━━━●┉◯⊰┉ الفصل 17 ┉⊱◯┉●━━━
“سيدي؟”
في هذه الحياةِ، يجبُ أن أنسجمَ جيداً مع هذا الرجل. أنا أعلمُ ذلك.
ورُغمَ عِلمي، إلا أنَّ طبيعتي الحادةَ لم تستطع التحملَ أكثر، فتحدثتُ معهُ بهذهِ الطريقة.
ومع ذلك، وبدونِ قصدٍ منّي، بَدَا أنني قد حصلتُ على ردِّ فعلٍ فعالٍ من هذا الرجل.
فبعدَ أن ظلَّ يراقبني لفترةٍ من الوقت، قامَ من مكانهِ ببطء.
‘واو، إنَّهُ حقاً ضخم.’
طولهُ لا يقلُّ عن طولِ عمّي الكبيرِ بيوان أو عمّي الصغيرِ بي رانغ.
وبَدَا نحيفاً قليلاً، ربما بسببِ قلةِ الطعام.
تطايرَ شعرهُ الطويلُ مع هبّاتِ الرياح.
“لقد سألتُكِ من أنتِ.”
كانت نبرتهُ قد أصبحت أكثرَ حدّة.
قَلبتُ عينيَّ يميناً ويساراً.
حسناً، بما أنني أطلقتُ تصريحاً واحداً لإثارةِ
استفزازه. فقد حانَ الوقتُ الآنَ لقولِ الحقيقة.
“ابنتُكَ!”
“…ماذا؟”
ارتفعَ حاجباهُ الوسيمانِ قليلاً.
كان تعبيرُ وجههِ مليئاً بالارتباك.
بَدَا الرجلُ وكأنَّهُ يفكرُ بعمقٍ وببطء، ثمَّ قال:
“أنا…ليسَ لديَّ ابنة.”
أوه. رُغمَ أنني توقعتُ ذلك، إلا أنَّهُ لأمرٌ مذهلٌ أن أسمعَ منهُ هذا الكلامَ الجاحدَ منذُ البداية.
‘حسناً، أنا أتفهمُ الوضع.’
لأنَّهُ بالتأكيدِ مَحا كلَّ شيءٍ من ذاكرته.
‘لو أردنا وصفَ حالتهِ بمصطلحاتِ عالمي السابق، فستكونُ حالتهُ هي <مرضَ ألزهايمر>.’
لقد كانَ الأمرُ كذلك.
إنَّ مَرَضَ والدي يتمثلُ في عدمِ قدرتهِ على تذكُّرِ أيِّ شيء.
لا والديهِ ولا إخوتهُ، ولا أصدقاءهُ.
ولا زوجتهُ.
ولا حتى ابنته.
في حياتي الأولى والثانية، لم أكن أعرفُ حقيقةَ مرضِ والدي. أو بالأحرى، لم تكن لديَّ الفرصةُ لأعرف.
وفي حياتي الثالثة، تجاهلتُ والدي عن عمدٍ وبدافعِ العناد، ولكن رُغمَ ذلك، ومن خلالِ تتبّعِ المعلومات، عرفتُ نوعَ المرضِ الذي يعاني منه.
قيلَ إنَّهُ مرضٌ تتراجعُ فيهِ الذاكرةُ وتزدادُ فيهِ حالاتُ النسيان، بشكلٍ يشبهُ مرضَ ألزهايمر الموجود في عالمي الحقيقي.
“لا يهمني إن كنتَ لا تتذكر.”
قلتُ كلماتي بوضوحٍ تام، مستخدمةً النطقَ الذي تدربتُ عليهِ مراراً. لم أكن أريدُ أن أبدو كطفلةٍ عاجزة.
“بما أنَّكَ أنجبتَني، فعليكَ أن تَتَحملَ المسؤولية.”
“…ماذا تقصدينَ بــ ‘المسؤولية’؟”
أووه، هل تستطيعُ فَهْمَ كلامِ الأطفال الآن؟ لقد اجتزتَ هذا الاختبارَ بنجاح.
راقبتُ حالةَ والدي بعينينِ باردتين. كانَ من المؤكدِ أنَّهُ نَسيني، وقيلَ إنَّهُ نَسي والدتي أيضاً.
“…أوه. لقد قيلَ لي إنني تزوّجت.”
بعدَ أن كانَ أباً جاحداً، ها هو الآنَ يغدو زوجاً فاشلاً أيضاً.
لا بدَّ أنَّ والدتي المتوفاةَ ترمقهُ الآنَ بنظراتٍ حادةٍ من القبر.
“هاااا…”
أطلقَ الرجلُ تنهيدةً ناعمة.
كانَ يبدو كشخصٍ رائعٍ وكأنَّهُ في جلسةِ تصوير، لكنَّهُ لم يثرْ فيَّ أيَّ مشاعرٍ قط.
لقد كانَ مجردَ أبٍ تخلّى عني، ومريضٍ يعاني من داءٍ عُضال، ليسَ إلا.
“يا لهُ من أمرٍ مزعج.”
وبعدَ ذلكَ الصوتِ الواهن، رَفَعَ الرجلُ رأسهُ فجأة.
“فلنفترضْ أنَّ الأمرَ كذلك.”
خُيّلَ لي أنَّ بريقاً مظلماً قد مَرَّ بعينيهِ اللتينِ هما أشدُّ احمراراً من عينَي عمّي الكبير.
“…ولكن، كيفَ لي أن أصدقَكِ بمجردِ سماعِ كلماتكِ؟”
شَعرتُ بجسدي يرتفعُ فجأةً في الهواء.
لم أشعر بالخوف.
‘إنَّهُ مستخدمُ رياح.’
لم آتِ إلى هنا دونَ أيِّ تحضيرات. لقد جئتُ ببعضِ المعلوماتِ البسيطةِ التي حصلتُ عليها عن والدي في حياتي الماضية.
وأيضاً….
قبلَ مجيئي إلى هنا، التقيتُ بعمي بي رانغ وتحدثتُ معه.
‘قُدرةُ والدكِ؟ لماذا تسألينني أنا عن ذلك؟’
‘لأنني لم أرَها ولو لمرةٍ واحدة!’
‘ماذا؟ …هل كنتِ تعيشينَ بمفردكِ طوالَ هذا الوقت؟ هل هذا يعقل؟ يا إلهي…’
أنَّ عمّي الصغيرَ بَدَا مصدوماً من كلامي.
‘تباً، هل هذا هو الوقتُ المناسبُ لتسألي عن ذلك؟! واو، هذا يسببُ الصُّداع. ولماذا تسألينني أنا وليسَ أخي الأكبر؟’
بالنسبةِ لعمّي الكبير، فقد دخلَ في عزلةٍ لأنَّهُ قالَ إنَّ هذهِ الفترةَ ليست آمنةً بالنسبةِ لهُ تماماً.
‘ذلكَ الرجلُ يثيرُ فيَّ القلقَ قليلاً.’
كان لديَّ شعورٌ بأنَّ الحديثَ عن والدي سيفتحُ باباً لقصصٍ مزعجة.
لذا، فإنَّ عمّي الصغيرَ الذي لا يلاحظُ الأمورَ بدقةٍ ولا يهتمُّ بحياتي كثيراً كانَ الخيارَ الأفضل.
عندما قلتُ لهُ إنني سأذهبُ إذا لم يخبرني، قامَ عمي بي رانغ أخيراً بإخباري ببعضِ الأشياء.
‘والدكِ يتحكمُ في الرياح. وأيضاً… إنَّهُ قويٌّ بشكلٍ لا يصدق. ربما كانَ بقوةِ أخي الأكبر، أو ربما أقوى منه.’
بالإضافةِ إلى ذلك، أخبرني بما كنتُ أعرفهُ بالفعل؛ وهو أنَّهُ قد نَسيني ونَسي والدتي.
‘ربما يعلمُ حقيقةَ أنَّهُ تزوّج، لكنَّهُ لا يستطيعُ التذكّر بالتفصيل.’
‘أخبرني عن مرضِه.’
‘آه، هذا…’
لسببٍ ما، لم يستطع إكمالَ حديثهِ عن مرضِ والدي. قامَ ببعثرةِ شعرهِ بيدهِ وقالَ لي: ‘اذهبي وشاهدي بنفسك’.
حسناً، بما أنني أعرفُ الأمرَ بشكلٍ عام، لم أضغط عليهِ أكثر.
‘آه، لا أعلم حقا. فقط اذهبي وانظري بنفسك كما قلتُ لكِ. ولكن هل حقًا يجبُ أن تذهبي وحدك؟ سأجمعُ شتاتَ شجاعتي وأذهبُ معكِ إذا أردتِ…’
‘سأذهبُ وأعود!’
وهذا ما يحدثُ الآن.
كنتُ معلقةً في الهواءِ من قفا عنقي، وأنا أنظرُ إلى الرجلِ الذي أمامي بتمعّن.
‘واو، الارتفاعُ كبيرٌ حقاً.’
إذا سقطتُ، فسأصابُ بكسورٍ على الأقل. نظرتُ خلسةً إلى جانبِ الرجل، حيثُ كانت هناكَ بركةُ مياهٍ كبيرةٍ جداً.
‘هل هذا الماءُ نظيف؟’
لقد أحضرتُ معي زجاجةَ مياهٍ للاحتياط، لكن إذا اضطررت، فقد أحتاجُ لاستخدامِ ذلكَ الماءِ لإجراءِ التشخيص.
ومع ذلك، فاحتماليةُ أن يكونَ نظيفاً ضئيلة.
“أنتِ ابنتي…؟”
كانت عيناهُ الحمراوانِ تُحدّقانِ فيّ.
“أنتِ تتحدثينَ بكلِّ وقاحة، رُغمَ أنَّكِ لا تشبهينني في شيء.”
هذا لأنني نسخةٌ طبقُ الأصلِ من والدتي.
ربما كانَ ذلكَ في حياتي الثانية، حينَ رأيتُ صورةً لوالدي. وفكرتُ حينها في الأمرِ نفسه؛ ‘يا إلهي، أنا لا أشبههُ أبداً حقًا’.
“لقد كانَ هناكَ عددٌ لا يُحصى من الحمقى الذينَ يتفوهونَ بكلامٍ عديمِ الفائدةِ أمامي غيركِ. وقد ظهرَ البعضُ منهم مؤخراً أيضاً. يبدو أنَّ حالتي كشخصٍ مريضٍ جعلتني أبدو مثيراً للسخريةِ في أعينهم.”
تسلّلت نبرةُ سخريةٍ إلى صوتهِ الهادئ
الذي بَدَا وكأنَّهُ حانٍ قبل قليل.
“لا يهمُّني الغرضُ الذي جئتِ من أجلهِ لتمارسي الاحتيال، أو ما هي نواياكِ الأخرى.”
شَعرتُ بضيقٍ طفيفٍ في التنفسِ بسببِ الهواءِ غيرِ المرئي الذي يلتف حولي.
‘واو، هذا الضغطُ ليسَ مزحةً حقًا.’
حتى أنني شَعرتُ بالرياحِ وهي تدورُ
حولي كأنَّها شفراتٌ حادة.
لكن بالمقارنةِ مع التهديداتِ التي
واجهتُها في حيواتي السابقة…
‘هذا لا يزالُ أمراً سهلاً.’
“…أنا لستُ والدكِ.”
ستندمُ على ذلك.
“يا لكَ من حُثالة!”
“هل تودّينَ السقوطَ في البركة؟”
كنتُ أعلمُ أنَّهُ قد يتصرفُ هكذا.
ضَغطتُ على شفتيَّ اللتينِ كانتا ترتجفانِ غريزياً، وحافظتُ على ابتسامتي.
نظرتُ إلى الرجلِ الذي لم يطرف لهُ جفن، وابتسمتُ ببراءة.
“هل يجبُ أن أثبتَ لك؟”
رُغمَ أنني مقيدة، إلا أنَّ يديَّ حرتان.
“اسمعْ يا أبي، رُغمَ مظهري هذا، إلا أنني طبيبةٌ وصيدلانية.”
“…لقد عِشتُ طويلاً لأسمعَ كلَّ أنواعِ الترهات. طفلةٌ مثلكِ طبيبةٌ؟ هل هذا نوعٌ من أنواعِ السخريةِ؟”
ضَيقَ الرجلُ عينيه. وبما أنَّهُ يتحكمُ بالرياح، فقد يطردني بعيداً في أيِّ لحظة.
أصبحَ الأمرُ ملحاً بعضَ الشيء. يجبُ أن أتوقفَ عن إستفزازِه وإثارةِ غضبهِ عندَ هذا الحد.
“أنا لم أكذب. يكفي أن أثبتَ لك، أليسَ كذلك؟”
أمسكتُ بحقيبتي وفتحتُها.
لقد افترضتُ عدةَ احتمالات؛ ومنها أنَّ هذا الرجلَ لن يصدقَ أنني ابنته، وأنَّهُ قد يهددني.
“ليسَ من الصعبِ معرفةُ ما إذا كنا من نفسِ السُّلالة.”
“…”
“قطرةُ دمٍ واحدة. أعطني إياها فقط.”
“…”
“أليسَ الأمرُ غريباً؟ ما السَّببُ الذي قد يدفعني للمجيءِ إلى هنا والصراخِ بأنني ابنتكَ؟ لو كانت لديَّ نوايا سيئة، لكانت هناكَ طرقٌ كثيرةٌ جداً!”
نظرتُ خلسةً نحوَ الجانبِ الغربيِّ حيثُ يقعُ المبنى الرئيسي، ثمَّ أعدتُ نظري إليه.
“أنتَ تظنُّ أنَّكَ تُرِكتَ هنا وحدك.”
رأيتُ تعبيرَ وجههِ يتصلَّبُ بشكلٍ طفيفٍ جداً.
رَفَعَ الرجلُ الذي كان يحدّقُ نحوي يده. وفجأة، مَرَّت نَسْمةُ ريحٍ حادة، وسالَ الدمُ من إصبعه.
“وماذا بعد؟”
واو، لماذا ينصاعُ للأمرِ بهذهِ السهولة؟
‘في مخيلتي، كنتُ أظنُّ أنَّهُ سيثيرُ ضجةً أكبر.’
رُغمَ شعوري بالارتباك، إلا أنني أخرجتُ بسرعةٍ اللوحةَ التي أعددتُها مسبقاً.
“هنا! هنا! ضَعْ دمكَ هنا!”
والآن، ماذا سأفعلُ أنا؟ نظرتُ إلى الرياحِ التي كانت تدورُ حولي كالشفرات.
آه، ها هي.
وفي اللحظةِ التي مددتُ فيها يدي نحوَ تلكَ الرياح.
“…ماذا تفعلين؟!”
دُفِعَ جسدي بقوةٍ إلى الخلف.
“هل تُريدينَ أن يطيرَ مِعصمُكِ؟ إذا أردتِ الانتحار، فافعلي ذلكَ بمفردكِ.”
عندما رأيتُ وجهَ هذا الرجلِ بملامحهِ الحادة.
حينها ابتسمتُ بابتهاجٍ.
“أنا أيضاً أخرجتُ دمي!”
كانَ يجبُ عليَّ أن أخرجَ دمي أيضاً. وحتى لو أُصبتُ، فبإمكاني علاجُ نفسي.
‘من المريحِ جداً أنَّ جروحَ جسدي تُشفى بسهولة.’
ثمَّ إنَّهُ لو كانَ ينوي قتلي أو إيذائي، لفعلَ ذلكَ منذُ البداية.
في تلك اللحظة، رفعَ الرجلُ حاجبيهِ بدهشةٍ وذهول.
سواءً فَعلَ ذلكَ أم لا، قمتُ بتقطيرِ دمي على اللوحة بالفعل.
‘من الجيدِ أنَّ هذا العالمَ يحتوي على شيءٍ يشبهُ اختبارَ الأبوة.’
علاوةً على ذلك، وبسببِ وجودِ قضايا الأبناءِ غيرِ الشرعيينَ في عائلاتِ النُّبلاء، كانت هذهِ المادةُ الكاشفةُ شائعةً أكثرَ مما يتوقعُ المرء.
المهمُّ هو ما إذا كان والدي يتذكرُ هذا الأمر أم لا…
‘بما أنَّهُ لم يمنعني، فربما يمتلكُ قدرًا من المنطق الذي يساعدهُ على تذكّر الأمور العلمية؟’
تغيرَ لونُ اللوحةِ المشبعةِ بالأعشابِ الطبيةِ بسرعة.
“هذهِ اللوحة، إذا أصبحَ لونُها أسود، فنحنُ غرباء، وإذا أصبحَ أزرق، فنحنُ من نفسِ الدَّم.”
أمسكتُ باللوحةِ التي تغيرَ لونُها فوراً ومَدَدتُها ليرَاها الرجلُ وأنا أبتسم.
“انظر، نحنُ من نفسِ الدَّم، أليسَ كذلك؟”
رُغمَ أنَّ ملامحَ الوجهِ لا تتشابه، إلا أننا أبٌ وابنتهُ فعلاً، يا والدي.
والآن، كُنْ مطيعاً واقبلِ التشخيص. ولنبدأ بتناولِ الدواءِ من الآنَ فصاعداً، ما رأيك؟
__تَرْجم بِكلِّ حُبٍّ مِنْ قَبْلِ كَارِيبِي
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 17"