِ السحرة؟
وضعٌ لا يُمكنُ إلا أن يُولِّدَ المشاعر.
شخصٌ جذابٌ على المستوى الشخصيِّ، ومُنقذٌ في الظروفِ كلِّها – مزيجٌ مثاليٌّ للسقوطِ في الحبِّ.
لذلك كانت تفهمُ تماماً لماذا كانت بيانكا الأصليةُ تتعلَّقُ بقلبهِ وتتشبَّثُ به إلى هذا الحدّ.
لذا، بدلاً من إنكارِ مشاعرها أو خداعِ نفسها بإنكارِها، قرَّرتْ أن تقبلَ أنَّ الخفقانَ طبيعيٌّ عند رؤيته، وأن تُديرَ قلبها بحكمةٍ حتى لا تتحوَّلَ إلى هوسٍ أو تعلُّقٍ كما في الرواية.
حاولتْ حتى تحويلَ هذا الخفقانِ إلى “إعجابٍ بالشخصية” فقط، لكن…
“لا يبدو أنَّكِ تكرهينَهُ أبداً”.
كيف أكرهُهُ؟
حتى تلك الكلماتُ التي كانت تُردِّدها لنفسها كنوعٍ من التنويمِ المغناطيسيِّ لم تعدْ تنفعُ مع خفقانٍ يتكرَّرُ في كلِّ مرة.
كيف يُمكنُ للمرءِ أن يكرهَ شخصاً كهذا؟
همست بيانكا موجِّهةً كلامَها نحو الجميلِ الذي يحتضنُها ويبتسمُ ابتسامةً خفيفة:
“أليس من الضيقِ في التفكيرِ أن يكونَ الخيارانِ الوحيدانِ هما أن “أحبُّ” أو “أكره”؟”
كان جيليان ينظرُ إليها كأنَّه لا يفهمُ لماذا يجبُ أن يتركَها، حقاً لا يفهم.
هذا الرجلُ الذي كان يكرهُ أن يلتصقَ به أحدٌ، حتى لو بأدنى قدر، هو نفسهُ يحتضنُها الآن…
ويرفضُ أن يتركَها؟
هل جنَّ جيليان؟
فكَّرت بيانكا بجديةٍ تامة.
عندما سألته: “هل أنت مريض حقاً في موضعٍ ما؟”، أطلق ضحكةً خافتةً وأرخى ذراعَيه، لكنَّ تعبيرهُ كان هو المشكلة.
كان وجهَه يقولُ حقاً أنَّه لا يريدُ أن يتركَها.
جيليان يريدُ أن يبقى على تماسٍ معها؟
هذا أمرٌ لا يُفسَّرُ حتى لو انشقَّتِ السماءُ عشرَ مرات.
“…”
فكَّرت بيانكا ملياً، ثم فجأةً أصدرتْ صوتَ “آه” وأضاءتْ عيناها.
قبل أحداثِ اليوم، كان جيليان قد قضى نصفَ يومٍ كاملٍ دون أن يخرجَ من الغرفةِ الصغيرةِ التي في داخلِ مكتبه – تلك التي تُستخدمُ كغرفةِ استقبالٍ ومختبرٍ في آنٍ واحد – بعد لقاءٍ منفردٍ مع نائبِ رئيسِ البرج، ريتشارد.
قد يبدو الأمرُ معقَّداً، لكنَّ تلك الزاويةَ في مكتبهِ كانت ببساطةٍ “مساحتَه الخاصة”.
يستخدمُها لإجراءِ التجاربِ عندما تخطرُ له فكرةٌ ما، أو لإجراءِ محادثاتٍ سريةٍ عند الحاجة.
وكان سببُ إنشاءِ جيليان لهذه الغرفةِ داخلَ مكتبهِ بسيطاً جداً.
لأن بيانكا قد طُردت من قِبل إينيكيل!
‘إنها شخصيةٌ تُسبِّبُ الإزعاجَ.’
كانت تعبيراتُ بيانكا، وهي تُتمتمُ بذلك، قد اكتسبتْ إشراقاً ملحوظاً يختلفُ عن لحظاتٍ مضتْ.
بدأتْ تشعرُ أنها فهمتْ سببَ تصرُّفِ جيليان الغريب.
فالسحرُ لا ينجحُ في كلِّ مرةٍ يُلقى فيها.
أحياناً، إذا ما فشل، تفقدُ المانا المُرتَّبةُ وجهتَها فتنفجرُ داخلَ جسدِ الساحر، ممَّا يُسبِّبُ صدمةً تجعلُ السحرةَ يهذونَ بكلامٍ لا معنى له، أو يفقدونَ وعيَهم ويسقطونَ أرضاً.
*شوفي أنا توي مختمة رواية كلها سوء فهم و طلعتني من مخي السليم، فرجاءا لا تستهبلين علي و افهمي قصده بدون لف ودوران *
في الآونةِ الأخيرة، كان جيليان يقضي وقتاً طويلاً في مختبره الخاصِّ المؤقَّت، حتى لو لم يكن في لقاءٍ منفردٍ مع ريتشارد.
وأخيراً… عندما كان على وشكِ الانهيارِ مرةً أخرى، كان قد خرج للتوِّ من ذلك المختبرِ الداخلي.
‘فشلٌ في التجربة!’
همست بيانكا بصوتٍ منخفضٍ و عيناها تومضان كنجومٍ لامعة.
إذا كان الأمرُ فشلاً في التجربة، فإنَّ سلوكَ جيليان الغريبَ يُفسَّرُ كلُّه.
وفشلُ التجربةِ يُسبِّبُ انفجارَ المانا داخلَ الجسد، ممَّا يُؤدِّي إلى اضطرابٍ متعدِّدِ الجوانبِ في الإدراكِ والحواس، ولا تطولُ آثارهُ الجانبيةُ كثيراً.
‘صحيحٌ، إذا ما فكَّرتُ في الأمر، فقد كان على وشكِ الانهيارِ مرةً أخرى. ‘
التعليقات لهذا الفصل " 37"