كان الأمر أشبه برياحٍ عاتيةٍ هبّت فجأة، فدارت قرب النافذة مُطلِقةً أزيزًا خافتًا، فاختلط صوتها في السمع حتى خُيِّل أنّه صوتُ إنسان لم تستطع إليانور أن تنطق بكلمة، واكتفت بأن ترمش ببطء كان آشر يبتسم، كما يفعل دائمًا.
“أدرك أنّ الأمر متسرّع فنحن لم نرتبط رسميًّا منذ وقتٍ طويل.”
“….”
“لكن يا إليانور، لا أريد أن أراكِ غير سعيدة ولا أريد أيضًا أن أقف مكتوف اليدين فأخسركِ.”
هل هدّد تشارلز آشر هو الآخر بإرسالها إلى زوجةٍ ثانية؟ لعلّ ذلك ما جعل آشر يخشى فقدانها ارتسمت على وجه إليانور مسحةُ حزن.
“إليانور.”
“هل تفعل هذا لأنّك تشفق عليّ، لأنّني قد أُباع كما تُباع السلع؟ إن كان الأمر مالًا، فسأدبّره بأيّ طريقة وأرسله إلى أبي…”
عبست ملامح آشر عند نبرتها القاسية المتعمّدة.
“إليانور كما أنتِ، أنا أيضًا نبيل، وأحبّ العائلة التي أنتمي إليها ولهذا فأنا واقعيّ إلى حدٍّ ما، وأنانيّ أيضًا.”
لكن يبدو أنّ السؤال لم يكن خارج توقّعاته تمامًا.
أطلق آشر زفرةً خفيفة، ومدّ يده إلى خدّ إليانور كان التورّم قد زال كلّيًّا، فلم يبقَ على بشرتها الناعمة أيّ أثرٍ للعنف، ومع ذلك انضغط خدّها تحت كفّه القويّة.
كان ملمس خدّها اللين على جلده يزيدها ألمًا من الداخل.
وزاد عجزه عن فهم تشارلز، الذي كان قد هجم بتلك اليد العريضة ذات العظام الصلبة على جسدٍ هشّ بلا رحمة مدّ آشر يده الأخرى، وأمسك خدّي إلينور معًا، ورفع وجهها لتنظر إليه.
“يُقال إنّ الحبّ يقوم، إلى حدٍّ ما، على التعاطف لكنّي لا أتّخذ قرارًا قد يكون أعظم قرار في حياتي، وهو الزواج، بدافع الشفقة وحدها لستُ رحيمًا إلى هذا الحدّ.”
حين لامس خدّها الناعم بشرته، ازداد اضطراب قلبها ومع ذلك ظلّ صوته ثابتًا.
“قد يكون اندفاعًا، لأنّي أتصرف بهذه العجلة أعترف بذلك.”
“….”
“لكن حتّى في اللحظة التي تتكلّمين فيها بقسوة عن نفسك، تبدين لي مؤثّرةً ومحبوبة إلى هذا الحدّ… لدرجة أنّني لا أمانع أن أنساق وراء هذا الاندفاع.”
اندفاع، حبّ، حماية، شفقة كانت كلّها متشابكة لكن حين اعترف بصراحة بأنّ مشاعره خليطٌ من ذلك كلّه، شعرت إليانور بالراحة على نحوٍ غير متوقّع.
فالحبّ الذي يتحدّث عنه شخص قادر على النظر إلى مشاعره بموضوعيّة كهذه، لا يمكن أن يكون ضعفًا عابرًا، بل لا بدّ أن يكون صادقًا.
“إليانور، أليست مشاعركِ كذلك أيضًا؟ في تلك الليلة التي اخترتِني فيها، ألم تفكّري بهذا الشكل؟”
“…ألن تندم؟”
سألت إليانور بتردّد ، ابتسم آشر ابتسامةً خفيفة، كأنّه تلقّى سؤالًا يحمل نصف موافقة.
“أنا جبانه لا أريد أن أترك اليد التي امتدّت إليّ في هذه اللحظة، لا أملك خيارًا أفضل من هذا، ولا أستطيع أن أظلّ أهرب من أبي إلى الأبد…”
تكلّمت إليانور على عجل، وكأنّها تحذّره.
إن كان ما يقوله صادقًا، فهي لا تريد له أن يفرّط في هذه الفرصة وإن كان سيشعر بالندم، فعليه أن يتراجع الآن، قبل فوات الأوان.
“يقولون إنّ الندم يرافق أيّ اختيارٍ في الحياة لكن يا إليانور، إن خسرتكِ، فسأندم أكثر بكثير ممّا سأندم عليه لو اخترتُ الآن.”
لكن بدلًا من التراجع خوفًا من مستقبلٍ لم يحدث بعد، اقترب آشر خطوةً أخرى.
“إذن، ما جوابكِ؟”
“….”
“هل تقبلين أن تكوني زوجتي؟”
كانت المسافة بينهما قريبةً حدّ التقاء الشفاه ومع كلّ كلمةٍ ينطق بها، كان نَفَسه الدافئ يلامس شفتيها حتى إنّ شفتيهما كادتا تتلامسان.
“حسنًا.”
كادت الدموع تنهمر.
لم تستطع أن تصدّق أنّ نتيجة اندفاعٍ عابرٍ، سلّمت نفسها له للحظةٍ قصيرة، قد عادت إليها في صورة آشر فيتسمان.
“آشر… أنا سعيدة جدًّا.”
كانت سعيدةً إلى حدٍّ يفوق التصديق.
وحين أجابت إليانور بصوتٍ مرتجف، أطلق آشر ضحكةً خفيفة، ثم جذب جسدها الصغير إلى صدره دون تردّد، وأطبق شفتيه على شفتيها.
وبادلته إليانور العناق، فلفّت ذراعيها النحيلتين حول عنقه.
وانزلق الشال البيج الذي كان يلتفّ حول كتفي إليانور، ليسقط على الأرض برفق، كأنّه دموعٌ هادئة.
***
سخر لوغان من وضعه، إذ وجد نفسه مضطرًّا إلى مشاهدة تصرّفاتٍ مخجلة بين عاشقين تجري في الفناء الأمامي لقصره.
لم يكن يقصد التلصّص عمدًا لكن صدره كان مثقَلًا على غير عادته، فذهب يدخّن السيجار واحدًا تلو الآخر حتى امتلأت الغرفة بالدخان الخانق، ولم يجد بدًّا من تهويتها.
وقد حلّ الليل وانعدم ضوء الشمس، فظنّ أنّه سيخرج قليلًا ليستنشق بعض الهواء النقيّ ريثما يتمّ التهوية.
“….”
لذلك لم يتوقّع أن يكون آشر، الذي جاء دون أن يخبره، في الحديقة، ولا أن يكون قد أتى بحثًا عن إليانور لينغمس معها في لعب العشّاق.
لا يوجد أحمق يرغب في مشاهدة المرأة التي يحبّها وهي تتحادث مع عشيقها بودّ، وتعانقه، وتلامسه، وتبادلُه القُبل.
ولوغان لم يكن أحمقًا قطّ كلّ ما في الأمر أنّه عجز عن انتزاع نظره الذي كان ينجذب إلى إليانور بلا وعي.
إليانور، تلك المرأة ذات الشعر الأشقر المتلألئ كالشمس، كانت جميلةً ومحبوبة إلى حدٍّ لا يُقاوَم.
“ما الذي أرجوه من رؤية هذا المشهد أصلًا؟”
في الحقيقة، كان قد أقدم على ذلك وهو يتوقّع الألم سلفًا تنفّس لوغان زفرةً خافتة.
فقبل أيّام قليلة فقط، كان آشر قد كشف له عن عزمه الصارم، ولذلك لا بدّ أنّه جاء اليوم ليتقدّم لإليانور بطلب الزواج ومن ذلك العناق الذي بدوا فيه كأنّهما جسدٌ واحد، كان واضحًا أنّ إليانور قد قبلت عرضه بسعادة.
أصبح زواجهما الآن أمرًا واقعًا لا يكاد يُناقَش.
فمن غير المعقول أن يتقدّم آشر بطلب الزواج من دون نيل موافقة والديه قريبًا سيبدآن التحضير لزواجهما، وسيكون نصيب لوغان أن يحضر حفل الزفاف ضيفًا، يصفّق لهما لا أكثر.
“ما أتعسك يا لوغان كلاڤن.”
سخر من نفسه، وهو يؤدي دور المتلصّص، ورفع يده ليغطي عينيه وحين غابت الرؤية، انسابت الصور في خياله تلقائيًّا.
امرأة أشبه بملاك، ترتدي فستان زفاف أبيض ناصع تقسم الحبّ أمام جمعٍ غفير من الشهود، ثم تصبح في نهاية المطاف زوجة رجلٍ آخر—إليانور هدسون.
ما إن تخيّل تلك اللحظة حتى شعر بألمٍ نابض في صدره خرجت منه زفرةٌ ممزوجة بالوجع دون أن يشعر لم يكن هذا مجرّد تخيّلٍ غائم كما في المرّة السابقة، بل واقعٌ يقترب منه على نحوٍ لا مهرب منه.
“حقًّا…”
فهي ستتزوّج آشر بالفعل، وتصبح رسميًّا امرأة رجلٍ آخر إلى الأبد، ومن دون أيّ احتمالٍ آخر.
حين أدرك ذلك، جفّ حلقه فأن تتوقّع النهاية على نحوٍ مبهم شيء، وأن تراها ماثلةً أمامك شيء آخر تمامًا.
ومع ذلك، لم يكن بوسع لوغان أن يفعل شيئًا.
كان يحبّ آشر ويقدّره بصفته صديقًا مقرّبًا لم يستطع أن يعرقل زواج أقرب أصدقائه إليه، ولا أن ينتزع إليانور منه بخسّة.
ولم يكن يملك القدرة على إعادة الزمن إلى الوراء لم يتبقَّ له سوى أن يراقب من بعيد عاشقين سعيدين، لا أكثر.
تسلّل إلى ذهنه وجه أبيه، الذي عانى طويلًا لأنّه لم ينل قلب سيندي، رغم أنّه وهبها كلّ شيء كانت تلك اللحظة، التي تزعزع فيها أبوه—الذي ظنّه دومًا قويًّا وشجاعًا—بسبب شعورٍ واحد، صدمةً للوغان أيضًا.
“لوغان، لا تفقد نفسك مهما كان.”
لكن لا، لا ينبغي له أن يكون كذلك فالبؤس يكفيه، ولا حاجة لأن يزيده ابتذالًا استدار لوغان وهو يفكّر بذلك، وأسند ظهره إلى درابزين الشرفة، مطلقًا زفرةً طويلة.
“يكفي أن أقع أنا في مثل هذا الخطأ.”
أظلم وجهه وهو يستحضر ملامح أبيه حين اعترف بحبّه لسيندي كلاڤن، التي اتّخذها زوجةً ثانية.
آنذاك لم يفهم لوغان ما الذي كان يقوله أبوه، ولا ما معنى الحبّ أصلًا، فاكتفى بالنظر إليه باستغراب غير أنّ أباه تلقّى نظرة ابنه غير الراضية بهدوء.
“لعلّ العيش دون أن تعرف ما هو ذلك الشعور، أفضل أحيانًا.”
كان محقًّا إن كان مجرّد إدراكه مؤلمًا إلى هذا الحدّ، فربّما كان الجهل به أهون هل كان قلب أبيه آنذاك يشبه قلبه الآن؟ لم يعد لوغان قادرًا على معرفة ذلك، إذ لم يعد بإمكانه لقاء أبيه.
“لا بأس إن لم تفهمني.”
“…أبي.”
“لوغان، أرجوك، لا تكره سيندي كثيرًا واعتنِ بأوليفيا، واعتبرها أختك.”
كان ذلك كلّ ما طلبه منه وهو على فراش الموت، يلهث بأنفاسٍ متقطّعة لم يكن قلقًا على ابنه الذي كبر وبات قادرًا على شقّ طريقه، بل على حبيبته وما سيبقى منها بعده.
ورغم أنّ لوغان لم يفهم تمامًا ماهيّة ذلك الشعور العميق، فقد التزم بوصيّة أبيه، وعاش محترمًا سيندي وأوليفيا حتى اليوم.
بل إنّ ملامح أبيه كانت تنعكس في وجه أوليفيا كثيرًا، فكان يشعر تجاهها أحيانًا بدفء العائلة.
ومع ذلك، فإنّ تحمّله لسيندي، التي دأبت على قسوة معاملة أوليفيا وإيذائها، وإبقائها ضمن العائلة، لم يكن إلا وفاءً لوصيّة أبيه.
“….”
التفت لوغان بهدوء إلى الخلف.
لم يعد العاشقان، اللذان خطفا بصره، في المكان وكما حدث بعد وفاة أمّه ثم أبيه، بقي وحده مرةً أخرى—مراقبًا فقط—في مواجهة حبٍّ غامر بالفرح.
كان هناك أمرٌ واحد على الأقلّ بات واضحًا له.
رجال دوقية كلاڤن لم يُكتب لهم الاقتراب من الحبّ سيندي كلاڤن لم تحبّ جاستن كلاڤن حتى النهاية وكذلك، فإنّ مشاعر لوغان كلاڤن لن تلقى أبدًا جوابًا من إليانور هدسون، التي تستعدّ للزواج.
رفع لوغان رأسه.
كانت النجوم المرصوصة في السماء تتجمّع كأنّها نهرٌ طويل من الأمل سماء سوداء، كأنّ حبرًا داكنًا سُكب فيها، تفتح فمها وتلفظ النجوم المتلألئة كما لو كانت تتقيّأ الضوء.
كانت النجوم تنهمر بلا غاية جميلةً… على نحوٍ مأساوي.
التعليقات لهذا الفصل " 28"