لم تعلم إليانور أي رد فعل يجب أن تبديه، فبقيت تترنح في مكانها، بينما تشنجت يداها المضمومتان فوق تنورتها من شدة الارتباك ومع اتجاه أنظار الجميع نحوها، بدأ قلبها يخفق باضطراب وقلق.
“لوغان، هل لديك ما تقوله لـإليانور؟”
سألت سيندي باستغراب حين لاحظت أن نظرات لوغان لم تحد عن إليانور أما لوغان، فقد اكتفى بتحريك شفتيه دون أن يخرج صوته في البداية.
“…… آنسة هدسون.”
وفي اللحظة التي نطق فيها لوغان باسمها، شعرت وكأن قلبها قد هوي في أعماق صدرها زاغت عيناها بقلق إثر ذلك الشعور الذي أصاب فؤادها مباشرة، واصبح دويّ نبضاتها يتردد في رأسها مع كل نفس تشهقه.
هذا مستحيل، لا يمكن أن يكون ما أفكر فيه صحيحاً.
“هل يمكننا التحدث قليلاً؟”
“عن ماذا تريد أن تتحدث؟”
ردت إليانور بنبرة هجومية بعض الشيء لم يكن هذا أسلوباً لائقاً لمخاطبة صاحب العمل، لكن قلبها كان يرتجف بشدة لدرجة منعتها من إدراك ذلك.
في تلك اللحظة، سُمع صوت فتح البوابة الرئيسية من بعيد، واندفعت سيارة بسرعة خاطفة نحو القصر؛ كانت سيارة عائلة فيتسمان.
“سيدي الدوق، الكونت والكونتيسة فيتسمان قد…”
وقبل أن ينهي جورج كلامه، نزلت جين من السيارة بهلع وأمسكت بـلوغان.
“سيدي الدوق!”
“سيدتي!”
ونزل الكونت فيتسمان مسرعاً هو الآخر، محاولاً الإمساك بزوجته التي فقدت صوابها فجأة.
“أليس كذلك؟ أخبرني أنه كذب!”
“…… سيدة فيتسمان.”
“أين ابني؟ أين آشر؟“
تشبثت جين بطرف كُم لوغان وهي تتلفت حولها بهلع، وكأنها تبحث عن أثرٍ لابنها، بينما احمرّت عيناها بشدة وهي تصارع دموعاً رفضت أن تنهمر في تلك اللحظة القاسية.
“أخبرني أنها كانت دعابة ثقيلة أرجوك، حتى لو كانت مزحة، فهذه قسوة لا تُحتمل.”
قالت جين بصوت مخنوق بالعبرات، تتوسل إليه أن يقول إن ابنها المشاكس قد دبر هذه الخدعة لكن لوغان اكتفى بالنظر إليها بأسى وصمت، دون أن ينطق ببنت شفة.
لقد فهم الجميع الآن.. آشر لم يعد.
أما سيندي، التي كانت ترمش بعدم استيعاب، فقد رفعت يديها لتغطي فمها، خوفاً من أن يظهر ذهولها بشكل غير لائق أمام الحضور.
“مستحيل، لا يمكن أن يكون مكروه قد أصاب ابني.”
“……”
“لم يُدرج اسمه في قائمة الوفيات ولو لمرة واحدة!”
صرخت جين بهستيريا وهي تضرب الأرض بقدميها، قبل أن يضمها الكونت فيتسمان ليُبعدها عن لوغان لكن قلب الأم المتلهف لم يستسلم بسهولة، ولم تتركه إلا بعد أن مزقت طرف قميصه وهي تتشبث به.
“لا يمكن أن يحدث هذا!”
“سيدتي، أرجوكِ اهدئي.”
“كيف أهدأ! وأنت تقول إن أبني قد مات! أشر.. ابني أشر قد مات!”
تعالت صرخات جين وهي تتلوى بين يدي زوجها محاولة الإفلات؛ اختفت تلك السيدة النبيلة الأنيقة، ولم يتبقَّ سوى أمٍّ تمزقها المرارة.
راقبت إليانورهذا المشهد الصادم وكأنها غريبة عنه، فكل ما يقال وكل ما يحدث بدا وكأنه بعيد تماماً عن الواقع.
“سيدي الدوق، أتوسل إليك، أرجوك.”
انفجرت جين بالبكاء المرّ، تتوسل ألا تكون أماً تفجع بموت ولدها، وتتساءل بمرارة إن كان هذا القدر حقيقياً، أليس قسوة لا تطاق؟
“سيدتي!”
وفي تلك اللحظة، فقدت جين وعيها إثر نوبة تنفس حادة سارع الكونت لإسناد جسد زوجته المنهار، بينما ركضت سيندي نحوها بذعر.
“عزيزتي.. جين!”
نادى الكونت زوجته بلهفة وهو يربت على وجنتها بخفة وبما أنه رجل عُرف برصانته وهدوئه دائماً، فقد بدا واضحاً مدى ذعره من فقدان زوجته أيضاً.
“انقلوا السيدة فيتسمان إلى غرفة الضيوف.”
أمر لوغان الخدم، فتحركوا بسرعة ونظام بعد أن كانوا يتلفتون بحيرة وتبعتهم سيندي بعد أن رمقت لوغان بنظرة سريعة، لتشرف على راحة السيدة.
“أما الكونت فيتسمان والآنسة هودسون……”
“……”
“أود التحدث معكما قليلاً.”
بعد أن اصطحبت الخادمات أوليفيا بعيداً، لم يبقَ أمام القصر سوى لوغان، والكونت فيتسمان، وإليانور.
“تفضلا بالداخل.”
سار لوغان أولاً، وتبعه الكونت، بينما لحقت بهما إليانور على مضض كانت تلك الكلمات التي لا تصدق لا تزال تتردد في أذنيها، مما شلّ قدرتها على التفكير المنطقي.
“هل أحضر الشاي؟”
“لا داعي للشاي.”
قاطع الكونت كلمات لوغان بنبرة غير معهودة.
“أخبرني عن حال أشر.”
“……”
“تحدث بصدقٍ تام، ولا تُخفِ عني شيئاً؛ أريد الحقيقة كما هي.”
بدا الكونت فيتسمان متماسكاً من الخارج كعادته، لكن ارتعاش يديه الخفيف فوق ركبتيه كان يفضح الصراع المرير في داخله.
تصرفات جين التي ألقت بأناقتها عرض الحائط، واضطراب الكونت الواضح…كل ذلك جعل تلك الأخبار المستحيلة تبدو واقعاً ملموساً، مما جعل الرؤية تضطرب أمام عيني إليانور.
“…… لقد قُتل النقيب آشر فيتسمان في اليوم الذي شنت فيه مملكة روان غارتها الجوية المفاجئة.”
بدأ لوغان حديثه بصوت هادئ، لكنه لم يستطع إخفاء نبرة الحزن العميق فيه ومع كلماته تلك، شعر الشخصان اللذان كانا ينتظران معجزة بأن آخر بصيص للأمل قد انطفأ.
“لكن الصحف ذكرت أنه لم تكن هناك وفيات…”
تحدث الكونت بكلمات متعثرة، متشبثاً بآخر أمل لديه.
“لقد كان خبراً خاطئاً سيتم تصحيح الخبر في نسخة المساء اليوم، وسيُدرج اسم آشر ضمن الوفيات.”
“هل وُجدت.. هل وُجدت جثته؟”
سأل الكونت بوجه تملأه المعاناة هز لوغان رأسه صمتاً؛ ففي ساحة المعركة، الجثث التي لا تُكتشف فوراً، من الأفضل أحياناً ألا تُكتشف للأبد، لكنه كتم هذه الكلمات في نفسه.
“انتظرتُ حتى اللحظة الأخيرة على أمل أن يظهر.”
“……”
“لكن حتى عودة جميع أفراد الوحدة الناجين إلى ليدون، لم يعد أشر إلى وحدته.”
كان إبلاغهم بحقيقة أن أشر لم يعد ولن يعود أبداً هو أقصى ما يمكنه فعله، لكنه وهو ينطق بذلك، ارتجفت حنجرته وتشنج فكه من شدة الألم.
فإذا كان ما أصاب الكونت هو موت ابنه، وما أصاب إليانور هو موت حبيبها، فإن ما أصاب لوغان هو موت صديق العمر ورفيق السلاح.
“هذا هو الشيء الوحيد الذي عثرنا عليه.”
أخرج لوغان من جيبه قلادة معدنية ذات رنين خفيف؛ كانت قلادة الهوية العسكرية وجدت إليانور نفسها، دون أي استعداد نفسي، أمام قطعة معدنية نُقش عليها ذلك الاسم الفخور والمحبوب: آشر فيتسمان.
“……”
تناول الكونت القلادة القديمة بيدين ترتجفان.
“أنا.. سأذهب لأخبر.. زوجتي بهذا الخبر..”
“تفضل.”
أجاب لوغان بسرعة، فنهض الكونت متخبطاً وغادر المكتب، وقد بدا من شدة ذهوله أنه لم يشعر حتى بارتطام ساقه القوي بالطاولة.
وبمجرد أن انغلق باب المكتب، سُمع صوت بكائه الذي لم يعد يقوى على كبته؛ وفي تلك اللحظة، واجهت إليانور الحقيقة التي لا يمكن إنكارها.
في لمح البصر، غامت الرؤية أمام عينيها، وانهمرت الدموع بغزارة فوق فخذيها.
مات؟
هل مات حقاً؟
‘عُد إليّ سالماً.‘
‘…….‘
‘سأكون بانتظارك.‘
حين سألتُه ذلك..
‘اتفقنا؟‘
وحين طلبتُ منه تأكيداً مرة أخرى..
‘اتفقنا.‘
أنت الذي ابتسمت لي بودّ قائلًا إنك ستعود لأنني بانتظارك.
“آه…….”
تركتني.
“هئ.. أوه.. هئ.”
تركتني وحيدة.
“كيف…….”
‘كيف استطعت الرحيل؟ كيف طاوعك قلبك؟’
“لا يمكن.. هذا لا يمكن أن يحدث…….”
تمتمت إليانور وهي تعتصر طرف تنورتها فوق فخذيها بقبضة مرتجفة لكن، وعلى عكس كلماتها الرافضة للواقع، انهمرت دموعها كأنها صنبور مكسور كانت قطرات الدمع التي تتساقط بلا توقف وتصطدم بظهر يدها ساخنة لدرجة الحرق.
كانت أحشاؤها تغلي، وانعقد لسانها عن الكلام لم تستطع نطق حرف واحد، واكتفت بإطلاق أنات مكتومة ومؤلمة.
‘ربما يكون من الأفضل لكِ ألا نتزوج.‘
هل كنت تعرف شيئاً؟ هل كان لديك ذلك الشعور بأنك لن تعود أبداً؟ إن كان الأمر كذلك، فما كان ينبغي لك الرحيل حتى لو شعرت بأنك أناني، ما كان يجب أن تتركني وتمضي.
تغلغل العتب الذي لم تستطع البوح به في أعماق صدرها وفي النهاية، وارت إليانور وجهها بين كفيها، واهتز كتفاها الهزيلان بعنف إثر نحيب مرير لا حيلة لها فيه.
لم يحاول لوغان تقديم أي مواساة متسرعة؛ فقد كان يدرك تماماً أنه لا توجد كلمات في هذا العالم يمكنها أن تجبر كسر فقدان شخص عزيز.
“آنسة هودسون.”
خرج صوته بصعوبة، خشناً كأنه احتكاك معدن بمعدن نظرت إليانور إلى لوغان وهي تلهث كمن استيقظ فجأة من غيبوبة.
“أنا آسفة.. أنا.. أعتذر بشدة.”
مسحت إليانور دموعها بيديها على عجلة، وانتفضت واقفة من مكانها.
وبدأت تتخبط في حركتها وتصطدم بالأثاث دون أن تشعر بالألم، تماماً كما فعل الكونت فيتسمان قبل قليل، حتى قبضت بيدها على مقبض باب المكتب.
“أوه.. هئ.”
ظن أنها غادرت بالفعل، لكن صوت نحيبها تناهى إلى مسامعه من خلف الباب؛ كان صوت بكاء متقطع يشبه صرخة احتضار، صوتٌ يمزق نياط القلب.
نهض لوغان من مكانه دون وعي، وفتح باب المكتب بحذر.
وعلى مسافة ليست ببعيدة، رأى ظهر إليانور وهي تنهار متشبثة بإطار النافذة المؤدي إلى الدرج.
التعليقات لهذا الفصل " 34"