وبما أنّها ليست حربًا ذات ارتباط مباشر برِدِن، فلا علاقة لها بالشرف من الأساس. ومع ذلك، أصرّ الملك على دفع لوغان عمدًا إلى طريق الشقاء، بل وإلى فم الهلاك. كان ذلك تصرّفًا يليق بملكٍ يرتعد غضبًا كلما وُصف القصر الملكي بأنه رمزٌ للجمود والتخلّف، ويعيش في قلقٍ دائم من أن يُقدم لوغان يومًا ما على الإطاحة به.
“كما تعلم، فقد نعمَت رِدِن بالسلام طوال السنوات الماضية، ما دفع الضباط النبلاء جميعًا إلى التسريح نحن بحاجة إلى شخص يقودهم وستصلك قريبًا أوامر المشاركة في القتال.”
“فهمت.”
“لم أكن أرغب في التواصل معك إلى هذا الحد أيضًا، ولكنك تعلم الوضع……”
مهما كان الملك مجرد رمزٍ شكلي، فهو لا يزال ملكًا إن شبكة النفوذ التي يمتلكها القصر الملكي، والمتشابكة مع السياسيين من مختلف الأحزاب ومع الدول الأخرى، كانت أقوى مما يُتصوَّر ولهذا كانت أوامره تحمل وزنًا ثقيلًا ثم إن رئيس الوزراء الحالي موالٍ للملك، ولا يُرجى منه أن يرفض طلبًا كهذا.
“أفهم على الأقل، لأنك أخبرتني مسبقًا، فقد أُتيحت لي فرصة الاستعداد نفسيًا.”
ضحك ألبِن ضحكة خافتة وهو يَحكّ حلقه حتى في هذه اللحظة، ظلّ لوغان متّزنًا، لا يثور ولا يحتج، وذلك كان شأنه دائمًا.
“جلالتك.”
وبعد حديثٍ قصيرٍ لا طائل منه، أنهى لوغان المكالمة عندها انفجر جيفري، الذي كان واقفًا بجانبه يستمع بعبوسٍ إلى المكالمة، وصرخ بانفعال
“ارفض الأمر.”
لم يكن هناك ما يمنعه من الرفض فلوغان هو الوريث الوحيد لدوقية كلاڤن ، وليس له زوجة، أما أوليفيا فكانت فتاة صغيرة إن غادر لوغان إلى ساحة الحرب، فلن يبقى من يقود بيت الدوقية.
“لا أظنّ أن جلالة الملك يتخيّل حقًا أن سيندي كلاڤن قادرة على إدارة قصر الدوقية.”
سخر جيفري بحدة من عقل الملك فالحرب، وساحات القتال حيث تتطاير الرصاصات، ليست مسرحًا لاستعراضات درامية.
ومع ذلك، كان الملك يسعى لدفع لوغان إلى الحرب بدافعٍ محض من العداء الشخصي حين تذكّر جيفري ذلك، صرّ على أسنانه غضبًا ولولا أن الطرف الآخر هو الملك نفسه، لانهال عليه بالشتائم بلا رحمة.
“آشر سيبقى هنا وسيساعد كثيرًا أما الشؤون الداخلية فستديرها سيندي كلاڤن ، وإن أوصينا السيدة فيتسمان، فستولي الأمر اهتمامًا أيضًا.”
حدّق جيفري بوجهٍ خاوٍ في لوغان وهو يشعل سيجاره بهدوء كان واضحًا أنه ينوي الامتثال لأمر المشاركة في القتال دون أي اعتراض.
هل يعقل هذا؟ لم تكن رِدِن خالية من الجنود، ومع ذلك أصرّوا، وبكل خبث، على جرّ رجلٍ مُسرَّح من الخدمة إلى ساحة الحرب يا له من ملكٍ حقير وضيق الأفق! ليت الربّ يأخذه ويُريح البلاد منه!
ارتجف جيفري وهو يكتم سيلًا من اللعنات والدعوات السوداء التي لم يجرؤ على التلفّظ بها.
“اخرج واسترح قليلًا، جيفري.”
قال لوغان مبتسمًا ابتسامة خفيفة، مشيرًا بذقنه نحو الباب، وقد فهم تمامًا ما يدور في خاطر سكرتيره أدرك جيفري أنه بالغ في انفعاله، فانصرف دون اعتراض.
سحب لوغان نفسًا عميقًا من سيجاره ثم أخرجه ببطء كان يبدو متماسكًا أمام جيفري، لكن من ذا الذي يرغب حقًا في الذهاب إلى الحرب؟ في داخله، كان شعوره معقّدًا ومضطربًا.
“……”
غير أن كونه نبيلًا كان الأساس الذي قامت عليه حياته منذ البداية وحتى في عصرٍ يتجه نحو الحداثة، بقيت تلك القشرة البالية قائمة ولم يكن يجهل أن ما ناله من امتيازات وما سبقه به غيره إنما كان بفضل لقبه.
فكيف له أن يتمتّع بكل تلك الامتيازات، ثم يتنصّل من واجباته حين يحين وقتها؟ كان ذلك أمرًا غير مقبول ذاك شرفه، بصفته جنديًا ونبيلًا معًا وكان الملك، رغم كراهيته للوغان، يعرفه حق المعرفة؛ ولذلك بالذات أجبره على العودة إلى الجيش.
لا مفرّ من الأمر كان عليه تقبّله وما دام كذلك، فمن الأفضل أن يُنهي ما تبقّى من شؤونه، ثم يتقبّل واجبه بهدوء ورباطة جأش هكذا قرر لوغان.
“سيدي.”
قطع طرقٌ خفيف على الباب سلسلة أفكاره أصغى لوغان إلى صوت جورج القادم من الخارج.
“السيد آشر فيتسمان قد وصل.”
وبدا من قدومه المتعجّل أن آشر قد سمع بالأمر هو الآخر.
“دعه يدخل.”
قال لوغان وهو يُطفئ سيجاره وما إن فُتح الباب على مصراعيه، حتى دخل آشر إلى المكتب مسرعًا، وربطة عنقه معوجّة.
“هل سمعتَ بالخبر؟”
“إن كنتَ تقصد الحرب.”
أجاب لوغان بهدوء كان صدر آشر يعلو ويهبط بعنف من شدّة انفعاله، وكأنه هو من سيُزجّ به في ساحة القتال.
“ستذهب إلى لُوَين؟”
“نعم، سأذهب.”
“أعلم أنك لا تختار طريق الهروب، لكن هذا مختلف هذا ليس صحيحًا.”
قال آشر محاولًا إقناعه.
“وماذا إن حدث لك مكروه؟”
“هناك من يحمل اسم كلاڤن غيري تستطيع سيندي كلاڤن أن تُلحق أحد أبناء العمومة بالأسرة ليواصلوا السلالة.”
كان كلام لوغان أقرب إلى الجنون لم يجد آشر ما يقوله، فاكتفى بالتحديق فيه مصدومًا.
“لكنني سأعود سالمًا.”
“……”
“لذا، لا تقلق كثيرًا.”
شعر لوغان بالامتنان والذنب معًا تجاه آشر، الذي كان يقلق عليه دون أن يعلم بما يكنّه قلبي من مشاعر تجاه حبيبته.
“يؤسفني أنني سأغادر دون أن أشهد زفافكما، لكنني أتمنى لكما حياة سعيدة.”
لعلّ ذلك الشعور الآثم كان عقابًا بحد ذاته وضع لوغان يده بخفة على كتف آشر، وارتسمت على شفتيه ابتسامة واهنة.
***
كان الجو في رِدِن مضطربًا ومشحونًا حربٌ… مجرّد ذكرها كان كافيًا لإثارة الخوف فحتى وإن لم تكن دائرة على أرض رِدِن نفسها، يبقى الجنود المتوجهون إليها أبناءً لعائلاتٍ تنتظرهم، ولا بد أن يعتري القلق قلوب من يخلّفونهم وراءهم.
وقد كان هذا الاضطراب أشدّ وطأة في قصر دوق كلاڤن على وجه الخصوص فسيّد القصر، الذي لا زوجة له ولا أبناء بعد، كان ذاهبًا إلى ساحة الحرب، ولم يكن ذلك بالأمر الهيّن.
«قالوا إنهم سيعيدون لوغان إلى الجيش ويرسلونه إلى الجبهة.»
«ماذا؟ دوق كلاڤن نفسه؟»
ثم إن الحرب لم تكن سوى في بدايتها، ولا أحد يعلم متى ستنتهي صحيح أن هناك من يتوقّع أن تنتهي سريعًا بسبب الفارق في القوة بين العائلة المالكة في لُوَين وكِييلي من جهة، والدول الثلاث من جهة أخرى، ولكن…
“ومن ذا الذي يستطيع التنبؤ بمصائر البشر؟”
تمتمت الخادمة روزي، التي جاءت بطعام إليانور، وكأنها تشكو همًّا ثقيلًا وبحكم إقامتها الطويلة في قصر كلاڤن، نشأت بينها وبين بعض من يقيمون فيه علاقات أُلفة وقرب.
“علينا أن نؤمن بأنه سيعود سالمًا.”
قالت إليانور بصوتٍ مفعم بالمرارة صحيح أن العلاقة بينها وبينه لم تتجاوز حدود علاقة صاحبة عمل بخادمة، لكنها كانت قد تبادلت معه الحديث غير مرة، ولم يكن خبر مشاركته في الحرب باعثًا على السرور.
“سيغادر مع الفجر، أليس كذلك؟”
ثم إنه كان السند الوحيد لأوليفيا ألا توجد وسيلةٌ ما للدعاء بسلامته؟
“……”
فتحت إليانور درج منضدة الزينة، وأخرجت بعزمٍ خاتمًا واحدًا كان خاتم مسبحةٍ ورثته عن والدتها.
“سيدي، أنا إليانور هدسون.”
توجّهت إليانور إلى مكتب لوغان.
“الآنسة هدسون؟”
فتح لوغان الباب بنفسه، وقد بدا عليه الاستغراب من هذا الزائر غير المتوقع رفعت إليانور نظرها إليه بملامح هادئة.
“تفضّلي بالدخول… آه، لم تزل رائحة السيجار بعد…”
توقّف لوغان عن الكلام فجأة صحيح أنه كان قد حسم أمره، لكن ادعاء الهدوء قبل التوجّه إلى ساحة الحرب لم يكن إلا كذبًا على النفس لذلك ظلّ يمسك بالسيجار طوال الوقت.
“لن أستغرق وقتًا طويلًا جئت فقط لأعطيك هذا.”
أغلق لوغان باب المكتب، ووقف في الممرّ قبالة إليانور وكان الليل قد أرخى سدوله، فتسلّل ضوء القمر الخافت إلى أرجاء الرواق.
“سمعتُ أنك ستتوجّه إلى لُوَين.”
“……”
“أعلم أنك ستعود سالمًا، لكنني أردت أن أقدّم دعائي.”
أخرجت إليانور خاتم المسبحة بحذر، ووضعته على راحة يدها، ثم نظرت إلى لوغان.
“هذا خاتم مسبحة ورثته عن والدتي كانت تستخدمه دائمًا للدعاء بالصحة والسلامة، فظننتُ أنه سيكون أبلغ من صلاةٍ مجرّدة.”
هل سيقبله؟ كان قرارها مفاجئًا، لكنها لم تستطع منع نفسها من إحضاره، رغم أنه بدا بسيطًا لا يليق بدوق كما أنه بدا مستهلكًا من كثرة الاستعمال، وفوق ذلك، كان صغيرًا على يده.
“إن لم تكن بحاجة إليه، فلا بأس إن لم تأخذه كل ما أتمناه هو أن تعود سالمًا…”
احمرّ وجه إليانور حين رأت لوغان يحدّق في الخاتم بصمت وفي اللحظة التي همّت فيها بسحب يدها المرتجفة
“شكرًا لكِ، آنسة هدسون إنه هدية أثمن من تلك القلادة.”
مدّ لوغان يده وأخذ الخاتم منها وفي تلك اللحظة القصيرة، لامست أطراف أصابعه الصلبة راحة يدها الناعمة، ثم ابتعدت.
“سأعود سالمًا.”
“…… نعم. أنا واثقة من ذلك.”
“أرجو أن تعتني بأوليفيا إلى أن أعود.”
قالها لوغان بصوتٍ هادئ.
“لا تقلق بشأن أوليفيا سأبذل قصارى جهدي في رعايتها حتى تعود، سيدي.”
أجابت إليانور على عجل، إذ لم تُرِد أن تترك في قلبه أي همٍّ وهو يغادر.
نظر لوغان إليها وابتسم ابتسامة لطيفة كانت ملامح لم تعهدها منه من قبل، فتيبّست إليانور لا شعوريًا.
“حسنًا ، إذًا لا داعي للقلق.”
“……”
“أخشى أنني لن أتمكّن من حضور زفافك على آشر أعتذر أتمنى لكِ حياةً طيبة وصحة دائمة.”
عضّت إليانور على شفتيها وهزّت رأسها في الحقيقة، لم تكن تعلم بأي شعورٍ فعلت ذلك.
وفي موسمٍ تفوح فيه رائحة الرياح الجافة، غادر لوغان إلى ساحة حرب لُوَين، وسط وداع الخدم الذين تمنّوا له الحظّ والسلامة وقبل رحيله، لم يترك على جبين أوليفيا—التي كانت تبكي بحرقة دون أن تفهم إلى أين يذهب أو متى سيعود—سوى قبلةٍ قصيرة.
التعليقات لهذا الفصل " 30"