الفرسان الذين اكتشفوا أمري بدوا مرتبكين إلى حدٍّ كبير.
فطفلة ترتدي رداءً أسود لا يناسب حجمها، وقد قُصّ على عجل، وتحمل على كتفها سحلية بيضاء… كان من الطبيعي أن يربكهم المشهد.
“هذا مكان لا يُسمح لأيٍّ كان بالدخول إليه أو الخروج منه كيفما شاء.”
قال ذلك أحد الفرسان، وقد ظنّني مجرد خادمة صغيرة أو وصيفة ضلّت طريقها. ربما لأنني كنت ملازمة للملحق المنفصل طوال الوقت، لم يكن الفرسان يعرفون وجهي.
وشعري الوردي لم يكن ظاهرًا أصلًا لأنه مخفي تحت الرداء، لذا كان من الطبيعي ألا يتعرفوا عليّ.
‘أليس من المفترض أن يحفظ خدم الدوقية وفرسانها وجوه السادة من خلال اللوحات؟’
أملت رأسي متعجبة، ثم تذكرت أنهم كانوا يرسمون لوحات شخصية كل عام في الماضي.
نقرت لساني استياءً من تقصير الفارس في أداء واجبه وقلت:
“لستُ أدخل عبثًا، ولستُ أيّ شخص.”
لا أدري إن كانوا سمعوا كلامي أم لا، لكن الفرسان ضحكوا بخفة وقالوا:
“أيتها الصغيرة، لسانك وقح. عندما ينصحك الكبار، عليكِ أن تستمعي لتكوني طفلة مهذبة.”
“هذا المكان يُساق إليه المذنبون الذين ارتكبوا أفعالًا سيئة، أمثالك.”
ربما لأنني تحدثت إليهم بلهجة غير رسمية، بدا أن مزاجهم قد تعكّر، فحدّقوا بي بازدراء وسخرية.
وبعد أن تحملتُ انتقادات أقسى من الخادمات، لم يكن لهذا القدر من السخرية أي تأثير يُذكر عليّ.
“ستندمون على هذا… ألن تروا؟”
قلت ذلك ناصحةً، وهززت كتفي، ثم فردت الجزء المزخرف من الرداء، الذي كان مطويًا على طبقات فلا يظهر، وأريتهم إيّاه.
“مستحيل… هذا شعار ربّ العائلة…!”
الرداء الذي كنت أرتديه هو ما منحَتْني إيّاه جدّتي. وبالطبع، كان شعار ربّ العائلة مطرّزًا على أحد جوانبه.
ظننت أن هذا كافٍ ليدركوا من أكون، وهممت بإزاحة الرداء إلى الخلف، لكن أحد الفرسان فتح فمه صارخًا:
“كيف تجرؤين! تسرقين متعلقات ربّ العائلة!”
“أمسكوا بها!”
بدا أن سوء فهمٍ كبير قد وقع. وبينما كنت أستعد لتوضيح الأمر، توقّف الفرسان فجأة في أماكنهم، ثم انحنوا برؤوسهم.
‘هل عرفوا من أكون؟’
وبينما كنت أحدّق بعينين متسعتين، وصلني صوت مألوف من الخلف.
“ما الذي كنتم تفعلونه؟”
عند السؤال البارد، أجاب أحد الفرسان بصوت مشدود وقد اعتدل في وقفته:
“كنا نُمسك بطفلة سرقت متعلقات ربّ العائلة وكانت تحاول الهرب!”
“سنقبض على اللصة!”
اندفع الفرسان نحوي وكأنهم سيقيّدونني في الحال.
وبما أن ما جرى كان بسببي، شعرت أن عليّ تصحيح الأمر بنفسي. نظرت إلى جدّتي وأومأت لها بعيني تحيةً صامتة.
‘سأتولى الأمر.’
ويبدو أنها فهمت قصدي، إذ أومأت برأسها بخفة.
عندما التفتُّ من جديد، كان الفرسان قد اقتربوا مني بالفعل. نظرت إليهم وقلت:
“كليريا كاتيلوس.”
حين خرج هذا الاسم غير المتوقع من فمي، عبس أحد الفرسان.
“كيف تجرؤين على ذكر اسم الآنسة أمام الدوقة بهذا التهاون!”
“لستُ طفلة. أنا كليريا كاتيلوس. هذا اسمي.”
تجمّدت وجوه الفرسان للحظة عند سماعهم كلماتي.
“بما أنكم لم تعرفوا، فأنا أعرّفكم بنفسي. وإن لم تنفعكم اللوحات، فاحفظوا وجهي الآن جيدًا. لتتذكروا من أكون.”
بدأت وجوه الفرسان، الذين أخفقوا في واجبهم بمعرفة وجه السادة، تشحب لحظةً بعد أخرى.
وبعد أن أنهيت كلامي، أزحت قلنسوة الرداء إلى الخلف بلطف كي يسهل عليهم التعرّف عليّ.
وانساب شعري الوردي، الذي كان مخفيًا داخل الرداء، إلى الخارج.
تفقدت تايل لأتأكد أنه لم ينزلق عن كتفي بسبب حركتي.
كان تايل ما يزال في مكانه تمامًا. الشيء الغريب الوحيد هو أنه بدا وكأنه يحدّق في الفرسان بنظرة حادّة.
…لا، لا بد أنني أتخيل.
اعتبرت الأمر مجرد وهم، ثم قلت للفارس:
“أرأيت؟ قلت لك إنك ستندم.”
ابتسمت ابتسامة خفيفة، ثم سألت بوجهٍ جاد:
“إذًا، من هم المذنبون الذين ارتكبوا أفعالًا سيئة هنا؟”
تلعثم الفرسان ولم يجيبوا. كانوا فقط يرمقون جدّتي بنظرات حذرة، يحاولون التأكد إن كان ما قلته صحيحًا.
أصابني ذلك بالسخط. أشرت إليهم بإصبعي واحدًا تلو الآخر وسألت:
“أنت. وأنت. إلى أي وحدة تنتميان؟ ومن تتبعان؟”
رغم أنني كشفت عن هويتي كسيدة، إلا أن تجاهلهم لي كان واضحًا، فأدركت أن التحذير وحده لن يكفي.
وبينما كانت جدّتي تراقب بصمت، انحنى الفرسان، وقد ارتسم الارتباك على وجوههم، وقالا:
“نعتذر. لم نتوقع أن تأتي الآنسة إلى مكان قاسٍ كهذا، بما أنكِ تمكثين دائمًا في الملحق.”
“وكان مظهركِ محجوبًا بالرداء، فلم نتمكن من التعرّف عليكِ. نرجو الصفح.”
كان اعتذارهما موجّهًا وهما يراقبان تعبير جدّتي، وكأنهما يتخذان مني ذريعة.
‘كلامهم يذكّرني تمامًا بتوسكان. نحسٌ مقرف.’
شبكت ذراعيّ وتحدثت بصوت منخفض:
“إذًا؟ الاسم، والانتماء.”
“…فارس من بيت كاتيلوس، اسمي شيري.”
“فارس من بيت كاتيلوس، اسمي روغي.”
“أن يعجز فرسان تابعون مباشرة عن التعرّف على وجه سيدتهم… أليس هذا عارًا على كاتيلوس؟”
تقلصت وجوه الفرسان عند كلامي.
“سأسأل مرة أخرى. هذه المرة، فكّروا جيدًا قبل أن تجيبوا.”
وسألتهم مجددًا بنبرة مهذبة على نحو ساخر، وكأنني أستهزئ بتعابيرهم المتعفنة:
“من هم المذنبون الذين ارتكبوا أفعالًا سيئة هنا؟ لا تقولوا إنني أنا.”
أشرت إلى نفسي متعجبة، ومِلت برأسي قليلًا. عندها تذكّر الفارس شيري ما كان قد تفوّه به سابقًا، فتشنّج وجهه بقسوة.
“ومن هو الفارس سيّئ الأدب الذي لم يستمع إلى نصيحة سيدته؟”
كانت جدّتي، التي استمعت بصمت، قد أدركت أن هذه الكلمات هي نفسها ما قاله الفرسان لي قبل قليل، فانبعثت منها هالة قتلٍ مرعبة.
لم يكن ذلك القتل موجّهًا نحوي، بل انطلق مباشرةً نحو الفرسان. ارتعدوا وارتجفوا وهم يطلقون شهقات خافتة، ومع ذلك لم يجيبوا بعد على سؤالي.
“تذكروا هذا جيدًا. أنا لا أحب الخسارة. لذلك، ما أتلقّاه… أعيده غالبًا. وأنا أكره الانتظار.”
وبعد أن شعرت أنني منحتهم وقتًا كافيًا ونصيحةً وافية، أصدرت أمري بصوت منخفض:
“اركعوا.”
فرسان العائلة لا يركعون بسهولة إلا أمام سيدهم، ولذلك كان الأمر بالركوع بمثابة أمرٍ لهم بأن يعاملوني بوصفـي صاحبة الأمر.
ارتمى الفرسان أرضًا بسرعة. ولم يكتفوا بالركوع، بل ألصقوا جباههم بالأرض، يتوسلون وهم يقولون:
“نـنعتذر… نعتذر بشدة. لم نتعرّف على الآنسة.”
“أ، أنا… أنا أخطأت في الكلام. أعتذر.”
وهم يتذللون أخيرًا بهذا الشكل، نقرت لساني بضيق.
“من الأفضل أن تحذروا من الآن فصاعدًا. فأنا أعيش منعزلة في الملحق، ولهذا طباعي سيئة جدًا.”
كان ذلك تحذيري الأخير. رسالة واضحة بألا يستخفّوا بي، أنا من بيت كاتيلوس.
في الحقيقة، كنت أعتمد قليلًا على وجود جدّتي، لذا تشددت في موقفي. لو كنت وحدي وطلبت من الفرسان أن يركعوا بعد أن أعلنت نفسي سيدةً عليهم، لكنتُ صرت أضحوكة.
فوجودي، لا في الملحق وحده بل في القصر بأكمله، كان باهتًا كالشبح. وبالنسبة للخدم والفرسان على وجه الخصوص، كنت أقل من ذلك.
‘كنتُ وجودًا مريحًا… لا بأس إن ضايقوني قليلًا، أو أهملوني، أو أخطؤوا بحقي.’
حتى في الماضي، كثيرًا ما صادفت فرسانًا أو خدمًا في القصر يتجاهلونني. يومها كنت أُظهر مظهري كاملًا، ومع ذلك.
ونظرات الفرسان إليّ حين أعلنت أنني كليريا لم تختلف كثيرًا عن تلك النظرات السطحية في الماضي.
ولهذا تحديدًا، دفعتُ الأمور بقوة هذه المرة.
حتى لا أُجعل أنا، ولا عائلتي التي تحبني، موضع سخرية مرة أخرى.
فأنا من كاتيلوس، وأنا السيدة. ليس عليّ أن أشعر بعدم الارتياح، بل هم من يجب أن يشعروا به ويحذروا.
ولحسن الحظ، بدا واضحًا من وجوه الفرسان أنهم باتوا غير مرتاحين جدًا الآن.
‘بهذا القدر، لا بد أن الشائعات ستنتشر كما ينبغي. عن أن طبع الآنسة ليس سهلًا.’
وسيُشاع أيضًا أن جدّتي تُوليَني عناية خاصة. ومع أمنيتي أن تنتشر الأخبار سريعًا، نظرتُ إلى جدّتي.
‘لا تكون قد تفاجأت… أو خاب أملها، أليس كذلك؟’
هذا أقرب ما يكون إلى حقيقتي. وقراري بألا أتصرف بلطفٍ أحمق لم يتغير، حتى بعدما عرفت أن عائلتي تحبني.
فبهذا اللطف الزائد، لن أستطيع إنقاذ نفسي ولا عائلتي في هذه الحياة.
ومع ذلك، كنت قلقة قليلًا من أن هذا الجانب مني قد لا يروق لجدّتي.
طبطبة.
وبينما كنت مشدودة الأعصاب دون أن أشعر، امتدت يد جدّتي برفق إلى أعلى رأسي. ابتسمت وهي تربّت عليّ وكأنها فخورة.
“الآن بعدما رأيتك، تصرفاتك لا تشبه ديريك… بل تشبهني أنا.”
ارتسمت ابتسامة رضا على وجه جدّتي. عندها فقط تنفست براحة وقلت:
“إذًا، هل أستطيع أن أتباهى في كل مكان بأنني أشبه جدّتي؟”
التعليقات لهذا الفصل " 32"