مرّ نحو عامٍ ونصف منذ رحيل لوغان كانت أوليفيا، كلما واجهت أثرًا من آثاره، تبكي باستمرار، تبكي بكاءً مريرًا يقطع القلب.
ومهما يكن، فقد كان لوغان قد خرج إلى ساحة الحرب، ولو كان ابنًا غير شقيق.
سيندي التي كانت قد أعلنت أنها لن تحضر أي مناسبات أو حفلات شاي لفترة من الزمن، ضاقت ذرعًا بذلك البكاء، فبعد شهرين كادت أن تفرّ من القصر صحيح أن خروجها لم يعد متكررًا كما في السابق، إلا أنه كلما خرجت، كان من المعتاد ألا تعود.
“أوليفيا، هل نمتِ جيدًا…؟ هل بكيتِ مرة أخرى؟”
وهكذا، اصبح تهدئة أوليفيا من نصيب إليانور وحدها، وتحمّل شؤون المنزل من مهمة رئيسة الخدم، أما استقبال الغرباء والضيوف فكان من اختصاص كبير الخدم جورج والسكرتير جيفري.
“أشتاق إلى لوغان، يا إيلي.”
“سيستغرق الأمر وقتًا أطول حتى يعود.”
“كم؟”
سألت أوليفيا بإلحاح كانت إليانور تظن أنها، وقد اصبحت تتشبث بها في الآونة الأخيرة، نسيت لوغان، لكن تعلقها به لم يختفِ.
حين كان لوغان حاضرًا، كانت تتعلق بإليانور بلا توقف، وحين غاب، لم تعد تبحث إلا عنه.
ارتسمت على وجه إليانور ملامح حيرة أمام سؤال لا تجرؤ على الإجابة عنه، بل سؤال لا تستطيع حتى هي نفسها تخمين جوابه فقد أصبحت أوليفيا قادرة على العدّ إلى حدٍّ ما، ولو ذُكر رقم محدد، لكان الأمر أشبه بالاستهزاء بطفلة.
“لا أعلن.”
حين اعترفت إليانور بصدق بأنها لا تعلم، بدا الحزن فورًا على وجه أوليفيا.
“إيلي، لن تذهبي إلى أي مكان، أليس كذلك؟”
تعلقت أوليفيا بأكمام إليانور بيدين متوسلتين ولم تُجب إليانور بالكلام، بل اكتفت بمداعبة جبين أوليفيا برفق.
“إليانور، يبدو أن زواجنا سيتأجل إلى ما بعد الحرب.”
“إلى ما بعد الحرب؟”
“قال والدي إن أسرة الكونت فيتسمان تلقت دعمًا كبيرًا من أسرة دوق كلاڤن ، وفي ظل ذهاب ربّ الأسرة إلى ساحة الحرب، لا يصح إقامة مناسبة سعيدة.”
ومع اندلاع الحرب، تأجل زواج إليانور وآشر بالفعل.
ولم يتجاوز الأمر كونهما تبادلا وعدًا سريًا بالزواج ولذلك، لم يكن بوسع السيدة فيتسمان، ما دامت إليانور غير متزوجة بعد، أن تقرر مصيرها كما تشاء، كما أن آشر احترم رأي إليانور.
“لا بأس لديّ فأنا أيضًا أرى أن إقامة حفل زفاف ونحن نجهل سلامة سموّه أمر يفتقر إلى اللياقة ثم إن أوليفيا تشغل بالي كذلك.”
لم تستطع إليانور أن تترك أوليفيا، التي تكاد تكون وحيدة بل إنها كانت تنوي، بعد الزواج، أن تواصل تعليم أوليفيا في منصب شرفي دون مقابل.
“إيلي، لا تذهبي إلى أي مكان لا تتركيني وحدي…”
طفلة فقدت أباها في سن لا تسمح لها حتى بالتفكير السليم أمّها وجودها كعدمه، وأخوها الذي كانت تتكئ عليه، والذي كان بمثابة أبٍ لها، سلبته منها البلاد تقبلت إليانور تعلق أوليفيا بها بطيب خاطر.
“ما رأيك أن نقرأ معًا، قبل الإفطار، الرسالة التي أرسلها سموّه إليك اليوم؟”
هزّت أوليفيا رأسها موافقة كان لوغان، رغم كل شيء، يحرص على إرسال رسالة إلى أوليفيا مرة كل شهر، رغم علمه بأنها لم تعتد بعد على القراءة.
لعلّه كان بحاجة إلى من يفضي إليه بشيء ورغم معرفتها بقوة لوغان، لم تستطع إليانور إلا أن تقلق عليه قليلًا.
“هنا! وصلت رسالة جديدة أمس!”
“رسالة جديدة؟”
أخرجت أوليفيا رسالة لوغان من العلبة التي تخبئها فيها، وقدمتها إلى إليانور كانت رسالة لا تُريها حتى لأمها سيندي ، لكنها لم تضع أي حواجز أمام إليانور.
“حسنًا، ما هذه الكلمة؟”
“أوليفيا!”
أشارت أوليفيا إلى اسمها بإصبعها وابتسمت ابتسامة عريضة كانت قد بذلت جهدًا كبيرًا لتتعلم القراءة من أجل رسائل لوغان ورغم أن تعليم الآداب لم يبدأ بعد، فإن قدرتها على القراءة تطورت تطورًا ملحوظًا.
“أوليفيا، الطقس جميل اليوم.”
قرأت إليانور الرسالة بسرعة وهي تنظر إلى أوليفيا بحنان.
“أنا بخير، ولم أُصب بأي أذى، وكل شيء كما كان.”
كانت قد سمعت مؤخرًا أن الجيش في حالة جمود مع قوات كييله، لكن لحسن الحظ بدا أنه لم يُصب بأذى.
<إن منطقة الحدود قرب روان باردة، وقد تكون وجهة صيفية مناسبة لكِ لأنك لا تحبين الحر وعندما تنتهي كل الأمور، فكرت في أن آخذك إلى هنا مرة واحدة على الأقل.
لكن لبعد المسافة، لا أستطيع معرفة أحوالك هل أنتِ بخير؟ هل تعانين من أي ألم؟ وإن كان هناك ما يزعجك، فأخبري الآنسة هدسون لتخضعك للفحص الطبي فورًا.
ولا تنسي أبدًا أنني أحبك، وعيشي يومك بثقة
أخوكِ المحب، لوغان>
كانت رسالة دافئة حتى وهو يخاطر بحياته في ساحة الحرب، لم يكن يقلقه سوى سلامة أوليفيا ومع أنها قد لا تفهم كل شيء، إلا أن الرسالة خلت تمامًا من أي شكوى أو معاناة.
وبعد الانتهاء من قراءة الرسالة وخروجها من غرفة أوليفيا، رأت آشر في الردهة.
ومنذ رحيل لوغان، أصبح آشر، مع جيفري، يتولى شؤون أعماله، ولذلك كان يقيم في قصر دوق كلاڤن معظم الوقت.
“آشر.”
التفت آشر إلى إليانور وابتسم ابتسامة لطيفة.
“حضرتِ باكرًا اليوم.”
“فكرت أن نتناول الغداء معًا.”
“لكن دوقة كلاڤن الكبرى ستكون موجودة…”
أنهت إليانور جملتها بتردد فمع توليها رعاية أوليفيا، لم تعد سيندي تسعى لطردها كما في السابق، لكن ذلك لا يعني أنها تكنّ لها ودًّا.
“على حد علمي، لا يزال هناك وقت قبل بدء درس أوليفيا، فماذا لو خرجنا قليلًا وعدنا؟”
كان آشر قد لفّ ذراعه حول خصر إليانور وقبّل جبينها بخفة.
“نحن في قصر الدوق.”
ابتعدت إليانور عنه قليلًا وهي تعاتبه بنظرة ابتسم آشر ابتسامة خفيفة، متقبلًا حياء خطيبته.
“وخارج القصر، هل يكون الأمر مقبولًا؟”
“لا تُبالغ، يا آشر.”
أجابت إليانور وهي ترمقه بنظرة لا تخلو من العتاب.
***
قيل إن مطعمًا جيدًا قد افتُتح أمام محطة القطار، ولم يكن سيئًا بالفعل لم يكن الطقس قد اعتدل بعد بما يسمح بتناول الطعام على الطاولات الموضوعة خارج المتجر، لكن مجرد النظر إليها كان كافيًا ليشكّل مشهدًا جميلًا.
“هل ما تزال أوليفيا تشعر بالقلق؟”
“تشعر بالقلق إذا ابتعدتُ عنها قليلًا فقط على ما يبدو، ليس لها من تعتمد عليه داخل القصر سواي…”
أجابت إليانور وهي تضع السكين والشوكة جانبًا ولعل إدراكها لهذه الحقيقة هو ما جعلها، رغم تناولها الطعام مع آشر، تشعر بقلقٍ يدفعها إلى الرغبة في العودة سريعًا.
“هل يكون هذا الشعور ملازمًا دائمًا عند إنجاب طفل؟”
توقفت إليانور فجأة عن الحركة، وهي تتمضمض بالماء وبالمثل، كان آشر يشرب الماء، فلما تلاقت أعينهما، ابتسم ابتسامة صبيٍّ مشاكس، وضاقت عيناه مرحًا.
“سمعتُ أن هناك أزواجًا لا يستطيعون الاستمتاع بمواعيدهم كما يشاؤون بسبب ابنةٍ لا تريد مفارقتهم أبدًا.”
“…هذا حديث مبكر.”
لم يتزوجا بعد، فكيف بالأطفال؟ بل وكيف بابنة؟ شعرت إليانور بأن وجنتيها تحمران دون سبب.
وضعت الكأس جانبًا وأدارت عينيها بحرج ورغم أنها وعدت آشر بالزواج، إلا أنها كانت تشعر بالخجل كلما تحدّث عن تأسيس أسرة بشكلٍ جدي.
“سنَتزوّج فور انتهاء الحرب، أليس من الأفضل أن نرسم الصورة مسبقًا إلى حدٍّ ما؟”
ابتسم آشر، وقد ارتعشت عضلات فمه كأنما يرى إليانور لطيفة إلى حدٍّ لا يُحتمل.
“أريد أن أنجب ابنة تشبهكِ، يا إليانور.”
“…”
“أريد أن أرى طفولتكِ بعيني حين تضمّني بيديها الصغيرتين المرتجفتين، أشعر وكأنني في الجنة.”
“وماذا لو شَبِهَتْك أنت؟”
توقف آشر عند سؤال إليانور.
“ستكون ابنتك أيضًا، أليس كذلك؟ فمن الطبيعي أن تشبهك ألم تفكّر في هذا؟”
تنهّد آشر، وحكّ جبينه، وابتلع صوته في حلقه كان واضحًا أنه لم يفكر في الأمر مطلقًا، فلم تستطع إليانور في النهاية أن تحبس ضحكتها.
“لم أضع ذلك في الحسبان فعلًا.”
اعترف آشر أخيرًا بأنه لم يفكر في مسألة جيناته الخاصة كان الأمر مضحكًا.
ضحكت إليانور ضحكة مكتومة، ضحكة كان والدها تشارلز لو رآها لقال إن الريح دخلت رئتيها.
ربما لأن هذه كانت نزهة نادرة، بدت سعيدة إلى حد أن الأمور الصغيرة وحدها كانت كافية لإضحاكها.
وانسكب دفء شمس الربيع فوق شعر إليانور الأشقر المتلألئ راقبها آشر بهدوء، مستشعرًا جمالها الذي كان يلمع أكثر من أي تاج.
“عددٌ خاص!”
في تلك اللحظة، ظهر صبيّ يبيع الصحف، واضعًا قبعة على رأسه، وهو يقود دراجته في الطريق التفت جميع المارة ينظرون إليه تطايرت الأوراق الرقيقة، وتناثرت في الشارع، واندفع الناس يلتقطون الصحف بأيديهم.
“يا لها من فوضى.”
قال النادل، الذي خرج إلى خارج المطعم والتقط صحيفة وعاد بها، ثم نقر بلسانه وهو ينظر محتواها.
“ما الأمر؟”
سأله آشر
فأجابه النادل بأن ناوله الصحيفة بدلًا من الكلام.
“ما الذي حدث، آشر؟”
تحركت عينا آشر بسرعة وهو يقرأ الخبر انتظرت إليانور إجابته، وقلبها مثقل بشعورٍ غير مريح.
“يقولون إن كييلِه طوّرت طائرةً حربية قادرة على القنص من مسافة أبعد من ذي قبل.”
“…إذًا.”
“قُتل عدد كبير من الجنود، وهم بحاجة حتى إلى تجنيد الصبية الصغار.”
تجنيد الجنود الأطفال.
حدّقت إليانور، بقلبٍ شارد، في الكلمات المكتوبة على الورقة الموضوعة على الطاولة، تلك الكلمات التي كُتبت على عجل.
التعليقات لهذا الفصل " 31"