━━━●┉◯⊰┉ الفصل 14 ┉⊱◯┉●━━━
“ماذا؟”
“على الرّغمِ من أنّنا لم نلتقِ وجهاً لوجهٍ منذ أمدٍ بعيد، إلا أنَّك تفهمُ ما أعنيه، أليس كذلك؟ أنا مُصابٌ بمرضٍ عُضال. أوه، ومن قبيلِ الصُّدفةِ أنَّك يا أخي كذلك أيضاً.”
“…”
بَدَا وكأنَّ عمّي الصغير بي رانغ قد ضحك بخفّة، ثم رفعني فجأةً عالياً.
“هذه الصغيرةُ هي الحقيقةُ بعينها.”
ثم ظلَّ يحتضنني والابتسامةُ تعلو وجهه، فكان يتلألأُ كابنِ عائلةٍ نبيلةٍ ومرموقة.
“ربما نحنُ الآن نُعاينُ مسبقاً العبقريةَ التي ستغدو الأفضلَ في هذه المدينة، بل… في البلادِ بأكملها.”
“…يا أخي الصغير، إنّكَ تُبالغُ كثيراً.”
قطبَ عمّي الكبير ما بين حاجبيه، ثم ضحك بقلةِ حيلة.
“لقد ازدادَ تباهيكَ بعد أن كُنتَ غارقاً في النومِ طوالَ الوقت.”
“ماذا؟”
وعلى الرّغمِ من قولهِ ذلك، إلا أنَّ عمّي الكبير ظلَّ يرمقني بنظراتٍ متفحصة.
“همم، يا بيونا. بناءً على ما قالهُ أخي وابني… قلتِ إنّكِ تُجيدين استخدامَ قُدراتكِ، فهل تَنْوينَ تشخيصَ حالتي؟”
“إذا سَمحتَ لي بذلكَ.”
أومأتُ برأسي. وعندما اقتربَ عمّي الكبيرُ فجأة، اعترضَ بي رانغ طريقهُ وحالَ بيننا.
“آه، لا تقتربْ بوجهكَ هكذا. يكفي أنَّ ملامحكَ تبدو شرسةً للغاية. ماذا لو شعرتِ الطفلةُ بالخوف؟”
“أوه، هل ستبدأ في مدح وجهكَ يا أخي الصغير؟”
“ماذا؟ منذُ القِدَمِ والأكثرُ وسامةً هو—”
“الأخَ الثاني.”
كلاهما وسيمٌ ولكن… والدي هو الأكثرُ وسامة.
وبالنسبةِ لي، أنا التي رأيتُ صورةَ والدي الشخصية، كانت هذه حقيقةً لا جِدالَ فيها.
“إذاً يا بيونا.”
سألَ عمّي الكبيرُ وهو يدفعُ وجهَ عمّي الصغيرِ بعيداً بيده.
“يبدو أنّكِ أذكى بكثيرٍ ممّن هم في سنّكِ، وتفهمينَ طبيعةَ العيشِ هنا جيداً.”
كانت عيناهُ الحمراوانِ حادّتينِ وفي الوقتِ ذاته تملؤهما المودّة.
“ما الذي تُريدينهُ منّا؟”
أن يبحثَ عن المنطقِ في أفعالِ طفلةٍ في الثالثةِ من عُمرها… يبدو أنَّهُ لا يَراني طفلةً عاديةً حقاً.
ابتسمتُ بابتهاج.
“هذا صحيح. هناكَ شيءٌ أريدهُ… ولكن أرجو أن تُحقِّقا لي طلباً واحداً أولاً.”
أشرتُ بيدي نحوَ السور.
“خُذاني إلى سوقِ الأعشابِ الطبيةِ من فضلكما!”
حسناً، الآن بما أنَّ مُحاربي المستقبلِ قد أصبحوا في قبضةِ يدي، فقد حانَ الدورُ لأصبحَ الطبيبةَ الأفضلَ في العالم!
…هكذا كُنتُ أظنّ، ولكن—
“اممم… بخصوصِ هذا الأمر، أعتقدُ أنَّهُ سيكونُ صعباً.”
تحطّمَت خطتي الأولى منذُ البداية.
“أنا وأخي الأصغر؛ لا يمكننا أن نكونَ أوصياءَ عليكِ.”
***
بعدَ ثلاثةِ أيام.
في المرجِ الأخضر، كُنتُ أبذلُ قصارى جهدي وأنا أحاولُ قلعَ الأعشابِ الطبية.
أقولُ قلعَ الأعشاب، لكنني في الحقيقةِ أبدو وكأنَّني معلّقةٌ بها.
‘لماذا هذا الجسدُ خفيفٌ إلى هذا الحدّ!’
بذلتُ مجهوداً كبيراً حتى احمرَّ وجهي كحبّةِ الطماطم، وتصبّبَ العَرَقُ من جبيني.
جلستُ على الأرضِ فجأةً بتعب.
‘آه، متى سأنتهي من كلِّ هذا؟’
نظرتُ بتعبٍ إلى العُشبةِ الطبيةِ الوحيدةِ التي نجحتُ في قلعها.
يقولونَ إنَّ البيوتَ الثريةَ حتى لو أفلست، فإنَّ أثرها يبقى لثلاثِ سنوات على الأقل. حالياً، في عهدِ جدتي، بدأتِ العائلةُ تنهارُ تدريجياً.
ومع ذلك، فإنَّ هذا المنزلَ القديمَ الذي تمَّ الاعتناءُ بهِ لأكثرَ من مئةِ عامٍ كان يضمُّ مزارعَ للأعشابِ في كلِّ مكانٍ فيه، وكذلكَ الحالُ في المبنى في الجانبِ الشرقيِّ المهجور.
بالطبع، يُمكنُ القولُ إنَّ حالتهُ جيدةٌ بالنسبةِ لمنطقةٍ مهجورة، لكنَّها ليست جيدةً تماماً على الإطلاق.
نظرتُ إلى جذورِ ‘الجينسنغ’ التي استخرجتُها بالكاد، ثم وضعتُها على الأرضِ وتمدّدتُ مكاني.
“آاااااه!”
وعلى الرّغمِ من عدمِ وجودِ أحد، إلا أنَّني أطلقتُ صرخةَ تذمّرٍ نحوَ السماء.
‘تباً، كُلٌّ من عمّي الكبيرِ وعمّي الصغيرِ يحتاجانِ إلى الدواءِ من أجلِ علاجهما!’
كلُّ هذا لأنَّني لم أستطع الذهابَ إلى السوق!
خلفَ هذا السورِ تماماً، يوجدُ سوقُ أعشابٍ يُعدُّ واحداً من أكبرِ ثلاثةِ أسواقٍ في الإمبراطورية!
هناكَ الكثيرُ من المكوناتِ التي أريدُ جلبَها من هناك، لكنني عالقةٌ هنا لا أستطيعُ الخروج…
‘هل أخرجُ سراً بمفردي؟’
لا، لا يُمكن. جسدُ طفلةٍ في الثالثةِ يُشكِّلُ عائقاً كبيراً في مثلِ هذهِ المواقف. من المؤكّدُ أنَّ الخارجَ يعجُّ بالمحاربينَ الأشِدّاء.
بما أنَّ هذا المكانَ يعيشُ على الحرب، فإنَّ سكانَ القارةِ الغربيةِ غلاظُ الطباعِ بطبيعتهم.
‘بهذا المعدل، ليسَ فقط لن أصبحَ أفضلَ طبيبةٍ في العالم، بل سيكونُ من الصعبِ حتى أن ألفتَ الأنظارَ في هذه العائلة.’
هناكَ أسبابٌ كثيرةٌ تجعلني أحتاجُ إلى أعشابٍ طبيةٍ جيدةٍ حالاً؛ لعلاجِ عمّي الكبيرِ وعمّي الصغير، وأيضاً…
“ماذا هناك؟ ما الذي يحدث؟”
من منظوري المقلوبِ وأنا مستلقية، ظهرَ عمّي الصغير وهو يقتربُ بخطواتٍ واسعة.
كانت علاماتُ الذهولِ تكسو وجهه.
“… لماذا تستلقينَ على الأرضِ وتتصرفينَ بهذا الجنـ….ـون؟ هل تناولتِ دواءً خاطئاً؟”
“…هل رأيتني؟”
تجمّدتُ في مكاني وأنا أتخبطُ على الأرضِ الترابية.
متى أتى؟
“أسألكِ لماذا تتصرفينَ هكذا بحق؟ لقد فاجأتِني.”
يا لهُ من لسانٍ سليط.
“لا أعرف. كلُّ هذا بسببِكَ يا عمي.”
“كيفَ لا تعرفين؟ لقد كنتِ تتخبطينَ بجنونٍ فجأة. هل أنتِ نحلة؟ تثورينَ لمجردِ أنَّ أحداً لمسكِ؟”
أجبتُهُ دونَ أن أتحرّك:
“إذاً، هل عمي زهرةٌ؟ لأنَّكَ لن تستطيعَ العيشَ دونَ أن تحملني على ظهرك؟”
“يا إلهي! من أينَ تعلمتِ هذهِ الطريقةَ في الكلامِ وأنتِ لا تزالينَ صغيرةً هكذا، ها؟”
“آي، آي، آييييي!”
أميرُ الغابةِ النائمِ هذا! هل يظنُّ أنَّ كونهُ والدَ البطلةِ يعطيهِ الحقَّ في كلِّ شيء؟ إنَّهُ يقرصُ خدّي باستمرار.
لم أستسلم، وقرصتُ خدَّ بي رانغ بدوري.
“هل قرصتِني؟ حقاً فعلتِها؟”
“أجل! لقد فَعَلتُ!”
…من أيِّ زاويةٍ يُمكنُ اعتبارُ هذا حواراً مع شخصٍ بالغ؟
“آه، اتركني!”
في تلكَ اللحظة، رأيتُ كيوون قادماً من بعيد، فصرختُ بسرعة.
“يا إلهي! سأموت!!”
“ماذا؟ أنها مُمثلةٌ بارعةٌ حقًا!”
“ماذا تفعلُ يا عمّي الأصغر!”
“هاه؟”
تظاهرتُ بالألمِ بسرعة، رُغمَ أنَّ الأمرَ لم يكن يؤلمني كثيراً في الحقيقة.
“هئ، هئ، الآن بيونا لم يعد لديها خدّان…”
قالَ ابنُ عمي وهو يقطبُ وجههُ الوسيم:
“حقاً، كم مرةً يجبُ أن أقولَ لك هذا؟ بيونا لا تزالُ في الثالثةِ من عُمرها فقط! يبدو أنَّ نومكَ طوالَ يومِ أمسِ لم يكن كافياً لتستعيدَ رُشدك.”
“يا فتى، انتظر لحظة…؟ أشعرُ بالظلمِ هنا.”
“كفى، اجلسْ مكانكَ!”
“لا أريد!”
“عن أيِّ ظلمٍ تتحدث؟ لم أكن أعلمُ أنَّ عمّي الأصغرَ يفتقرُ إلى المنطقِ بهذا القدر. ما رأيكَ أن نتحدثَ قليلاً؟ ساعةٌ واحدةٌ ستكونُ كافية.”
“لماذا تتحدثُ بسرعةٍ هكذا…؟ وهل أنتَ سيدي؟ يا فتى، وقتي الثمينُ لن أضيعهُ معكَ، آغهه! هذا مؤلم! واو، هل استخدمتَ البرقَ للتو؟ أيُّها الفرخُ الصغير!”
“هل أستدعي والدي؟”
تراجعَ بي رانغ أمامَ هيبتهِ وجلسَ ببطء. من المضحكِ رؤيتهُ ينصاعُ له.
ربما لأنَّ خلفَ كيوون يقبعُ عمي الأكبر بيوان.
“لا ينفعُ هذا، لنغيّر المكان. سنذهبُ إلى حيثُ يوجدُ والدي.”
رُغمَ أنَّني لم أرهُ إلا ليومينِ فقط، إلا أنَّ هناكَ شيئاً واحداً أدركته.
وهو أنَّ بي رانغ يشعرُ بالارتباكِ من أخيهِ الأكبرِ ويحاولُ تجنبه.
“…هذا تصرّفٌ لئيم.”
انفجرتُ ضاحكةً وأنا أنظرُ إلى ظهرِ عمّي وهو يتبعُ كيوون بينما يجرّ أقدامه مجبرًا على السير، يبدو غاضبًا ولكنهُ لا يجرؤُ حتى على ضربِ ابن أخيه.
في رأسي، كنتُ أستعيدُ ما حدثَ قبلَ ثلاثةِ أيامٍ حينَ طلبتُ من عمّي الكبيرِ أن يصحبني إلى السوق.
‘أنا وأخي الأصغر؛ لا يمكننا أن نكونَ أوصياءَ عليكِ.’
كانَ ذلكَ الخبرُ كالصاعقة. وكانَ تفسيرُ عمّي الكبيرِ كالتالي:
‘لقد سَبَقَ لي ولأخي الأصغرِ أن فَقَدنا صوابنا وآذينا الناسَ في الماضي.’
…إيه؟ حتى بي رانغ؟
في تلكَ اللحظة، نظرتُ خلسةً إلى عمّي الصغيرِ الذي كان ينظرُ إلى مكانٍ آخرَ بوجهٍ غاضب.
‘كما أنَّ الخروجَ محظورٌ علينا أيضاً.’
لا أتذكرُ شيئاً عن هذا في الروايةِ الأصلية. ربما لأنَّ الوقتَ الآن هو ما قبلَ بدايتها؟
‘أجسادُنا ملطخةٌ برائحةِ تعقُّب، وفي اللحظةِ التي نخرجُ فيها سيتمُّ القبضُ علينا ومعاقبتنا.’
‘إذاً ماذا أفعل…؟ ألا توجدُ طريقة؟’
لا يُمكنُ أن يكونَ هذا صحيحاً. لقد كُنتُ أنتظرُ الذهابَ إلى السوقِ بفارغِ الصبر.
هذا أمرٌ في غايةِ الأهميةِ لخطتي!
‘أنا لا أزالُ صغيرةً ولا يُمكنني الخروجُ بمفردي!’
‘هناكَ طريقة.’
تبادلَ عمّي الكبيرُ النظراتِ مع عمّي الصغيرِ بخبث.
‘يا بيونا. في هذا الجانبِ الشرقي، هناكَ مريضٌ واحدٌ فقط ليسَ لديهِ أمرُ حظرِ خروج.’
لقد شككتُ في ذلك.
‘إنَّهُ والدُكِ، هايك بي هوا.’
في تلكَ اللحظة، لم أستطع النطقَ بكلمة.
في الحقيقة، حتى لو لم أستطع الذهابَ إلى
السوقِ فوراً، فقد كنتُ قد فكرتُ في طرقٍ أخرى.
إلا أنَّني في حياتي السابقةِ لم أجرب الخروجَ وأنا في الثالثةِ من عُمري.
‘في المرةِ الأولى عِشتُ كعبدة، وفي الثانيةِ لم أفعل شيئاً سوى الدراسة. وفي الثالثةِ هربتُ مبكراً.’
الأطفالُ في عائلةِ هايك يجدونَ صعوبةً في الخروجِ بمفردهم قبلَ سنِّ الخامسةِ عشر، ويجبُ أن يرافقهم وصيٌّ دائماً.
بما أنَّ عائلةَ هايك تُخرّجُ الكثيرينَ من ذوي القدراتِ الفذةِ في الطبِّ والصيدلة، فإنَّ هناكَ قوىً تسعى لاختطافِ هؤلاء الأطفال.
وحتى لو لم يكن ذلكَ السبب، فإنَّ مظهرهم المميزَ يجعلُ لهم قيمةً كبيرةً في سوقِ العبيد.
‘ألا توجدُ طريقةٌ أخرى…؟’
عندما رأى عمّي الكبيرُ كيفَ قَصُرَ كلامي من الصدمة، اتسعت عيناهُ قليلاً ثم ضحك ضحكةً مكتومة.
‘لا توجد.’
‘…’
كانَ وجههُ عابثًا وماكرًا.
‘آه، وهناكَ حلّ. إذا نَقَلَ والدُكِ سلطةَ الوصايةِ إلينا، حينها ربما يمكننا التحدثُ مع العائلةِ بخصوصِ هذا…الأمر؟’
‘في البداية، أخي الأكبرُ لن ينجح؛ فماضيهِ حافلٌ جداً. أما أنا، فسينجحُ الأمرُ معي أيتها الصغيرة.’
على أيِّ حال، هذا يعني أنَّهُ في النهايةِ يجبُ أن أقابلَ والدي وأتفاوضَ معه، أليسَ كذلك؟
__تَرْجم بِكلِّ حُبٍّ مِنْ قَبْلِ كَارِيبِي
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 14"