“إن حديثك بهذه القسوة يا أخي يجعل من هم أدنى منزلة يخافون.”
قال بارتون ذلك وهو يراقب الجو المتوتر الذي لم يهدأ، متجاهلاً حدّة كلام والدي.
“لم أكن أعلم أنكم تتناولون الطعام.”
رمق والدي بنظرة عابرة قبل أن يلتفت إليّ وكأنه يعتذر.
“إن كان حضورنا المفاجئ قد سبب لكِ إزعاجاً، فإني أعتذر.”
رفعتُ كتفيّ كمن لا يملك خياراً آخر وقلت:
“أليس مجيء العم وتوسكان حتى إلى المبنى الملحق يعني أن لديكما أمراً مهماً وعاجلاً؟”
ثم أومأتُ بتفهّم وأضفت:
“ولهذا كنت سأعود إلى غرفتي. فأنتم لم تأتوا لأجلي على أي حال….”
كنت أعني: لم يكن الأمر عاجلاً ولا توجد حاجة للاعتذار لي، ومع ذلك جئتما حتى المبنى الملحق وأزعجتما وقتي بلا سبب.
لكنني غلّفت الأمر بنبرة طفل لا يريد إزعاج الكبار، فبدا كأنني أجهد نفسي للتصرف بلطف.
وحين نظرت إلى بارتون، عزمت على العودة لغرفتي، فنزلت من على الكرسي وانحنيت قائلة:
“إذن سأذهب لأرتاح قليلاً في غرفتي. تفضلوا بمتابعة حديثكم.”
كانت اعتذارات بارتون وتوسكان للكبار لا يمكن أن تمر بسلاسة إلا بوجودي.
لكن إن خرجتُ الآن، فلن يمرّ شيء بسهولة.
وعلى الأقل… عليهم أن يعتذروا لي مباشرة. كما ينبغي.
جدتي كانت تنظر إلى بارتون وتوسكان بعين غير راضية، بينما أوقفني أبي وأنا هممت بالخروج.
“لا ضرورة لأن تغادري. فأنتِ صاحبة المبنى هنا.”
توقفت على الفور عند السبب الذي لم يخطر لي، قبل أن يأخذني أبي ويجلسني إلى جواره.
“أأنت متعبة؟”
كان أبي يتحدث وكأنه سيطرد بارتون وتوسكان فوراً لو قلت إنني متعبة. فأجبته بصدق:
“نعم، قليلاً. لكن ليس لدرجة أن أطرد أحداً بطريقة غير لائقة.”
نظرتُ إلى بارتون وتوسكان عندما قلت ذلك، فرفع أبي حاجبه وقال لي:
“اعلمي أنه، على الأقل هنا في المبنى الملحق، لا يوجد مكان عليكِ أنتِ أن تتراجعي فيه. تذكري هذا.”
رغم حدة نظراته، خرج صوته ناعماً ودافئاً.
“وفوق ذلك، أنتِ الطرف الذي يجب أن تُقدَّم له الاعتذارات. فلا سبب يدعوك للتراجع. إن لم يعجبك شيء، فاطرحيه جانباً.”
وعند نظرته تلك أدركت ما كنت أغفله.
مكاني في المبنى الملحق.
لم أعد طفلة مهمَلة. أصبحتُ صاحبة المكان. وخروجي الآن يعني التخلي عن هذا الحق.
‘عليّ من الآن فصاعداً أن أحذر كي لا تجعل أفعالي عائلتي أو نفسي موضع استخفاف.’
أومأت لأبي وأجبت:
“حسنٌا.”
عندها فقط شعرت حقاً أن مكاني في المبنى الملحق تغيّر.
كنت سابقاً “لا شيء” هنا.
بينما توسكان كان يدخل غرفتي والمبنى وكأنه ملكه، ويتعامل مع خادماتي وكأنهن خادماته.
وما إن تذكرت تلك الأيام حتى نظرت إليه من علٍ بنظرة باردة.
‘أنا صاحبة المبنى الآن… وأنت لم تعد شيئاً.’
ويبدو أنه أدرك ذلك، إذ تجمد وجهه.
“ليس الأمر يعجبني، لكن بما أن ابنتي الكريمة تقول إنها لا تستطيع طردكما، فاجلسا.”
جلس بارتون وتوسكان متضايقين تحت كلمات أبي.
“وبما أن ابنتي متعبة، فاختصرا ما جئتما من أجله وغادرا سريعاً.”
عند هذا، ضغط بارتون شفتيه باستياء.
قالت جدتي وهي تراقب الموقف:
“إذن، بارتون… جئت لتقديم اعتذار؟”
“نعم، أمي.”
“لكن كلماتك أنت وتوسكان لا تُقال هنا في المبنى الملحق. مكانها مكتبي فحسب. ولم يكن يجدر بك قولها هنا.”
“……أعتذر.”
توهجت عينا أبي وهو يقول:
“إذا جئت إلى المبنى الملحق لتقديم اعتذار، فاعتذر لكليـريا نفسها.”
وقالت جدتي وهي تنقر لسانها:
“لا تميز حتى لمن ينبغي توجيه الاعتذار، وتأتي فجأة هكذا… هذا لا يشبهك.”
احمرّ وجه بارتون قليلاً من الخجل، لكنه سرعان ما تمالك نفسه وانحنى قائلاً:
“بسبب حساسية الأمر خفتُ أن يحدث مكروه، فجئت على عجلة. كنت مضطرباً. أعتذر.”
ثم التفت إليّ:
“سمعت أن خادمات المبنى الملحق أسأن معاملتك.”
على خلاف جدتي وأبي، قال الأمر بصراحة، ثم تابع:
“أعتذر لأنني لم أدرك ما كان يجري حتى وصل الأمر إلى هذا الحد.”
حقاً؟ لم يكن يعلم؟ حتى توسكان كان يعلم. ضحكت في داخلي بسخرية.
“لا بأس. لم يكن لديك سبب لتعرف، فأنت لا تأتي إلى المبنى أصلاً.”
“أشكرك لتفهمك.”
“اتضح أن الخادمة كانت تتصرف بما يوقع بيني وبين عائلتي ويبعدني عنكم.”
تابعت وأنا أنظر مباشرة في عينيه:
“لا أدري ما الذي أعطاها الجرأة لتفعل ذلك.”
ثم هززت كتفي بخفة:
“على أية حال، أظن أن العم لم يكن يعرف كثيراً عما يحدث في المبنى الملحق.”
“……هكذا إذن.”
أجاب بتصنع الجهل، ولم يزد شيئاً. ومع انتهاء هذا الحديث الفارغ، قال توسكان وهو يقطب جبينه قليلاً:
“يبدو أننا اعتقدنا أنك بخير اعتماداً على كلام الخادمات فقط. آسف.”
الكاذب… وهو يعلم كل شيء. لكن دون دليل، اكتفيت برفع رأسي قليلاً وقلت:
“ولِمَ يكون ذلك خطأك؟ لم تكن أنت من أمر الخادمة بفعل شيء.”
كنت أريد أن أسأله: ‘لماذا؟ أأنت من فعل؟’ لكنني حبست السؤال وقلت بلطف:
“ثم إنك جئت بنفسك وأوصلت إلى جدتي وأبي ما أردتُ إيصاله.”
فجأة بادر أبي:
“توسكان أوصل شيئاً؟ لم يصلني شيء.”
وقالت جدتي:
“أتقصدين ما قال إنه نقله عنك؟”
تظاهرتُ بالدهشة:
“آه؟ ألم تسمعاه؟ قال لي توسكان إنه نقل كلامي تماماً….”
وفي داخلي ابتسمت بسخرية.
ففي الماضي، وأنا في الثامنة، طلبت من توسكان أن ينقل بعض كلماتي إلى عائلتي. ولم يفعل قط.
كان توسكان قد وعدني بأنه سيلبّي طلبي ليكسب ودي، وقد صدقته.
لا… كنت أصدّقه. إلى أن بدأت أفكر في أسباب حياتي البائسة في الماضي.
‘كنتَ تعمد إذن إلى التفريق بيني وبين أسرتي.’
فعندما أتأمل الأمر، أجد أن لا شيء يحدث بلا سبب، وحتى العلاقة السليمة بين أفراد العائلة حين تتدهور فجأة فذلك لا يكون من فراغ.
‘لن أتركك دون حساب.’
وبعيداً عن أحداث المبنى الملحق… ازددت يقيناً بأن توسكان هو من قاد تعاستي في حياتي السابقة.
ومَن خلف توسكان… لا بد أنه بارتون.
نظرت إليه ببرود وسألته:
“ألم تكن أنت من أوصل كلامي؟”
“ن-نعم، وصلتُ ما كان مهماً فقط… كأن تخبريني أنك بخير أو إن كنتِ تتألمين في موضع ما… تلك أمور كانت الجدة أكثر من يشغلها!”
بدت على توسكان الحيرة، فقد بدأ مسار الحديث يسير بعكس توقعاته.
“ظننتُ أنه ليس لديك أحد تتحدثين إليه بشأن الأمور الصغيرة… فاستمعت لكِ فحسب. أما أن أنقل كل شيء فهذا صعب، وأنت تعلمين ذلك.”
ابتسمتُ في داخلي حين حاول أن يهوّن ما فعله. كان ذلك في صالحي أكثر.
خفضت بصري وقلت بحزن ظاهر:
“أحاديثي عن شوقي لأبي… ورغبتي في التحدث مع جدّتي… لم تكن أموراً صغيرة عندي….”
“توسكان، هل كلام كليريا صحيح؟”
شعر بارتون بأن الأمور بدأت تنقلب ضدهما، فتدخل سريعاً ليقطع حديثنا.
“ذاك…! ن-نعم.”
كان توسكان على وشك تقديم تبرير ناعم، لكنه عدل عن ذلك فور أن رأى وجه بارتون، واعترف بخطئه كمن لا يملك خياراً.
ومن هذا ازددت يقيناً: بارتون هو الذي يحرك توسكان.
بارتون الماكر… يستخدم ابنه درعاً، فإذا انكشف الأمر قال: “الولد صغير ولم يفهم” فتخف مسؤوليته.
ولكن… هل سينجو هذه المرة؟
“أعلم أنك لا تحبني.”
سارع توسكان بنفيٍ متوتر:
“لا! ولماذا أظن بك السوء أصلاً؟”
“لا داعي لذلك. كلما رأيتني كنتَ تهمس بكلمات مهينة تظن أنني لا أسمعها.”
“أنا؟! متى قلتُ شيئاً كهذا؟ أنتِ فهمتِ خطأ.”
“كنتَ تقول إنني قمامة المبنى الملحق… بلا أصل… وسمعي سليم جداً.”
ذكرت له ما يخشاه حرفياً. تجمد تماماً، لا يعرف كيف يرد.
ثم رفعت جانباً واحداً من شفتي بابتسامة ساخرة لا يراها غيره.
“أنتِ! لقد تعمدتِ!”
وقبل أن ينفجر، أوقفه بارتون سريعاً، مستبقاً غضب الجدة والأب. قال له بارتون بنبرة توبيخ:
“أهو صحيح؟!”
حاول أن يبدو مخيفاً… لكنه بهيئته الضعيفة بدا أشبه بقطة تزمجر.
“لا! كليريا فهمتني خطأ! لا يمكن أن أقول شيئاً كهذا!”
عندها ضرب أبي الطاولة.
دووووم!
رأيتُ شرخاً دقيقاً في سطحها. تجمّد توسكان تماماً، وكأنه فأر محاصر.
“أهذا صحيح؟ هل قال ذلك؟”
سألني أبي وهو يفور بالغضب، فقلت بوضوح لا يحتمل اللبس:
“نعم.”
“سأجعله يندم على جرأة لسانه.”
لكن يد أبي لم تتجه نحو توسكان… بل تجاوزته مباشرة واتجهت نحو بارتون.
“أنت تركت ابنك الوقح يفعل ما يشاء، أليس كذلك؟”
وقبل أن يقترب، دوّى صوت الجدة:
“توقف.”
تجمد أبي من شدة برودة صوتها.
“العقاب أنا من يقرره. كفّ عن هذه الفوضى أمام الأولاد.”
فتراجع أبي خطوة.
ثم نظرت الجدة إلى توسكان:
“هل هذا صحيح؟”
حدّقت فيه وكأنها ترى ما وراء كذبه.
“……قلتُ تلك الكلمات. لكن… لم أقلها لكليريا. قلتها لبعض الخادمات فحسب.”
أدرك توسكان أن الإنكار الكامل سيزيد الأمور سوءاً، فاختار الاعتراف بنصف الحقيقة.
تنهدت الجدة بعمق.
عندها تمتمتُ أنا، بنبرة لا يسمعها إلا من يقف قريباً:
“……كاذب.”
التعليقات لهذا الفصل " 26"