منذ رحيل أشر، عاشت إليانور وهي لا تنتظر في حياتها سوى موعد توزيع الصحف كانت تلتهم الصحف الصباحية والمسائية على حد سواء، وبدت لمن يراها شديدة التعلق بها كأنها موظفة في دار للنشر.
“الصحيفة هنا.”
انتشرت الشائعات بالفعل بين الخدم حول إليانور التي كانت تحوم حول الباب كل صباح لاستلام الصحف، لذا كان جورج يحرص دائماً على تسليم نسخة صباحية لها بنفسه.
“شكراً لك.”
بعد أن أعربت إليانور عن شكرها لـجورج، أخذت الصحيفة وصعدت الأدراج وبمجرد دخولها غرفتها، فتحت الصفحات وكان أول ما تفقدته هو عمود الوفيات.
في تلك الخانة المأساوية، كانت هناك عدة أسماء مدرجة اليوم أيضاً لكن لحسن الحظ، لم تكن أسماء أشر فيتسمان أو لوغان كلافن من بينها.
“يا للهول، كم أنا محظوظة.”
ابتسمت إليانور بخفة بعد أن تأكدت من الأسماء مراراً بالطبع، كانت قد تلقت رسالة من أشر قبل أسبوع، كما أن وجه جورج وهو يسلمها الصحيفة لم يكن يحمل أي علامات عزاء، وهي كلها إشارات إيجابية.
ومع ذلك، لم تكن لتطمئن ما لم تتأكد من محتوى الصحيفة بعينيها.
لقد كان هذا الوسواس القهري في أفضل حالاته الآن، فقبل عام تقريباً، حين غادر آشر للتو، كان الجميع يخشى أن تصاب إليانور بجنون الارتياب.
“إليانور ، هل يمكن لـأوليف الدخول؟”
“يمكنكِ الدخول يا أوليفيا.”
طرقتان قصيرتان ثم إذن إليانور؛ لم تفتح أوليفيا الباب وتدخل إلا بعد استيفاء هذين الشرطين لقد مر عامان منذ ذلك الخريف الذي رحل فيه لوغان، وحل ربيع جديد.
خلال تلك المدة، نمت أوليفيا كثيراً، وكلما راقبتها إليانور، شعرت بالفخر وكأنها ربت طفلتها الخاصة.
“لقد وصلت رسالة من لوغان.”
“حقاً؟”
أصبحت رسائل لوغان الآن محل ترقب لـإليانور أيضاً؛ فمنذ انضمام أشر إلى وحدة لوغان، كان يروي أحياناً قصصاً عن آشر ربما كان ذلك نوعاً من اللطف الموجه لـإليانور التي ستقرأ الرسالة لـأوليفيا.
“لكن أوليفيا، يمكنكِ القراءة بمفردكِ الآن، أليس كذلك؟”
لقد تعلمت أوليفيا القراءة بالفعل ورغم أنها لم تكن تتقن الكتابة بعد، إلا أنها أصبحت بارعة في القراءة؛ فبفضل قراءة رسائل لوغان مراراً وتكراراً، نضجت الطفلة بسرعة.
“لكنني أريد قراءتها مع إيلي.”
ابتسمت أوليفيا ابتسامة عريضة أظهرت فقدانها لأحد أسنانها الأمامية لم يكن وجهاً يوحي بآنسة مهذبة، لكن طالما كانت لطيفة فهذا يكفي تظاهرت إليانور بأنها استسلمت لطلبها ودعتها للجلوس على الكرسي الفارغ.
لقد بلغت أوليفيا العاشرة من عمرها بالفعل منذ رحيل لوغان.
“كم أتساءل كيف كبرتِ الآن.”
لقد فاته من عمر هذه الطفلة التي تنمو بسرعة البرق الكثير وشعرت إليانور بشعور غريب وهي ترى ذلك مكتوباً، لأنها كانت تعلم أن لوغان سيشعر بالأسف حتماً لفوات تلك اللحظات.
<رأيتُ طفلاً في الثانية عشرة من عمره كان بنيانه قوياً مقارنة بأقرانه، لذا كذب وقال إنه في الخامسة عشرة ليتقدم كجندي متطوع وحين سمعتُ عمره، تذكرتكِ على الفور أنتِ الآن في العاشرة يا أوليفيا وبالنظر إلى جينات عائلة كلاڤن ، ستكونين طويلة القامة بالتأكيد ينتابني الفضول حيال طولكِ الآن، وأشعر بالأسف لأنني لم أشهد تلك اللحظات تولى آشر مسؤولية حماية ذلك الصغير، ويبدو أنه شعر بالقلق عليه لأنه في مثل عمركِ تقريباً كان ينوي إعادته فوراً، ولكن بما أن هناك أنباء عن قرب توقيع اتفاقية إنهاء الحرب مع مملكتي كييل و روان، فمن المقرر إبقاؤه معنا حالياً ربما سأتمكن من العودة قريباً انتبهي لصحتكِ حتى ذلك الحين أخوكِ الذي يقلق عليكِ دائماً، لوغان كلاڤن>
حملت الرسالة الرقيقة المرسلة لـأوليفيا أخباراً سارة وبما أن الكلام صادر من ضابط مثل لوغان، فهو موثوق لم تستطع إليانور منع نفسها من الابتسام وهي تقرأ.
“ربما يعود سيادة الدوق قريباً يا أوليفيا.”
“هل سيعود لوغان الآن؟”
“يقول إن ذلك محتمل.”
حين أخبرت إليانور الطفلة بذلك ووجهها يشع بالسعادة لمعت عينا أوليفيا، وارتعش أنفها الصغير من شدة الحماس كان على إليانور أن تذكرها بالتصرف كآنسة رزينة بما أنها بدأت تعليمها أصول الإتيكيت، لكنها لم تستطع، لأن تعابير وجهها لم تكن تختلف عن تعابير الطفلة كثيراً.
“يااااي!”
في النهاية، قفزت أوليفيا من مكانها وصرخت فرحاً، بينما راقبتها إليانور وهي تضحك بصوت عالٍ.
***
بالفعل، لم تكن كلمات لوغان مجرد وعود واهية، إذ سرعان ما نُشرت الأخبار لقد تصدرت الصحف أنباء جلوس مملكة كييل على طاولة المفاوضات لتوقيع معاهدة إنهاء الحرب ولم تتردد إليانور في نقل هذه البشرى السارة إلى عائلة فيتسمان.
“هل قال دوق كلافن ذلك حقاً؟”
كانت إليانور تدرك تماماً أن السيدة جين فيتسمان تعيش هي الأخرى أياماً عصيبة بانتظار أشر، والدم يجف في عروقها قلقاً لذا، حين نقلت إليها الخبر، سألتها جين بعدم تصديق وهي تستعيد أنفاسها
“يا إلهي ، لو تنتهي هذه الحرب فقط.”
لقد مر عام كامل دون أن تكتحل عيناها برؤية خصلة شعر واحدة من ابنها ولعل صلواتها اليومية التي رفعتها إلى الخالق كانت السبب في بقاء أشر سالماً حتى هذه اللحظة.
“بمجرد عودة أشر، سنقيم مراسم الزفاف فوراً يا إليانور.”
كانت صلوات جين تتلخص في رجاء واحد: أن يعود أشر سالماً، مقابل أن تلبّي له أي رغبة يطلبها وكانت تدرك أن الزواج من إليانور هو أكثر ما يتمناه قلب ابنها العائد.
“لقد عانيتِ في انتظار أشر بقدر ما عانيتُ أنا أشعر بالأسف تجاهكِ، وبالامتنان لكِ أيضاً.. هذا شعوري الدائم.”
قالت جين ذلك وهي تمسك بيد إليانور وتربت عليها بحنان.
لقد كان هذا العام كافياً لكي تراقب جين إليانور عن قرب وتتعرف عليها بعمق؛ فرغم أنها لم تكن راضية تماماً عن هذه الخطبة في البداية، إلا أنها أدركت مع مرور الوقت كم هي امرأة صالحة ونبيلة.
“لا أعتبر انتظاري معاناة يا سيدة جين.”
“وهل انتظار خطيب لا ترين وجهه أمر هين؟ كان من الممكن لقلبكِ أن يتغير مئات المرات خلال هذه الفترة.”
فالبشر يتغيرون أسهل مما يتخيل المرء، خاصة حين يجدون من يهمس في آذانهم ويغوي عقولهم، ناهيك عن وطأة الوحدة التي تهز أركان النفس البشرية حين يتركها الجميع.
“بحديثكِ هذا، أشعر وكأنني أنجزتُ عملاً عظيماً.”
“بالنسبة لـأشر ولعائلتنا، هو عمل عظيم حقاً.”
ابتسمت جين ابتسامة رقيقة، وهي تعبيرات أصبحت مألوفة الآن لدى إليانور.
“عودي لمنزلكِ بسلام، وإذا وصلت لسمعكِ أي أخبار أخرى، فأخبريني بها فوراً.”
ودعت إليانور السيدة جين وغادرت قصر الكونت بقلب مفعم بالسرور وبينما كانت تتخيل عودة أشر القريبة، بدا لها العالم بأسره مضيئاً ومبهجاً.
“خبر عاجل!”
بينما كانت تسير في الطريق لتستقل عربتها، نثر صبي يركب دراجة أوراقاً في الهواء، فتجمع الناس حولها مثل النمل التقطت إليانور ورقة طارت بعيداً حتى وصلت تحت قدميها.
“……”
<الرمق الأخير لمملكة روان هجوم بالقنابل على حدود كييل، حيث اجتمع قادة جيوش الدول للتفاوض على إنهاء الحرب.>
لم تكن هذه الأنباء سارة على الإطلاق.
شعرت إليانور بجفاف شديد في حلقها وهي تلتهم الأسطر بعينيها ذكر الخبر أن مملكة روان شنت غارة جوية مفاجئة، لكن لحسن الحظ، لم تقع خسائر في الأرواح حينها فقط، أرخت إليانور كتفيها المتشنجين وتنفست بأرتياح.
ظنت في نفسها أن الخبر العاجل القادم سيكون بالتأكيد فرحاً ومنعشاً.
طوت الورقة من المنتصف، وألقتها في سلة المهملات ومضت في طريقها.
***
بعد مرور أيام قليلة، انهارت مملكة روان تماماً، تلك المملكة التي تجرأت على معاداة المواطنين الأحرار والديمقراطية.
كما استسلمت مملكة كييل، التي حاولت استغلال أسرة روان الحاكمة لابتلاع أراضيها، ووقعت أخيراً على معاهدة إنهاء الحرب وهكذا، انتهت تلك الحرب التي استمرت لنحو عامين ونصف من المماطلة والجمود بشكل مفاجئ وغير متوقع.
“سيعود سيادة الدوق قريباً يا أوليفيا.”
ومعه آشر أيضاً.
ضحكت إليانور وهي تمازح أوليفيا التي كانت تتشبث بخصرها اليوم هو اليوم الذي سيعود فيه أخيراً جميع الجنود الذين غادروا إلى ساحات القتال؛ وهو اليوم الذي انتظرته العائلات التي ودعت أحباءها بفارغ الصبر.
“إن سيادة الدوق مذهل حقاً.”
تناهى إلى المسامع همس الخدم المعجبين، مما جعل السكرتير جيفري يهز كتفيه فخراً دون شعور منه.
راقبت إليانور ذلك المشهد المبهج قبل أن تنقل بصرها بهدوء نحو البوابة الرئيسية.
كانت تتمنى لو أنها تنتظر آشر في قصر الكونت فيتسمان، لكنها الآن، وفي نهاية المطاف، ملزمة بساعات عملها كخادمة في قصر الدوق كلافن ، وكان عليها التزام حدود واجبها.
“لقد وصل!”
فُتحت البوابة الكبيرة، ودخلت سيارة يركبها لوغان تسمرت أنظار الجميع على السيارة وهي تتجه نحو مدخل القصر.
“أهلاً بعودتك يا صاحب السيادة!”
توقفت السيارة أخيراً، وبعد لحظات، نزل منها لوغان بهندام مرتب ورغم أن علامات الهزال والتعب كانت بادية عليه أكثر من ذي قبل، إلا أنه كان من الواضح تماماً أنه عاد سليماً معافى.
“لوغان!”
قفزت أوليفيا، التي كانت تقف بجانب إليانور، من شدة الحماس ثم انطلقت راكضة نحوه قبل أن تتمكن إليانور من إيقافها.
رمت سيندي نظرة عاتبة نحو إليانور لأنها لم تمنع الطفلة، ثم تبعت أوليفيا بخطى وئيدة.
“لوغان.. والدتك في غاية السعادة لأنك عدت سالماً.”
“بفضل دعواتكِ.”
أجاب لوغان بتهذيب وهو يرفع أوليفيا بين ذراعيه.
“لقد كبرتِ كثيراً يا أوليفيا.”
“لقد اشتقت إليك.”
“هل اشتقتِ إليّ حقاً؟”
“نعم!”
أومأت أوليفيا برأسها بقوة ولفّت ذراعيها الصغيرتين حول عنق لوغان وبينما كان يهدئ الطفلة التي بدأت تتذمر وتطلب منه ألا يرحل مجدداً، تلاقت عيناه بعيني إليانور.
كانت تشعر بسعادة حقيقية لعودته سالماً، وعبرت عن ذلك بانحناءة احترام عميقة، ثم رفعت رأسها.
“……”
في تلك اللحظة، لم تستطع إليانور أن تفهم لماذا ينظر إليها بتلك العينين اللتين عجزتا عن إخفاء حزن عميق وفاجع.
التعليقات لهذا الفصل " 33"