عندما قلتُ ذلك، رمق أبي بارتون وتوسكان بنظرات كادت تقتل، بينما سألتني جدّتي:
“أحقٌّ ما قاله توسكان؟”
لم أستطع إلا أن أقول الحقيقة حين يُطرح السؤال هكذا.
“لا. إنه يكذب. ولو لم تكن تلك الكلمات موجهة إليّ، فلماذا كان يقولها كل مرة أمامي؟ فقط ليجرحني.”
“صدقتِ.”
أومأت الجدة مصدّقة كلامي، ثم التفتت إلى توسكان قائلة:
“أتستطيع أن تجزم، وتُقسم بكاتيلوس، أن كلامك خالٍ من أي كذب؟”
ابتلع توسكان ريقه وقال:
“……نعم.”
كان واضحاً أنه يتظاهر بالثبات، فليس هناك دليل ولا شهود، فيلجأ إلى المكابرة.
‘لو كان لدينا مِسجّل سحري لتمكّنتُ من طرده من العائلة فوراً.’
كانت هذه حقبة يتراجع فيها السحر، رغم أنها عالم قائم عليه… وهذا محبط.
الناس الآخرون حين يُبعثون إلى هذا العالم يحصلون على أدوات سحرية بسهولة… فلماذا لم أحصل على شيء كهذا؟
وبينما أنا أغرق في هذه الأفكار، قالت الجدة بتفكير وهي تلمس ذقنها:
“همم… لا يمكنني الآن تحديد نواياك بدقّة، لكن قولك إنك لم توجه الكلمات لكليريا، سأصدّقه هذه المرّة.”
ثم استمعت إلى كلامي وكلام توسكان بشكل متوازن قبل أن تضيف:
“ولكن، على أي حال، لقد قلتَ تلك الكلمات في موضع تسمعك فيه كليريا، وهذا سبب كافٍ لسوء الفهم. اعتذر لها.”
تقلّص وجه توسكان قليلاً، لكنه سرعان ما أخفاه وقال:
“آسف. لم أقصد ذلك. وإن كان الأمر أزعجكِ… فنعم، آسف.”
نظرتُ إليه ببرود وقلت:
“وأتمنى أن تعتذر أيضاً لأنك وعدتني بإيصال كلامي… ثم لم تفعل.”
“هيا، اعتذر.”
تدخل بارتون أخيراً، كمن أفاق بعد أن كاد أبي يضربه. كان واضحاً أنه يريد طيّ هذا الأمر باعتذار سريع يؤدي المهمة.
توسكان، وقد بدا كمن فقد روحه، قال بنبرة آلية:
“أعتذر. لم أوصل كلامك كله. لكني… لم أفعل ذلك عن قصد.”
لم أدعه يتهرب، بل صوبتُ كلامي إليه مباشرة:
“لكن كان عليك ألا تكذب. لو أنك قلت الحقيقة لَما كنتُ غضبتُ.”
كنتُ أريد أن أثبت للجميع أن توسكان كذب عليّ بالفعل.
كي لا يذهب لاحقاً يشيع أنه كان الوحيد الذي يهتم بي حين لم يكن حولي أحد.
وفوق ذلك… بدا مناسباً تماماً أن أُسقط ما تبقى من ثقة العائلة فيه.
“آمل أن تكون أكثر حذراً من الآن فصاعداً.”
مع هذه الابتسامة اللطيفة التي أظهرتها، رأيتُ قناع توسكان المزيّف يتشقق.
قالت الجدة بصوت تفكّر:
“توسكان… يبدو أن الأمر كان أكبر من أن يُوكل إليك وحدك.”
ثم تابعت:
“لن أكلفك بأي مهام كبيرة بعد الآن. فلا تلجأ إلى الكذب لمجرد أنها صعبة عليك.”
بدت ملامح توسكان وكأنها تتعفن من الداخل.
كانت الجدة تخفف المسؤولية عنه لأنها لا تريد تحميل طفل عبئاً كبيراً… لكنه من جانبه شعر بأنها فقدت ثقتها به.
قال أبي وهو يكتم غضبه بصعوبة:
“إن تفوّهتَ بكلام كهذا أمام ابنتي مرة أخرى… فاستعد للعواقب.”
ثم أضاف بنبرة حادة:
“ومن الآن فصاعداً، يُمنع عليك دخول المبنى الملحق في غيابي.”
التفت نحو الجدة كأنه يطلب موافقتها. ورغم أنها لم تُعجب، أومأت.
ثم حول نظره إلى بارتون وقال بإهانة واضحة:
“بارتون. قبل أن تدير الإقطاعية، علّم ابنك جيداً.”
كان الأمر مُهيناً، لكن بارتون لم يستطع سوى الإيماء من شدة ضغط أبي:
“……سأحذر في المرات القادمة، يا أخي الأكبر.”
قالت الجدة، وكأنها تُنهي الأمر:
“يكفي. لا تكررا هذا الخطأ، لا أنت ولا توسكان.”
أطبق أبي فمه دون كلمة. بدا واضحاً أن ثقته ببارتون وابنه تحطمت تماماً.
وبينما كنتُ سعيدة بأنني حققت أكثر مما تمنيت، نظرتُ إليهما متمنيةً لو أنهما يغادران الآن.
“أمي.”
لكن على عكس رغبتي… كان لدى بارتون ما يريده من المبنى الملحق.
بارتون، صاحب الشعر البني الفاتح الذي يكاد لا يُرى، حاول أن يبدو ذا شأن وقال:
“بما أن الأمر كان يخص الراشدين، كان صعباً على توسكان فهمه.”
أجابته الجدة بهدوء:
“أعلم.”
“وتوسكان قادر على إنجاز مهام كبيرة دون مشاكل.”
وضع يده على كتف توسكان بطريقة مصطنعة وأكمل:
“وربما ليس الوقت مناسباً للقول… لكن توسكان تلقّى توصية عميد الأكاديمية، وسيشارك في مشروع كبير.”
أثار ذلك التفاخر العجيب استغرابي.
‘يبدو أنه لا يريد أن تنتهي القصة وقد خسر توسكان ثقة الجميع؟’
وبالفعل صدرت من الجدة كلمات لطيفة:
“حقاً؟ جميل. رغم أنه لم يلتحق بالأكاديمية بعد. أتمنى أن يجتهد.”
ثم نظرت إلى توسكان:
“إن كان هناك ما تريد الحصول عليه، فاخبر فيلوس. سأهديه لك.”
بدا توسكان كمن كان ينتظر هذه اللحظة وقال فوراً:
“أنا… في الحقيقة، أريد شيئاً.”
“وما هو؟”
أجابت الجدة، فابتسم توسكان وقال بلا تردد:
“حجر تواصل.”
“……”
إزاء صمت الجدة، تدخل بارتون:
“المشروع الذي سيشارك فيه توسكان يبحث في العلاقة بين المانا والأعشاب الطبية، ولذا سيقيمون فترة قرب غابة الوحوش.”
قال بقلق مصطنع:
“ومثلما تعلمين… ما زالوا يبحثون عن صاحب السمو الذي اختفى هناك مؤخراً. ولم يعثروا عليه.”
الخلاصة: يريدان الحجر لحماية توسكان.
كنت أعرف ماهية حجر التواصل. إنه حجرٌ سحري نادر يسمح بالتواصل من مسافات بعيدة.
وفي هذا الزمن الذي تخبو فيه السحرية ولا وجود للتكنولوجيا… يعد شيئاً بالغ القيمة.
والسبب أنني أعرفه هو أن توسكان في الماضي جاءني يتباهى به قائلاً إن جدتي أعطته إياه.
‘إذن… جاؤوا إلى المبنى الملحق لأجل هذا؟ الاعتذار مجرد حيلة.’
ضحكت داخلياً من رؤية بارتون يمثل الاهتمام أمام الجدة.
“إنه وسيلة التواصل الوحيدة التي يمكن بها الاطمئنان على الابن البعيد. أمي… توسكان بحاجة إليه.”
وفجأة تغيّر وجه أبي كلياً.
“وإلى أي مدى يمكنه التواصل؟”
“على قدر نقاء المانا فيه. لكن لا أظن أنه يصل إلى خارج الإمبراطورية يا أخي الأكبر.”
أجاب بارتون مباشرة.
“حسناً… نجربه إذن. أين هو؟ على حد علمي، أنا من أحضره.”
تحولت عينا أبي من بارتون إلى الجدة.
أمالتُ رأسي باستغراب.
“أبي… أنت من أحضره؟”
“نعم. كان من الغنائم التي حصلتُ عليها في الحرب. معظم النفائس في هذا المنزل… أنا من جلبتها.”
شعرت وكأن أحداً ضربني بمطرقة على رأسي.
كل تلك الأشياء التي كان توسكان يتباهى بها أمامي في الماضي…
أبي من خاطر بحياته في الحرب ليجلبها.
وبما أنها غنائم حرب، فهي ملك للعائلة، ويجوز لأي فرد منها استخدامها.
استغل توسكان وبارتون هذا… واحتكراها لأنفسهما.
شعرت بأن صدري يغلي غضباً.
‘لا يمكن أن أدعه يحصل عليه… مستحيل.’
وبينما كنت أشتعل غضباً، صاحت الجدة:
“لن أعطيكما حجر التواصل.”
كنتُ على وشك الاعتراض فقط لأمنع توسكان من الحصول عليه… لكنني ابتلعت كلامي بعد سماع رفضها.
“اطلب شيئاً آخر. سأوفره لك.”
في حياتي السابقة كان توسكان قد حصل على حجر تواصل… لكن يبدو أن الأمور تغيّرت الآن.
“وسنوفر لتوسكان بيتاً آمناً قرب موقع المشروع، ونرسل جنود العائلة لحمايته.”
صمت بارتون أمام دعم الجدة.
لو أصرّ الآن على الحجر فسيكون ذلك طعناً في دعم العائلة وجيشها، وهذا غير مقبول.
“هذا الشيء أحضرته أنا،… لذا أرجو أن تعطني إياه.”
“لا.”
قالتها الجدة بحزم، ثم التفتت إليّ.
“أقدّر مساعدتكِ يا جدتي، لكن يخجلني أن أكلّفك عناءً كهذا.”
فجأة قال توسكان هذا، فتوجّهت الجدة إليه ثانية.
بدا توسكان واثقاً وهو يلمح إليّ بنظرة جانبية:
“يمكن الحصول على حجر تواصل جديد، فلمَ لا تتفضلين وتمنحيني هذا الآن طالما أنني سأشارك في المشروع؟”
اشتعل الغضب في صدري.
كيف يقول إنه “يمكن الحصول عليه” بسهولة؟ وهو ليس شيئاً يجده شخص مثله في الطريق!
فسألتُ بصوت صغير لكنه مسموع جداً موجّهة كلامي لأبي:
“أبي! ألم تقل إن هذا الحجر أحضرته لأنك انتصرتَ في الحرب؟”
“نعم.”
“وهل يمكن الحصول على واحد آخر؟”
“ربما… إن كان ضمن الغنائم أو إن اشتريته بالمال.”
كررت كلامه بوضوح شديد:
“إذن لا يمكن الحصول عليه إلا إذا ‘انتصرتَ في الحرب’… أو كان هناك ‘مال كثير’؟”
‘أي أنك يا توسكان… لا يمكنك الحصول عليه بسهولة.’
“صحيح. أتريدينه؟ أحضره لكِ؟”
هززت رأسي، وقلت بصوت يملأه الدهشة:
“لا! أعني… يبدو أنه شيء نادر. أتحدث عن حجر التواصل!”
أبي كان يحدق في وجهي، يحاول فهم مقصدي، فتابعتُ بحماسة:
“أبي… إنه شيء ثمين حصلتَ عليه بالمخاطر بحياتك في الحرب، أليس كذلك؟ أنت مذهل! أنت الأفضل!”
بالغتُ بالمديح عمداً، لأجعل توسكان يبدو كأحمقٍ يستخف بغنائم الحرب الثمينة.
وبالفعل، ابتسم أبي برضا وقال:
“ليس صعباً، لكن نعم، خاطرْتُ بحياتي لأجل ذلك. وهذا صحيح. ولدى ابنتي عينٌ ثاقبة.”
تلاقت نظراتي مع نظرات الجدة، التي كانت تنظر إلينا بإعجاب ممزوج بشيء من التمني.
التعليقات لهذا الفصل " 27"