عند تصريح آشر القنبلة، خيّم الصمت على غرفة الطعام حتى الخدم الذين كانوا يقفون إلى الجانب لمساعدة الضيوف أثناء الأكل تجمّدوا في أماكنهم كالجليد، عاجزين عن الحركة.
“لا بدّ أن تكون هناك امرأة، أليس كذلك؟”
غير أنّ جين، والدة آشر، ردّت ببرود وهي تواصل تقطيع طعامها بالسكين.
قبل مدة قصيرة طلبت منه أن يصطحب شريكةً إلى حفل زفاف الأميرة دافني، فإذا به ينتهي إلى اصطحاب ابنة عمه بدلًا من ذلك لم ينطق ابنها بشيءٍ صريح، لكن الأمر لم يكن سوى دليل على أنّه قد رُفض.
“هناك امرأة.”
اختلّت يد جين.
كيييك—صدر صوتٌ مزعج حين احتكّ السكين بالصحن كان ضجيجًا قريبًا من الصدمة.
“ماذا؟ ألم تذهب إلى المناسبة الملكية مع ابنة عمّك؟”
“كان ذلك لظرفٍ خاص فقط.”
“هل تقول إنّك تواعد فتاة؟”
هزّ آشر رأسه بوجهٍ حاسم.
“مَن، مَن هي؟”
سألت جين وهي تتلعثم دون أن تشعر خفق قلبها بقوّة، ظنًّا منها أنّ هذا الابن الطائش سيستجيب أخيرًا لأمنيتها.
“قلت لك، أيّ فتاة هي؟!”
“عزيزتي، اهدئي.”
ربّت إيرل فيتسمان على زوجته المتهيّجة، ثم وجّه نظره إلى آشر ورغم تظاهره بعدم الاكتراث، بدا أنّه هو أيضًا فضوليّ إلى حدٍّ لا بأس به بشأن أمر ابنه الثاني لم يُجب آشر فورًا، بل أشار بيده إلى الخدم أن ينسحبوا جميعًا.
“إنّها الآنسة إليانور من عائلة فيكونت هدسون.”
“عائلة فيكونت هدسون؟”
عقدت جين حاجبيها قليلًا، وهي تلوك اسم العائلة الذي نطقت به للتوّ.
“ذلك الفيكونت المتحجّر في كينت؟”
“نعم.”
وضع آشر السكين والشوكة على الطاولة، وكأنّه لا ينوي الأكل على الإطلاق بعد الآن.
“أتقصد الفتاة التي رافقها دوق كلاڤن مؤخرًا؟”
سأل إيرل فيتسمان بنبرةٍ جادّة، وهو يحدّق في وجه ابنه.
“نعم ، لكن لا توجد بينهما أيّ علاقة من أيّ نوع أستطيع أن أؤكّد ذلك.”
أجاب آشر بحزم فتخلّى إيرل فيتسمان فورًا عن الفكرة التي خطرت له؛ فحين يجيب آشر بهذه القطيعة، فهذا يعني أنّ الأمر ليس كذلك فعلًا.
غير أنّ المشكلة لم تكن مجرّد كون إليانور على علاقة بلوغان أم لا.
“أمّي.”
“عائلة فيكونت هدسون، حتى لو كانت مشهورة في الماضي، فإنّها الآن…”
حرّكت جين أنفها بتعبيرٍ غير راضٍ صحيح أنّها قالت لآشر إنّ بإمكانه إحضار أيّ فتاة، لكن زواجًا غير متكافئ لم يكن أمرًا مرحّبًا به.
ورغم رؤيتها التعبير الذي يدلّ على أنّها لا تصدّق ما سمعته، ظلّ آشر وقحًا بلا تردّد.
“على أيّ حال، اللقب سيؤول إلى أخي الأكبر، لذا فليس سيّئًا أن أدخل كزوجٍ مقيم في عائلة فيكونت هدسون، ثم أرث لقب الفيكونت لاحقًا.”
كان ذلك تهديدًا صريحًا حدّقت جين في ابنها الذي ألقى بالقنبلة، وفمها مفتوح دون وعي.
حتى إيرل فيتسمان بدا غير قادر على تصديق الحزم الذي أظهره ابنه، الذي لم يكن يومًا سوى لطيفٍ ووديع كان الأمر مباغتًا إلى حدٍّ أنّ فكرة توبيخه لم تخطر لهما أصلًا.
“إنّها امرأة طلبتُ لقاءها وأنا أفكّر في الزواج منها.”
“….”
“وأبي علّمني دائمًا أنّ المرء يجب أن يفي بما ينطق به فإن لم أستطع الوفاء بما وعدتُها به، فماذا أكون إذًا؟”
همهم إيرل فيتسمان متأوّهًا وأطبق فمه.
كان ذلك صحيحًا فعلًا، لذا لم يجد ما يقوله ردًّا ثم إنّ هناك بالفعل الابن الأكبر الذي سيرث اللقب، فلم يكن من الضروري أن يفرض على آشر زواجًا مناسبًا هو الآخر.
لكن إيرل فيتسمان رأى أيضًا أنّه لا داعي لإغضاب زوجته فألقى نظرة خاطفة على ملامحها.
“هل تقدّمتَ لها بطلب الزواج بالفعل؟”
“ليس بعد.”
“ماذا؟”
لم يتقدّم بطلب الزواج بعد، ومع ذلك يطلب الإذن بالزواج؟ أيّ منطقٍ هذا؟ في النهاية عبست جين وجعدت جبينها الأملس.
“لا أريد أن أحضر إليانور إلى المنزل دون أيّ استعداد، وأعرّضها لمعارضتكما.”
كان يخطّط لأن يزيل كلّ أسباب الرفض أولًا، ثم يتقدّم لخطبتها ويأتي بها إلى البيت، خشية أن يجرح قلب إليانور.
وحين أدركت جين للمرّة الأولى أنّ ابنها قد يكون دقيقًا إلى هذا الحدّ، وضعت يدها على جبينها بملامح مرهقة.
كرجلٍ، لا شكّ أنّه لا يوجد من هو أكثر اعتمادًا عليه من هذا الحدّ…
لكن كابنٍ، فالأمر مختلف.
“ستمنحانني الموافقة، أليس كذلك؟”
يُقال إنّه لا يوجد طفل لا يورّط والديه ولو مرّة واحدة في حياته ، أطلقت جين ضحكةً قصيرة خاوية.
***
خفَّ تورّم خدّها بعد يومٍ واحد لم يبقَ ألمٌ ولا ندبة، فبدت من الخارج وكأنّ شيئًا لم يكن غير أنّ داخلها كان فوضى عارمة.
هذه المرّة واجهت آشر وتراجعت فحسب، لكن إلى متى سيفعل هو الشيء نفسه؟ باسم الأب كان بوسعه أن يجرّ إليانور ويُجبرها على الزواج إن شاء، ولم يكن ذلك ليعجزه تلك كانت إرادة تشارلز، وكان القانون يقف إلى جانبه.
ثم إنّ آشر، الذي لم تلتقِه منذ ذلك الحين، عمّا يفكّر الآن؟ هل تملك هي، التي منحت أوليفيا صدمةً أخرى متنكّرة في هيئة تجانسٍ في المعاناة , أيّ أهلية لأن تكون معلّمة؟
“هاه….”
جلست إليانور أمام طاولة الزينة، ودفنت وجهها بين كفّيها وأطلقت زفرةً عميقة.
‘آنسة إليانور، وصلت رسالة.’
كان مرسل الرسالة التي ناولتها إيّاها إحدى الخادمات هو آشر.
لم تجرؤ إليانور على فتحها وقراءتها، وتركتها مهملةً أيامًا لم يكن لديها الشجاعة لقراءة الرسالة التي أُرسلت إليها أولًا ماذا لو أنّ آشر، بعد أن شهد سلوك العائلة الفجّ، نفر منها وفقد مودّته لها…؟
لا، آشر ليس من ذلك الصنف.
ومع ذلك، حين تقلب الموقف في ذهنها، بدا أنّ ذلك ممكن أيضًا.
“…لماذا لا يأتي ليراني؟”
لهذا كانت ممتنّة لأنّه لم يأتِ لزيارتها، وفي الوقت نفسه قلِقة إنّ اجتماع تدنّي تقدير الذات مع كبرياء مفرط بالنفس لا ينتج إلا هشاشةً مقلقة كهذه.
كان الأجدر بآشر أن يلتقي امرأةً أفضل منها وما دام الأمر قد آل إلى هذا، فالأصحّ أن يطوي مشاعره الآن، قبل أن تتعمّق أكثر، ويتركها.
لكنّها، بجبنٍ، كانت تريد الاتّكاء عليه كانت تعرف، أكثر من أيّ أحد، أنّ ذلك الرجل الطيّب النقيّ سيمنحها صدره لتستند إليه متى شاءت.
“آنسة هدسون، هل أنتِ نائمة؟”
في تلك اللحظة، شقّ صوتُ طرقٍ السكون فاعتدلت إليانور، التي كانت متكئة بفتور على طاولة الزينة وكادت تترنّح، وجلست مستقيمةً على الفور.
“لا، لستُ نائمة.”
عندما فتحت الباب، رأت الخادم جورج كانت زيارة شخصٍ نادرًا ما يأتيها بعد وقت العشاء.
“ما الأمر…؟”
“لديكِ ضيف، آنسة هدسون.”
“ضيف؟”
لم يكن هناك من قد يأتي لزيارتها اتّسعت عينا إليانور دهشةً للخبر غير المتوقّع.
“هل هو رجلٌ في منتصف العمر، متأنّق؟”
“لا.”
لعلّه والدها؟ سألت إليانور بحذر، لكن جورج هزّ رأسه نافيًا على الفور.
“لا أظنّ أنّ هناك من سيأتي لزيارتي هل أنت متأكّد أنّه جاء من أجلي؟”
أومأ جورج برأسه، وقال إنّ الضيف ينتظر في الحديقة، واقترح عليها أن تنزل.
خرجت إليانور إلى الحديقة مرتديةً ثوبًا منزليًّا، وقد ألقت على كتفيها شالًا فحسب وما إن فتحت الباب حتى هبّت نسمةٌ باردة، وقد اقترب الخريف.
“إليانور.”
سرعان ما انحلّ لغز الضيف الغامض الذي جاء في هذا المساء ، توقّفت إليانور حين رأت شخصًا مألوفًا يجلس على مقعدٍ وينتظرها.
“…آشر.”
كان هو آشر يبتسم بالوجه نفسه، ذلك الوجه الحلوّ الناعم كالكريمة.
“ما الذي جاء بك فجأةً… أن يُقال عنك ضيف؟”
“لم آتِ لأجل لوغان، بل لأجلكِ أنتِ يا إليانور، لذا فأنا ضيفكِ.”
نهض آشر من مكانه، وقلّص المسافة بينهما بخطواتٍ سريعة ومع كلّ خطوةٍ كان يخطوها، كان عبيره يقترب أكثر فأكثر.
“لماذا لم تتواصلي معي؟ هل لم يهدأ قلبكِ بعد؟”
اتّسعت عينا إليانور دهشةً من السؤال غير المتوقّع.
“قلتُ لكِ في الرسالة أن تتّصلي بي حين يهدأ قلبكِ.”
آه ك تنفّست إليانور زفرةً خافتة أمعقول أنّ الرسالة التي لم تجرؤ على فتحها خوفًا كانت لا تحمل سوى هذا؟ بدا جبنها وهروبها مثيرين للسخرية.
“أنا آسف لأنّي جئتُ قبل أن أتلقّى جوابكِ لكنّ الانتظار أكثر من هذا كان صعبًا عليّ.”
مدّ آشر يده بهدوء، وأمسك بيد إليانور الأخرى، تلك التي لم تكن تقبض على شالها، وأحكم قبضته عليها.
“أتذكرين حين قلتُ إنّني كلّما رأيتُ شيئًا جميلًا فكّرتُ بكِ؟”
أومأت إليانور برأسها بصمت.
“كنتُ دائمًا أتمنّى أن تكوني بصحّةٍ جيّدة، وسعيدة، ومسرورة وأن تنالي كلّ ما هو جميل في هذا العالم.”
“….”
“لكن إن كان لقب هدسون يثقل عليكِ، ويمنعكِ من ذلك…”
عائلة فقيرة، تتحدّث عن الشرف وهي لا تملك شرفًا تصونه ومع ذلك، لم يكن بوسعها أن تتخلّى عن هذا اللقب ما دامت إليانور هي إليانور هدسون، فلن يكون لها سبيل إلى التحرّر من سطوة العائلة وآشر، وهو ليس سوى حبيب، لم يكن يملك أيّ وسيلة ليمنع ذلك وطبعًا، كان هذا كلّه مشروطًا بمدى استعداده وإرادته
أنزلت إليانور بصرها إلى الأرض في صمت، كمن يستشعر أنّه سيُتخلّى عنه.
“سأمنحكِ لقبي.”
ماذا قال الآن؟ كأنّها سمعت شيئًا غير معقول.
نسيت إليانور حتى أن ترمش، وأدارت عينيها ببطء ارتفع نظرها المشكّك، وتوقّف عند عيني آشر المتلألئتين.
“سأجعلُكِ تعيشين وأنتِ تستمتعين بما تريدين، وتنعمين بكلّ ما هو جميل.”
التعليقات لهذا الفصل " 27"