ارتجفتُ تلقائيًا عند ذِكر زاكاري. أما جيراكيل، الذي بدا مستمتعًا برد فعلي، فقد قال بصوتٍ هادئ:
“لا تقلقي. ما دام جسدكِ مغطى بفيرموناتي، فأنتِ بأمان.”
ثم لمس خدي بخفة، بابتسامة بطيئة فيها شيء من الحزن، ممزوجة باستسلام مألوف.
“والدي يكره فيرموناتي بشكل خاص.”
في ذلك الجو الثقيل الذي خيم علينا، نظرتُ إلى جيراكيل بصمت.
‘إذًا، حين قال أن رائحتي كريهة، كان يقصد فيرموناتك أنت، لا رائحتي أنا؟.’
لم أدرك إلا الآن سبب انتقاد زاكاري. كنتُ أظن أنّه يتحدث عن رائحتي أنا.
شعور غريب اجتاحني. كنتُ أتوقع هجومًا شخصيًا قاسيًا، فإذا به ليس موجّهًا إليّ، بل إلى جيراكيل.
لكن مع ذلك، كان الأمر غير مريح.
‘هذا كثير…’
هل يمكن لأي أب أن يقول لابنه: “رائحتك كريهة” وهو يقصد فيرموناته؟ عادةً ما يشعر المرء بألفة مع فيرمونات دمه.
هل لهذا علاقة أيضًا بجنون عائلة جابيسي؟.
القصة الأصلية لم تتعمّق في جنون عائلة جابيسي، بل ذكرت فقط أنّ فيرمونات إيلا النادرة كانت نافعة.
لا، ربما من الصعب أن نعتبره جنونًا بحتًا. فيرمونات عائلة الأسد الأسود كانت من أقوى أنواع الفيرمونات المغلقة، على أعلى مستوى.
وبالنظر إلى حساسية جيراكيل المفرطة تجاه فيرمونات الكائنات الأخرى في القصة الأصلية، لم يكن واضحًا إن كان ذلك صفةً خاصة بتلك الفيرمونات.
ربما كانت فيرموناتي دقيقة لدرجة أنها لم تزعجه. أو ربما هي كمية ضئيلة مكنتني من دخول مساحته الشخصية بلا إزعاج.
“لذا، كوني حذرة ألا تلتقي بوالدي.”
قال جيراكيل ذلك وأغمض عينيه. ولمنعي من الهرب، ضمّني بين ذراعيه.
أنا، وقد تحولتُ إلى دمية محبوبة لدى الشرير، حدقتُ في وجهه النائم، ولم أشعر بنفسي وأنا أغفو بدوري.
—
في ذلك اليوم، أثناء لعبي الغميضة مع آيلا في الحديقة، لم يكن الهواء شديدًا.
وأثناء بحثي عن مكان مناسب للاختباء، صادفتُ بالصدفة أكثر شخص لم أُرِد أن ألتقيه.
“أنتِ…”
كان زاكاري يتمشى، وعندما رآني قطب حاجبيه.
أما أنا، التي كنتُ ما أزال أحمل ضغينة من الأمس، فقد نفشتُ فروي بوضوح، ثم تجرأتُ واختبأتُ خلف شجرة. ولم أدرك إلا متأخرة أنني لم أحيه، فأخرجتُ رأسي بحذر، وهو رفع حاجبه.
أشار زاكاري إليّ لأقترب. قلقة من ردة فعله، أخرجت رأسي من وراء الشجرة.
وعندما حكّ رأسي، تجمعَت الفيرمونات على أطراف أصابعه.
تهديد متهوّر! ماذا يمكن أن تفعل نمس أبيض صغيرة مثلي أمامه؟ كان ذلك لحظة حتمية عندما اقترب فجأة.
التقطني بين إبهامه وسبابته وقرّب وجهي إليه.
بفضله، امتد جسدي مثل قطعة غسيل على مشبك. كان ينظر إليّ كأنني مخلوق غريب.
لسبب ما، بدا منزعجًا وهو يرمش وقال:
“همم، أكان اسمكِ جيجي؟ تبدين مثل كتلة غبار.”
كانت إهانة صريحة.
“تشيتشي!.”
انتفضتُ غضبًا. اسم تشيتشي ليس عظيمًا، لكنه يختلف كثيرًا في وقعه عن جيجي. اسم جيجي يوحي وكأنني ذا رائحة سيئة!.
وفوق ذلك، وصفُه لي بأنني كتلة غبار كان مستفزًا. كإبن عرس أبيض، شعرت بالغضب.
وعندما ارتجفتُ بكامل جسدي، ضحك زاكاري. كان الأمر أكثر استفزازًا لأنه هو من بدأ بالسخرية ثم ضحك بهدوء.
وأنا أتقلب أستجديه أن يتركني، تمتم زاكاري بسخرية:
“لو بقيتِ هادئة فلن آكلكِ.”
تمددتُ بهدوء وأنا أدحرج عينَي.
واصل تهديده…
في عالم السوين، يُنظم السُلّم الهرمي بحسب الفيرمونات.
كنتُ متروكة من دون أن أعرف حتى طبيعة فيرموناتي. على النقيض، كان زاكاري زعيم عائلة جابيسي.
مع أنني كنتُ أعلم أنه عليَّ الانحناء فقط لمكانته، إلا أنّ طبعي العنيد من حياتي السابقة في كوريا كان يظهر ويسبب المشاكل.
“الآن صرتِ أكثر طاعة قليلاً.”
أجلسني زاكاري بهدوء على كفّه، كأنه يستمتع بخضوعي.
بالأمس فقط كان يقول لي ألا أقترب. إبداء الاهتمام فجأة جعلني مرتابة بشدة.
وأنا أدحرج عينَي بحزن، فتح زاكاري فمه.
“هي، جيجي.”
‘إنه تشيتشي!.’
وعندما لم أردّ، ناداني زاكاري بنبرة ساخرة، ثم أضاف بإيقاع يشبه بصوت كئيب.
“لو وضعتكِ في الماء، ستنتفخين وتنفجرين مثل حبة فاصوليا بيضاء. أجيبي، وإن لم تفعلي، سأغمسكِ في الماء وآكلكِ.”
“…”
“همم، أين كانت البحيرة…”
تظاهر زاكاري بأنه سيأخذني إلى بحيرة قريبة.
“تشيتشي!.”
يائسة، أمسكتُ بإبهامه وصرختُ. كان الأمر مقلقًا، فسقوطي في البحيرة شتاءً يعني الانتحار. قبل أن تُشعل النار، سأتحول إلى كتلة ثلجة مثل حبة فول متجمدة!
كنتُ أصرخ وأتدحرج وأتشبث به بيأس. كم من الوقت ظللتُ متشبثة هكذا؟.
وفجأة، عندما سكت زاكاري، رفعتُ رأسي حائرة، فإذا بعيونه تلتقي بعيني.
“هاهاعا.”
كان زاكاري يضحك بحرارة، كتفاه ترتجفان من الضحك.
‘هذا الأسد الأسود اللعين.’
حقًا، كل الأسود يبدو أن منطقهم مقلوب رأسًا على عقب. استغليتُ اللحظة التي كان يضحك فيها وهربتُ من كفه.
لكن لم يطل الأمر حتى اعترض أحد طريقي.
“تشو!.”
“ها أنتِ هنا.”
وجدني جيراكيل وابتسم بلطف. ابتسامته تحت ضوء شمس الشتاء كانت ساحرة جدًا. كنتُ أكثر ارتياحًا بعد تعذيبي من زاكاري.
“تشيتشي!.”
[أنقذني!.]
عندما التصقتُ بساقه ورفعت رأسي بخجل، اتسعت عينا جيراكيل الذهبية بدهشة. ربما كنتُ عادةً مشغولة بالهرب حين يقترب، لذا بدا تمسكي به غريبًا له.
عندها، التقطني جيراكيل بحرص وأخفاني في حضنه كأنه لا يريد أن أُؤخذ منه، مثلما يحمي شيئًا ثمينًا.
“لماذا تهتم بما هو لي؟ أنتَ من طلب أن تبتعد عنك بسبب رائحتها.”
“حسنًا، لم أتحدث معها بشكل صحيح في ذلك الوقت بسبب فيرموناتك.”
“هل تقول انك تريد التحقق منها الان؟.”
ضحك زاكاري على سؤال جيراكيل.
‘التحقق من ماذا؟’
أملتُ رأسي مستغربةً الحوار الغامض. فقال زاكاري:
“حسنًا، ابن العرس العادي لا يحدق بي هكذا.”
“تشيتشي خاصتنا مختلفة. ركلاتها قوية جدًا.”
“هي ضربتك؟.”
اتسعت عينا زاكاري كأنه سمع أمرًا صادمًا. كان غريبًا على ابن عرس أبيض أن يتجرأ على ركل أسد أسود، خصوصًا على وريث عائلة جابيسي.
‘أنا لم أقصد أن أضربه فعلاً!.’
أدرتُ عينَي مثل طالبة استُدعيت إلى مكتب المدير لفعل شيء خاطئ. لكن نقطة استغراب زاكاري كانت مختلفة تمامًا عما توقعتُ.
“أنتَ فقط تركتَ الأمر هكذا؟.”
كانت نبرته غير مصدقة. أما جيراكيل فهز كتفيه وقال:
“لم ابقَ ساكنًا.”
“إذًا؟.”
“لقد قمت بإعطاها الجانب الاخر لركله.”
‘توقف عن الهراء!.’
رفعتُ ذيلي مغتاظةً من جواب جيراكيل الوقح. تباهيه وتبجحه زاد من ذهشتي.
“من المؤسف أنك لم تجربها. إنه مؤلم للغاية.”
‘ولماذا عليّ ضربه أيضًا؟.’
شعرت أن عقلي يغادرني، فهززتُ ذيلي على كف جيراكيل.
“آحم.”
سعل زاكاري وكأنه يظن أن جيراكيل يبالغ.
“لا، انا جاد.”
التقت عينا زاكاري الضبابيتان بحدقتا جيراكيل المرتجفتان في الهواء.
وخُيل لي أنني رأيت زاكاري ينظر إليّ بشفقة.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 9"