صاحت الجدّة بلهجة حادّة على أبي، ثم التفتت إليّ بابتسامة دافئة.
“أخيراً أدركتُ الأمر هذه المرة. أدركتُ كم أخطأت، وكم كنتُ أعيش غافلةً عن أشياء ثمينة فقدتها.”
كانت يدها التي تربّت على رأسي برفق شديدة اللطف.
“ولذلك… من الآن فصاعداً سأُظهر لكِ مشاعري بكل ما أملك من قدرة.”
توقفت يدها التي كانت فوق رأسي لحظةً، ثم سألت بترددٍ غير مألوف منها:
“هل… سيكون ذلك مقبولاً عندكِ؟ ألا يضايقكِ؟”
كان في سؤال الجدّة مسحة خوف خفية. امرأة لا تخشى شيئاً تتردد الآن لأنها تسألني فقط؟
وقتها تذكّرتُ كيف ظنّ الجميع أنني أكرههم أو أن وجودهم يزعجني.
‘حتى الجدّة تخاف… تخاف أن أقول إني لا أحبها. تماماً كما كنتُ أخشى أنا.’
وحين شعرتُ بأنها تشبهني، انفتحت شفتاي وحدهما.
“لا يضايقني. بل يعجبني. يعجبني كثيراً… لدرجة أشعر معها كأنه حلم، حلم لا يُصدَّق.”
قلتُ ذلك بحزم لا يترك مجالاً لسوء الفهم.
“ليس حلماً، فيجدر بكِ أن تصدّقي.”
قالتها الجدّة بحزمٍ يماثل حزمي، وقد ارتسمت على فمها ابتسامة يملؤها الارتياح.
تحت خصلات شعرها الذهبي اللامعة كالشمس، كانت التجاعيد العميقة التي تحمل وقار السنين تنحني برفق مع ابتسامتها.
‘إنها جميلة.’
ولأنها المرة الأولى التي أرى فيها الجدّة تبتسم بهذا الصفاء، بقيتُ أحدّق فيها بدهشة.
“فيلوس. ادخل.”
“نعم.”
دخل كبير الخدم فيلوس راكع الرأس حين نادته الجدّة.
“يجب أن نغيّر غرفة كليريا. انقلوها إلى الغرفة الأكثر إشراقاً في المبنى الملحق. حالاً.”
وأضاف أبي موضحاً:
“انقلوها إلى الغرفة التي اخترتها منذ البداية. هي الأكثر استقبالاً للشمس. واستبدّلوا كل ما فيها بأفضل الموجود.”
“نعم، سيتم ذلك.”
خرج فيلوس، والتفتت الجدّة إليّ من جديد.
“لن أريك إلا النور والأشياء الجميلة.”
هززتُ رأسي موافقةً.
كانت الجدّة وأبي يعلمان السبب… سبب عدم اعتيادي على الضوء، وسبب جهلي بلون عينيّ الحقيقي.
كانت غرفتي في الملحق دائماً في جهة الظل، لا يصلها ضوء الشمس.
فلأنهما أدركا ذلك الآن، فقد سارعا لتصحيح الخطأ دون تردّد.
لم يذكرا الماضي قط؛ كانا يتحدّثان فقط عن الحاضر والمستقبل. وذلك وحده كان كافياً ليمتلئ قلبي بالامتنان.
الاهتمام الذي يغمرانني به… جعلني أبتسم مرة أخرى.
‘يشبه هذا يوم ميلادي. يومٌ سعيدٌ إلى هذا الحد.’
أما الجدّة فكانت تتأملني بهدوء.
“كنتُ لأخلّدكِ في لوحةٍ…”
“ماذا؟”
“لا شيء.”
عندها تذكّرتُ فجأة تايل الموجود في حقيبتي.
“آه!”
“ما الأمر؟”
“لقد نسيت!”
من شدة الجوع كنتُ أركّز على الطعام… فنسيتُ إطعام تايل. فتحت الحقيبة بسرعة ونظرت إلى تايل الذي كان نائماً بعمق.
‘لابدّ أنه جائع. ماذا يأكل تايل يا ترى؟’
سأل أبي:
“ماذا تقولين؟”
فأجبته بصوت خافت:
“هناك شيء… أريد أن أربيه.”
“أوه؟ وما هو؟”
سألَت الجدّة بعينين لامعتين.
“سقط قبل أيام على شرفة المنزل حين كان الجو ممطراً. إنه سحلية بيضاء.”
فتحتُ الحقيبة قليلاً لأريهما تايل، ثم أعدتُ تغطيتها عليه.
“بما أنكِ وافقتِ سابقاً… يمكنني تربيته، صحيح؟”
سألتُها خوفاً من رفض مفاجئ، لكنها هزت رأسها فوراً.
“إنه صغيرٌ لطيف رافقكِ في وقتٍ حرج. وهل سمّيته؟”
يبدو من نظرتها أنها أدركت أنّ تايل كان بجانبي في اليوم الذي مرضتُ فيه وحُبست.
“اسمه تايل.”
“اسم جميل.”
“ولكن… لماذا هو اسم ذكر؟”
رفع أبي حاجبه، غير مقتنع.
“أم… هكذا فقط؟ لأن ذيله لطيف…”
تذكّرتُ ذيل تايل الأبيض السمين الصغير، فضحكتُ.
“حسناً. ما دمتِ أنتِ تحبينه فهذا يكفي.”
وعلى الرغم من اعتراضه الأولي، تقبّل أبي كلامي بسهولة.
“لكن… هل تعرفان ما الذي تأكله السحالي البيضاء؟ بحثتُ في الكتب ولم أجد مخلوقاً يشبهه.”
طلبتُ نصيحتهما لأني لم أعرف شيئاً عن تايل.
“سحلية بيضاء، هه. ليس من الحيوانات الشائعة.”
“رأيتُ حيوانات كثيرة في ساحات القتال، ولم أر واحداً على هذا الشكل.”
“أتراه كائناً نادراً؟”
“ربما.”
وفجأة سألت الجدّة وهي تتفكّر:
“أليس… مخلوقاً سحرياً؟”
نظر إليّ أبي مستأذناً كي يعاين تايل مرة أخرى. وبعد أن تفحّصه بدقة قال:
“ليس مخلوقاً سحرياً. لا ينبعث منه أي مقدار من الطاقة السحرية. والشيء المميّز فيه هو لونه الأبيض فقط.”
كلام أبي، وهو الذي خَبِر القضاء على المخلوقات السحرية كما خَبِر الحرب، جعلني أتنفّس الصعداء.
كنتُ قد شككت في الأمر لأن كتب الحيوانات لا تذكر أي نوع يشبهه، وظننتُ أنه ربما يكون مخلوقاً سحرياً. والآن بعد سماع النفي، هدأتُ أخيراً.
لو كان تايل مخلوقاً سحرياً، لما استطعتُ الاعتناء به جيداً. فالمخلوقات السحرية لا بدّ أن تعيش في الغابات المشبعة بالطاقة السحرية، فهي الأنسب لها.
“بالقرب من غابة المخلوقات السحرية، قد تظهر أحياناً حيوانات نادرة تتأثر بطاقة تلك المخلوقات.”
فسألت الجدّة بعد شرح أبي:
“لكن أقرب غابة مخلوقات سحرية صغيرة جداً، ولابدّ أن المخلوقات فيها أوشكت على الاندثار، أليس كذلك؟”
“يُشاهَد بعض الصغار منها بين حين وآخر. لكن حجمها ضئيل إلى درجة لا تستدعي دخول الغابة للتحقّق.”
هززتُ رأسي ثم قلت:
“إذن، هناك احتمال كبير أن يكون تايل نوعاً نادراً نشأ في غابة المخلوقات السحرية.”
“قد يكون كذلك.”
“وهل يمكن أن يؤذي ريا بشيء؟”
فأجابها أبي بأن ذلك لن يحدث مطلقاً، موضحاً أن تأثير الطاقة السحرية يكون على الشكل فقط، ولا يغيّر طبع الحيوان ولا يجعله مثل المخلوقات السحرية.
“إذن قد يأكل تايل ما تأكله السحالي الأخرى!”
‘إذن فالحشرات ستكون جيدة له.’
سعدتُ وأنا أفكر في تحضير طعامٍ يحبه.
“حسناً. سأبحث في الأمر بنفسي أيضاً.”
قالتها الجدّة ناظرة إليّ، فابتسمتُ لها.
“نعم، شكراً يا جدّتي.”
“كنتُ لأرسمكِ…”
“نعم؟”
“لا شيء.”
تنحنحت الجدّة قليلاً ثم وضعت على المائدة صرّة صغيرة.
“هذا…”
طَرق… طَرق… طَرق.
قبل أن تبدأ كلامها، جاء صوت طرقٍ على الباب فالتفتُّ نحو المدخل. لا أحد يأتي للمبنى الملحق في هذا الوقت، فضلاً عن غرفة الطعام.
من يكون؟
“كنتِ هنا أيضاً يا أمي.”
“مساء الخير، يا جدّتي ويا عمّي.”
وفور رؤية الضيفين غير المرغوب فيهما، اختفى الابتسام عن وجهي تلقائياً.
بارتون، الابن الأصغر والابن الثاني لعائلة كاتيلوس. في الرواية الأصلية يصبح رئيس الأسرة الذي يدمّر العائلة بأفعاله… نفاية المستقبل.
وتوسكان… النفاية الذي اعتاد إزعاجي عندما كنتُ محبوسة في المبنى الملحق.
المتسبّبان الأكبران –بنسبة عالية– في التفريق بيني وبين عائلتي ودفع الجدّة وأبي نحو الموت، دخلا الآن إلى غرفة الطعام.
بارتون الهزيل ذو الشعر البني الفاتح الذي يبدو قريباً إلى الذهبي، وتوسكان ذو الشَّعر الذهبي الباهت… كان كلاهما يبتسم بعينين بنّيتين داكنتين باهتتين تميلان إلى الشكل الأفقي.
ورغم اختلاف ملامحهما، إلا أن الجوّ الذي يحيط بهما متشابه إلى حد مزعج.
“ما الذي جاء بكما إلى هنا؟”
سألت الجدّة، فابتسم بارتون ابتسامة المذنب وقال:
“جئتُ لأقدّم اعتذاري بعد أن سمعت بما جرى في المبنى الملحق.”
ثم ألقى نظرة خاطفة إلى توسكان الواقف بجانبه وأردف:
“كان توسكان يزور المبنى الملحق كثيراً من أجل كليريا، لكنه لم يتمكّن من إدراك ما كان يحدث هناك جيداً، ويبدو أنه بذلك تسبّب في تفاقم الأمور.”
فخفض توسكان رأسه بشدة وقال:
“أعتذر. كان يجب أن أراقب الوضع أفضل… الخطأ خطئي.”
تدلّت خصاله الذهبية إلى الأسفل فلم تعد عيناه البنيتان الكريهتان ظاهرتين. تمنّيتُ لو أنه يبقى هكذا وينصرف دون أن يرفع رأسه ثانية.
كان واضحاً سبب مجيئهما في وجود الجدّة وأبي.
يريدان أن يبرّئا نفسيهما: لم يعلما شيئاً… لا علاقة لهما بما حدث… مجرد محاولة للتنصّل.
ولأن الجدّة تدخلت بنفسها، فهما يسبقان الخطر ويحاولان تجنّب أي عواقب قد تطالهما.
ولهذا كان اعتذارهما موجّهاً للجدّة وأبي… وليس لي.
ولو كان اعتذاراً حقيقياً، لوجّهانه لي أنا.
‘إن كان هذا أسلوبكما… فلن أبقى أنا صامتة.’
وبينما كان بارتون يتجاهلني ويعاملني كأني غير موجودة، ابتسمتُ له ببراءة مصطنعة وحيّيته كمن لا يعرف شيئاً.
“مرحباً؟”
“…نعم. هل أنت بخير؟ هل أصابك شيء؟”
فور تحيتي، بدل أن يعتذر، غيّر بارتون مجرى الحديث إلى القلق.
‘يريد طمس ما حدث بهذه الطريقة؟’
أملتُ رأسي قليلاً بابتسامة بريئة وسألت مباشرة:
“أنا بخير. لكن… لمن جئتَ لتعتذر بالضبط؟”
عندما رمقتُه نظرة مباشرة، مرّ على وجهه شيء من الانزعاج. وحين رأى أن الأمور لا تسير كما أراد، كاد يفتح فمه ليقول شيئاً.
لكنني لم أترك له الفرصة.
“آه، جئتَ لتعتذر لجدّتي وأبي!”
صفقتُ بيدي واقفةً وأنا أذكر نيّته الأصلية بصوت واضح.
“إذن سأصعد لغرفتي. لا أريد أن أزعج الكبار أثناء حديثهم.”
دووم.
بمجرد أن نهضتُ، انتفضت الجدّة بضربة سريعة على المائدة ونهضت قائلة بقلق:
“إلى أين تذهبين؟ لم تنهي طعامك بعد! أتكتفين بهذا القليل وتصعدين لغرفتك؟”
تجهمتُ قليلاً؛ فهي تبدو وكأنها ستنهض حاملة طعامي لتتبّعني بنفسها لو صعدت الآن.
“آه… أمم… نعم.”
كنتُ أنوي ذلك فعلاً… لكن بدا لي أن الأمر خطأ الآن.
“وأي إزعاج هذا؟ لن تسبّبي أي إزعاج.”
قالها أبي وهو يقترب مني.
“أما الإزعاج الحقيقي فهو مجيء أشخاص بلا سابق إخطار.”
ثم رمق أبي الضيفين بنظرة حادّة جعلت بارتون يتجمّد وتوسكان يبتلع ريقه بخوف.
وبنبرة ضيقٍ لا يحاول إخفاءها، قال لهما:
“من الذي سمح لكما بدخول المبنى الملحق؟ وفي هذا الوقت تحديداً… وقت طعام ابنتي؟”
التعليقات لهذا الفصل " 25"