━━━●┉◯⊰┉ الفصل 15 ┉⊱◯┉●━━━
‘ماذا ستفعلينَ إذن؟’
بَدَا وكأنَّ عمّي الكبيرَ يرمقُني بنظرةٍ تملؤها الحيرةُ والفضول.
كانَ لا يزالُ يتساءلُ في نفسهِ عن السَّببِ الذي جعلني لا أعالجُ والدي، وأتوجَّهُ إليهما بدلاً منه.
وبينما كنتُ أفكر بهذا…عُدتُ إلى الحاضرِ مجدداً.
“أفهمتَ يا عمّي!”
بِصوتٍ حادٍّ، استرجعتُ وعيي من تلكَ الذكرى وعُدتُ إلى الواقع.
‘آه…’
تنهدتُ بعمقٍ والتفتُّ خلفي.
وعلى مَقربةٍ منّي، كانَ عمّي الصغيرُ بي رانغ يستمعُ بتعبيراتٍ مَلولةٍ إلى توبيخِ ابنِ عمّي كيوون.
“أفهمتَ ما أقول؟ يجبُ أن تُعاملَ الطفلةَ بعنايةٍ واهتمام.”
“أجل، أجل، يا أيتها الأميرة.”
“…أيُّ لقبٍ هذا الذي تنعتُني بهِ؟”
رُغمَ أنَّ عمّي كانَ جاثياً على ركبتيه، إلا أنَّ أسلوبهُ كانَ متهوراً لا يختلفُ عن أسلوبِ متسكّعي الشوارع.
سخرَ عمّي الصغيرُ قائلاً:
“لقد قلتَ إنَّ علينا أن نخدمَ هذه الصغيرة. فبماذا يختلفُ ذلكَ عن معاملةِ الأميرة؟ ثمَّ إنَّكَ أنتَ أيضاً لا تزالُ طفلاً، أليسَ كذلك؟ يبدو أنه لدينا أميرتانِ إذن.”
“لا تتحدّث بكلماتٍ بذيئةٍ بكلِّ هذهِ الثقة. كيفَ
تفعلُ ذلكَ وأنتَ أبٌ لطفلة؟”
“هاه، أنا أنوي أن أكونَ النَّبيلَ الأكثرَ دِفئاً ورقةً أمامَ ابنتي، لماذا تسأل؟”
…هل هذا ممكنٌ حقاً؟
أَمَلْتُ رأسي وأنا أستمعُ إلى حوارهما.
بالتأكيد، يمتلكُ عمّي الصغيرُ ملامحَ نبيلٍ وسيم، ولكن ماذا بعدَ ذلك؟
بمجرّدِ أن يفتحَ فمهُ، تتبدّدُ تلكَ الهالةُ تماماً.
هزَّ كيوون رأسهُ يائساً.
“…طفلٌ في الخامسةِ يرتادُ المدرسةَ سيكونُ أكثرَ فَهماً للكلامِ منكَ يا عمي.”
“ماذا؟ هل تحتقرُني الآن؟ لقد تلقيتُ تعليماً جيداً، وذهبتُ إلى إكاديميةٍ أيضاً!”
تنهَّدَ ابنُ عمي ثمَّ تقدَّمَ نحوي.
“ابنَ عمي، إنَّ عمّي الصغيرَ يرمقكَ بنظراتٍ حادة.”
“لا بأس. إنَّهُ يمتلكُ قلباً طيباً في الأصل، لذا لن يضربني. وبما أنَّني شرحتُ لهُ كلَّ هذا، فلا بدَّ أنَّهُ فهمَ السَّببَ الذي يمنعهُ من قَرصِ خدَّيكِ؛ هذا إن لم يكن عقلهُ تافهاً كعقلِ دودةِ الأرض.”
“أسمعُكَ جيداً، أتعلم؟ لقد شتمتَني للتو، أليسَ كذلك؟”
قَلَّبْتُ عينيَّ يميناً ويساراً.
‘علاقتهما جيدة.’
أمسكَ كيوون بيدي ونفثَ عنها التراب، ولم يكتفِ بذلكَ بل قامَ بتنظيفِ ثيابي أيضاً.
“ولكن ما الذي كنتِ تفعلينه هنا؟”
“كنتُ أقتلعُ الأعشابَ الطبيةَ!”
“اتركي مثلَ هذهِ الأمورِ لعمّي الصغير. فهو يمتلكُ طاقةً فائضة. أو يمكنكِ إخباري أنا.”
“هاه؟”
أطلقَ بي رانغ تنهيدةً ساخرةً وكأنَّ الأمرَ لم يعجبه. أما ابنُ عمي، فقد أمسكَ بيدي بقوةٍ وهو يحدّقُ فيّ.
“ليسَ هو ووالدي فقط من يدينان لكِ بالفضل. أنتِ أنقذتِني أنا أيضاً.”
كانت عيناهُ صافيتين. عمّي الكبيرُ يمتلكُ شعراً أسودَ وعينينِ حمراوين، أما كيوون فكانت عيناهُ سوداوين.
يبدو أنَّهُ يشبهُ والدتهُ. أومأتُ برأسي.
‘صحيح، لقد أنقذتُكَ. سأمنعكَ من أن
تصبحَ شريراً في المستقبل أيضًا.’
لذا، كُنْ كالطائرِ الذي يردُّ الجميل. واكبَر لتصبحَ حارسي الشخصي، ما رأيك؟
وقفتُ على أطرافِ أصابعي.
‘اممم، رُغمَ هذا لا أستطيعُ الوصولَ إليه؟’
خَفَضَ كيوون رأسهُ نحوي. فمَسحتُ على رأسهِ بيدي الصغيرتينِ الرقيقتين.
ثمَّ ابتسمتُ بتعبيرٍ يملؤهُ الفخر.
“هذا وضعٌ جيدٌ جداً! استمرَّ هكذا!”
“…ماذا؟”
“اجتهدْ لتصبحَ قوياً وتردَّ لي الجميل لاحقًا!”
بَدَا ابنُ عمي مذهولاً للحظة، ثمَّ ضحكَ بخفّة.
“حسناً.”
رؤيةُ ابتسامتهِ التي تشبهُ ابتسامةَ الأطفالِ البريئين جعلتني أشعرُ بالفخرِ قليلاً.
وفي تلكَ اللحظة.
بيييك-!
‘بيييك؟’
سُمِعَ صوتٌ غريب.
التفتُّ حولي لكنني لم أستطع معرفةَ مصدرِ الصوت. وفجأةً، نظرتُ نحوَ ثيابي و…
“آااااه، يا إلهي!”
كدتُ أسقطُ من شدّةِ الدهشة، لكنَّ أحداً ما أمسكَ بي.
كانَ عمّي الصغير.
نظرتُ مجدداً إلى طَرَفِ ثيابي، وحينها فقط استطعتُ رؤيةَ ذلكَ الشيءِ الملتصقِ بها بوضوح.
‘كتلةٌ…من القطن؟’
بَدَت كأنَّها كتلةٌ مصنوعةٌ من زغبٍ كثيف. كانت تبدو دافئةً وناعمةً ولطيفةً جداً.
[توضيح/ الزغب (Down): هو المصطلح الأدق للكتاكيت (صغار الطيور)، وهو الريش الأولي الناعم جداً الذي يسبق ظهور الريش الحقيقي.]
‘كُتكوتٌ عيناهُ غارقتانِ في الريش الكثيف…؟’
كانت هناكَ عينانِ سوداوانِ ترمشانِ وتنظرانِ إليّ. كانَ لونهما مألوفاً، إنَّهُ لونُ عينيَّ ابنِ عمي.
عَلَّقَ بي رانغ الذي كانَ يحتضنني قائلاً:
“إنَّهُ وحشُ البرق.”
“وحشُ البرق؟”
أَمَلْتُ رأسي متسائلة:
“هل هو يسكنُ في الدِّماغ؟”
“…أيُّ شيءٍ مقززٍ ومرعبٍ تتخيلينه؟ ليسَ كذلك! إنَّهُ حيوانٌ خُلِقَ من البرق. وحشٌ مقدَّس.”
آه، بما أنَّني طبيبة، فقد كانَ من الطبيعيِّ أن يتبادرَ ذلكَ إلى ذهني أولاً.
‘على أيِّ حال، هل هذهِ الكتلةُ من الريش هي وحشُ البرق؟’
فهمتُ الأمرَ بشكلٍ عام.
يُقالُ إنَّه في حالةِ الأشخاصِ الذين يمتلكونَ قدراتٍ طبيعيةً قويةً جداً من بينِ سكانِ الشرق، قد تَتَشكَّلُ قواهم تلقائياً لتتخذَ هُويّةً خاصةً وشكلَ حيوان.
وكلّما كانَ شكلُ الحيوانِ أوضح، كانت القوةُ أعظم.
‘بجانبِ البطلةِ أيضاً، كان هناكَ طائرٌ
صغيرٌ لطيفٌ جداً، أليسَ كذلك؟’
قالت صديقتي ذاتَ مرة، إنَّهُ كانَ بمثابةِ تميمةِ حظٍ لطيفةٍ تظهرُ في كلِّ مرةٍ تقومُ فيها بالطهي.
“أخي الأكبرُ يربي وحشاً أسودَ كالفحم، فهل كنتَ أنتَ أيضاً تربي شيئاً كهذا يا أبن اخي؟”
بيييييك-!
فجأةً، أصبحَ وحشُ الريش متدلياً من يدِ عمّي الصغير.
بَدَا وكأنَّهُ منزعجٌ، إذ كانَ يُحرِّكُ أطرافَهُ بعشوائية، ولكن بما أنَّ أطرافَهُ كانت قصيرةً وسمينة، فقد بَدَا أنَّ محاولاتهُ لا جدوى منها.
“هل يمتلكُ عمّي الكبيرُ شيئاً كهذا أيضاً؟ ولكن لماذا لم يظهر حينَ فَقَدَ صوابهُ في المرةِ الماضية؟”
“ربما قامَ بختمهِ عمداً؟ تخيّلي لو أنَّ رجلاً مجنوناً أطلقَ معهُ وحشاً مجنوناً، ماذا سيحدث؟”
آه، لهذا السببِ لم أَرَهُ في حياتي الأولى أيضاً.
على أيِّ حال، لم يكن الأمرُ مفاجئاً بالنسبةِ لي، فقد كنتُ أرى مثلَ هذهِ الحالاتِ أحياناً بينَ مستخدمي قدراتِ النارِ أو الأرضِ من سكانِ القارةِ الغربية.
لم أكن أعلمُ أنَّ كيوون يمتلكُ مثلَ هذهِ القدرة، وهذا أمرٌ مذهل. ولكن لا أذكرُ أنَّني سمعتُ عن هذا في الروايةِ الأصلية؟
بيييييك، بيييييك!
كان وحشُ البرقِ يُصدرُ صوتاً حزيناً، وكأنَّهُ ينادي صاحبه.
ولكنَّ ابنَ عمي، بدلاً من أن ينظرَ إليه، أشاحَ بوجههِ بعيداً وتجاهله.
وعندما مَدَّ عمّي الصغيرُ يدهُ التي تُمسكُ بالوحش، تراجعَ كيوون خُطوةً إلى الوراء.
“…لم يخرج هذا الشيءُ برغبتي.”
تصلَّبَت ملامحُ عمّي الصغير. بَدَا وجههُ مذهولاً.
“يا فتى، هل أنتَ الآن…تُنكرُ وجودَ وحشِ البرقِ الخاصِّ بك؟ يا للهول. إنَّهُ كائنٌ يتمنى الآخرونَ الحصولَ عليهِ ولا يستطيعون. ألا تعلم…؟”
“…”
“أأنتَ جاهلٌ لأنَّكَ صغير؟ هذهِ الكائناتُ تنمو وتكبرُ من خلالِ اعترافِ صاحبها وثقتهِ بها.”
نَظَرَ عمّي الصغيرُ خلسةً إلى الوحشِ الذي بين يديه.
“انظرْ إلى حالتهِ الآن، يبدو وكأنَّهُ لم يتناول شيئاً منذُ أمدٍ بعيد. إنَّهُ ضعيفٌ وكأنَّهُ سيختفي، وإذا استمررتَ في إنكارهِ هكذا…”
كما قالَ عمّي، كان وحشُ البرقِ يصرخ، لكنَّهُ بَدَا واهناً جداً.
بيييييك…
رُغمَ لطافته، إلا أنَّهُ بَدَا كحيوانٍ صغيرٍ مهجور، تشعرُ وكأنَّهُ إذا دَفعتَهُ قليلاً سيتدحرجُ ثمَّ يسقطُ مَيتاً.
“…أعلمُ ذلك. لقد شرحَ لي والدي الأمرَ وأنا أعلمُهُ جيداً. وحتى لو لم يشرحهُ لي، فأنا أعلم.”
كان وجهُ كيوون الذي يتحدثُ بحدةٍ مليئاً بالاستياء. بَدَا كطفلٍ صغير، على عكسِ وقارهِ قبلَ قليلٍ حينَ كانَ يُوبِّخُ عمّي الصغير.
“عمّي، ما الذي يعنيهِ كلُّ هذا؟”
“آه…”
بما أنَّني أعرفُ الخطوطَ العريضةَ ولكنني أجهلُ التفاصيل، قامَ عمّي الصغيرُ بالشرحِ لي.
“بينَ مستخدمي قدراتِ العلاجِ أو القدراتِ الطبيعية، يُعتبرُ النوعُ الذي تتجسّدُ فيهِ القوةُ على شكلِ وحشٍ مقدَّسٍ كهذا نادراً جداً. لكنَّ هذا الفتى يقومُ بفعلٍ طائشٍ ويضيعُ حظَّهُ بيديه.”
“…اممم.”
“هذا الكائن، لن يعيشَ طويلاً.”
هزَّ عمّي يدهُ التي تُمسكُ بالوحشِ بخفّة. وفي تلكَ الأثناء، فَقَدَ الوحشُ طاقتَهُ تماماً وظلَّ متدلياً.
“كانَ بإمكانِ هذا الشيءِ أن يصبحَ أقوى، لكنَّهُ رَفَضَه.”
“…لم أرفضهُ!”
رَفعَ كيوون رأسهُ فجأةً وهو يتنفسُ بصعوبة.
“أنا فقط…”
“الأمرُ واضح. كُنتَ خائفاً من أن تَرِثَ مَرضَ والدك، أليسَ كذلك؟”
تصلَّبَ كيوون في مكانهِ وكأنَّهُ ضُرِبَ في مَقتل.
‘بالتأكيدِ لا يزالُ صغيراً. مشاعرهُ واضحةٌ كالكتابِ المفتوح.’
سيتمُّ الكشفُ عن ذلكَ لاحقاً، ولكن كانَ هناكَ احتمالٌ بأن يُورثَ المرضُ الذي يعاني منهُ عمّي الكبيرُ لأبنائه.
“لقد خِفتَ أنَّكَ إذا امتلكتَ وحشاً مقدَّساً ثمَّ فَقَدتَ صوابكَ للحظة، قد تؤذي عدداً أكبرَ من الناس. خِفتَ أن تصبحَ مثلَ والدك، أليسَ كذلك؟”
“…كفى، ما الذي تعرفهُ أنتَ يا عمّي الأصغر!”
أجابهُ بي رانغ باستخفافٍ وكأنَّ الأمرَ مضحك:
“وكيفَ لا أعرف؟ أنا أيضاً خائفٌ من أن تَرِثَ ابنتي مرضي.”
كانت كلماتٍ ألقاها بعفوية، ولكنَّها لا بدَّ وأنَّها كانت حقيقةَ مشاعرِ هذا العمِّ الذي يتصرفُ دائماً بلا مبالاة.
صَمَتَ الاثنانِ تماماً، وسادَ جوٌّ ثقيلٌ من الصمت.
شعرتُ ببعضِ الغرابة.
بل شعرتُ بمدى سخافةِ الموقف…
“أقول… لماذا أصبحتم محبطينَ هكذا فجأة؟”
رَفَعْتُ يدي بخفّة. وقلت مُشيرةً لنفسي:
“على أيِّ حال، بيونا ستتولى علاجَ الجميع.”
لقد أتيتُ إلى هنا لأعالجكم جميعاً، أليسَ كذلك؟ رُغمَ مظهري هذا، إلا أنَّني أعظمُ طبيبةٍ عبقريةٍ في القارة، هل تعلمون؟
في هذهِ الحياة، لن تعيشوا كمرضى أبداً.
__تَرْجم بِكلِّ حُبٍّ مِنْ قَبْلِ كَارِيبِي
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 15"